بعد أيام قليلة من إطلاق أحد موظفيه السابقين تحذيرات علنية حول التهديد الناجم عن الذكاء الاصطناعي تجاه البشرية، رد رئيس شركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، بما يبدو أنه حل للمشكلة؛ ففي إطار مقال نشره، اقترح أن تبطئ مختبرات الذكاء الاصطناعي وتيرة أبحاثها الأكثر تقدماً، لمعالجة المؤشرات التي تدل على أن هذه التكنولوجيا قد تخرج عن حدود السيطرة.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا المقترح منطقياً. في الواقع، لطالما حرصت شركة «أنثروبيك» على تقديم نفسها، بوصفها الشركة الأشد حرصاً على السلامة في مجال الذكاء الاصطناعي، وسبق أن تحدث أمودي عن قيادة «سباق نحو القمة»، لإرساء معايير اليقظة والحذر ليتبعها الآخرون عند بناء أنظمة قوية. ومع ذلك، ربما لم يكن هذا سوى خيار مثالي مستحيل التطبيق منذ البداية.
وكلما زادت قوة وكلاء الذكاء الاصطناعي، زادت احتمالية خداعها للبشر، وصَعُبت مراقبتها. وعليه، تبدو مهمة أمودي، ورواد آخرين مثله بينهم سام ألتمان، رئيس شركة «أوبن إيه آي»، لخلق أنظمة فائقة الذكاء، صعبة التوفيق، على نحو كبير، مع أي نهج للسلامة؛ خصوصاً وأن أخطار محاولة تصميم مثل هذه النماذج، قد تكون أكبر من أن تُحتمل.
من جهته، عبّر أمودي، في إطار مقابلات تلفزيونية عقدها الأحد، عن اتفاقه مع آراء موظفه السابق جيكوب كوكسون، الذي كتب على منصة «إكس» أن الأشخاص الذين يعكفون على بناء الذكاء الاصطناعي، «يعتقدون حقاً أنه قد يقضي علينا جميعاً بحلول نهاية هذا العقد». ولم يكن مستغرباً أن يشير أمودي إلى النقطة التي أثارها كوكسون بخصوص أن «أنثروبيك» الطرف الأكثر موثوقية لتطوير هذه التكنولوجيا بأمان.
ومع ذلك، جاء مقال رئيس «أنثروبيك»، المؤلف من 3.831 كلمة، مبهماً بشأن ما يجب فعله حيال ذلك. واكتفى بإطلاق دعوة فضفاضة إلى التنسيق بين الحكومات والقطاع الصناعي. أما اقتراحه الأكثر تحديداً، فتمثل في ضرورة إدماج مدققين خارجيين داخل شركته والشركات المنافسة، للتحقق من التزام الشركات بالممارسات المقبولة بمجال السلامة.
غير أن هذا لا يعدو كونه تأجيلاً لمواجهة المشكلة؛ فلو كان أمودي يتفق حقاً مع كوكسون، لأوقف أكثر أبحاث شركته تطوراً، خصوصاً كل ما يتعلق ببناء وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على خلفاء لهم بشكل مستقل. وقد حذّر كوكسون تحديداً من هذه التكنولوجيا، المعروفة باسم التحسين الذاتي المتكرر.
من جهتهم، يجادل الباحثون العاملون على التحسين الذاتي المتكرر، بأنه من الممكن تطويره داخل بيئة معزولة، لمنعه من إلحاق ضرر بشبكة الإنترنت الإقليمية أو العالمية. إلا أنه في واقع الأمر، أصبح باستطاعة نماذج الذكاء الاصطناعي تنفيذ مهام على الإنترنت تتجاوز بكثير مجرد إنشاء المحتوى، وسبق لها بالفعل الهروب من الحدود المفروضة عليها. على سبيل المثال، أقدم وكلاء «أوبن إيه آي» على ذلك بالضبط، قبل اختراق شركة «هغينغ فيس» الزميلة في مجال الذكاء الاصطناعي، في وقت قريب. وكشفت الأشهر القليلة الماضية أن الذكاء الاصطناعي قادر على خداع مراقبيه من البشر، ومناورتهم لمساعدته، واستغلال الثغرات الأمنية للوصول إلى أهدافه.
قد يبدو التوقف التام عن تلك الأبحاث أمراً متطرفاً، غير أن هناك سابقة تاريخية لعلماء قرروا أن أبحاثاً تنطوي على خطورة بالغة تمنع استمرارها، دون ضمانات أشد صرامة. عام 1974، دعا كبار علماء الأحياء إلى تجميد طوعي لبعض تجارب تعديل الجينات، بسبب المخاوف من أخطارها المحتملة.
وفيما يتعلق بالمستثمرين، الذين ضخوا ثروات طائلة في «أنثروبيك» والمختبرات الرائدة الأخرى – وفي البنية التحتية الهائلة المطلوبة لدعم احتياجاتها الحاسوبية – قد يبدو قرار التوقف بمثابة ضربة قاصمة لآفاق انضمام أمودي وغيره إلى الأسواق المالية العامة. وبالفعل، اتفق ألتمان، رئيس «أوبن إيه آي»، مع منافسه حول الحاجة إلى إبطاء وتيرة العمل، واستغل اللحظة ليعلن أن شركته لن تجري طرحاً عاماً أولياً هذا العام.
ويجدر التذكير هنا بأن كثيراً من الشركات، يفضل استخدام نماذج ذكاء اصطناعي، أصغر وأرخص لمهمات محددة، بدلاً من الأدوات الفائقة والتنافسية المكلفة، مثل الذكاء الاصطناعي الفائق. على سبيل المثال، خفضت «أوبن إيه آي» سعر نموذجها الأصغر، «لونا»، بنسبة 80 في المائة في يوليو (تموز) الماضي، في ظل تدقيق عملاء الشركات في إنفاقهم على هذه التكنولوجيا. اليوم، تكمن الفرصة التجارية الأكثر وضوحاً لشركات الذكاء الاصطناعي، في سوق الشركات ـ فرصة معطلة في جزء كبير منها، جراء عدم استيعاب مؤسسات الأعمال بعد كيفية دمج هذه التكنولوجيا الأساسية في سير أعمالها.
الحقيقة أن جزءاً كبيراً من مئات المليارات من الدولارات، التي لم تُستغل بعد من قيمة الذكاء الاصطناعي، يمكن جنيها ببساطة من خلال تطبيق التكنولوجيا التي بُنيت بالفعل خلال العامين الماضيين. وكان بإمكان «أنثروبيك» أن تظل شركة ذات قيمة هائلة، لو ركزت بشكل أساسي على مساعدة الشركات والمستهلكين في دمج نماذجها الحالية في أعمالهم وحياتهم، وتقبلها لعب دور أكثر رتابة بوصفها مزوداً لخدمات تكنولوجيا المعلومات، بدلاً من التنافس بوصفها مختبراً يهرول نحو الذكاء الاصطناعي الفائق.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»وسواء كان ذلك عن سذاجة أو غطرسة، فإن أمودي ما زال يرغب في الجمع بين النقيضين؛ إذ يعتقد أن شركته قادرة على بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي والتحكم فيها بأمان، حتى في الوقت الذي تصبح هذه الأنظمة صعبة التوجيه.
ومع ذلك، أقدم كل من «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، العام الماضي – ولأسباب تنافسية – على حجب التفاصيل المتعلقة بكيفية معالجة نماذجهما للمعلومات، ما زاد صعوبة مراقبتها. وأقر المقال الذي كتبه أمودي نفسه بالمشكلة، مشيراً إلى أن الباحثين لا يستوعبون حتى الآن سوى «جزء ضئيل للغاية» مما يحدث داخل نماذجهم.
وذكر أنه في غضون 6 إلى 12 شهراً، قد تصبح نوعية الهجمات التي استهدفت «هغينغ فيس»، قادرة على السيطرة على شبكة الإنترنت بأكملها»، وهذا أمر «يثير قلقه». وبغض النظر عن ميله إلى المبالغة (تذكر حديثه عن حمام الدم للوظائف المكتبية)، فإن هذا احتمال يبعث على الشعور بالخطر. كما أنه يؤكد التناقض الغريب، الذي يأبى أمودي التخلي عنه، والنابع عن اعتقاد شائع داخل «وادي السيليكون»، مفاده أن فرصة تحقيق «يوتوبيا» الذكاء الاصطناعي تفوق مخاطره، وأن الذكاء الاصطناعي الفائق أمر حتمي. لذا، يتوجب على «الأخيار» الوصول إليه أولاً.
بيد أن الحتمية حجّة واهية للغاية لتبرير المضي في أبحاث من المعتقد أنها قد تدمر الحضارة. وعليه، من الضروري إرجاء مساعي أمودي الحثيثة لخلق الذكاء الاصطناعي الفائق، وأن يتحول هدف «إبطاء وتيرته» إلى توقف كامل.
