يمكن اعتبار مخرجات الاتفاق الثلاثي، السوري الأردني الأميركي، الذي جرى التوصل إليه في دمشق، استكمالاً لمفاوضات في جلستَي عمّان في 19 يوليو/ تموز و12 أغسطس/ آب الماضيين، بمثابة مبادرةٍ لحلّ أمني لاستعصاء السويداء، تقوم به حكومة دمشق، وترعاه عمّان وواشنطن ممثّلة بمبعوثها الخاص إلى سورية، توم برّاك. ورغم رفضها من اللجنة القانونية في السويداء التي شكّلتها الهيئة الروحية لطائفة الموحّدين الدروز، ممثَّلة بشيخ العقل حكمت الهجري، إلا أنّ تدويلَ الحلّ تحت إشرافٍ أميركي يفتحُ الباب على ترتيباتٍ أمنيةٍ لكامل الجنوب السوري ستتجاوز قصّة إعطاء محافظة السويداء حقّ تقرير المصير، وفق ما يطالب به ناشطون فيها، إلى شكلٍ من الإدارة الذاتية بتشكيل مجلس محافظة يشمل الدروز والمسيحيين والسُّنة فيها، وإعادة الخدمات الحكومية وتدفّق المعونات وانسحاب العشائر من القرى الغربية والإشراف على ترميمها وإطلاق سراح المخطوفين بإشراف الصليب الأحمر الدولي، وحماية طريق السويداء دمشق بعناصر شرطية مدرّبة، وسحب عناصر وزارة الدفاع ومعدَّاتهم الثقيلة، وكذلك العشائر المقاتلة، إلى خارج حدود المحافظة، وإنهاء خطاب الكراهية وتجريمه من الحكومة، وفتح مسار مصالحةٍ بين ساكني المحافظة ومنهم العشائر، والأهم دعوة لجنة التحقيق الدولية بشأن سورية إلى التحقيق فيما حصل، على أن تلتزم حكومة دمشق بالمحاسبة.
تريد دمشق العودة إلى اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، لكنها لا تملك أوراقاً للضغط على الاحتلال الذي لا يثق بقدرة دمشق على الالتزام بالاتفاقات
بغضّ النظر عن معوقات تنفيذ الاتفاق، سواء ما يتعلق برفضٍ من داخل السويداء، أو بإمكانية مماطلة والتفاف من حكومة دمشق، إلَّا أن المبادرة لا تقدّم حلّاً سياسياً لأزمة السويداء، التي تعبّر عن أزمة سياسية تشمل كلَّ الجغرافيا السورية، بل تقدّم ترتيباتٍ أمنيةٍ تشمل كلَّ الجنوب السوري، هي، من جهة أولى، لمعالجة تبعات الهجوم غير محسوب العواقب، الذي شنَّته قواتٌ عشائريةٌ مواليةٌ للحكومة على محافظة السويداء وممارسة القتل والتنكيل والحرق والتهجير على أساس طائفي، وما تبعه من تدخّل إسرائيلي تضمّن قصف العاصمة دمشق. ولا ترغب الجارة الجنوبية (الأردن) في توتّراتٍ أمنيةٍ على حدودها، كما أنّ التوجّه الأميركي هو دعم سلطة مركزية بدمشق، وأن تنضمَّ إليها كلُّ الأطراف، بغضِّ النظر عن درجة اللامركزية المطروحة. ومن جهة ثانية، تشكّل خريطة الطريق مقدّمةً لاتفاق أمني مع دولة الاحتلال تشرف عليه الولايات المتحدة، حسب ما ورد في البند 12 منها. فعقب التوقيع على مبادرة دمشق، كانت هناك اتّصالات متسارعة للتوصّل إلى اتفاقات سورية إسرائيلية، إذ التقى وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بوزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، في لندن، ثمّ غادر إلى واشنطن في زيارته الأولى، وقبيل لقاءٍ يجمع زعماء العالم (الأسبوع الجاري) لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في نيويورك، المخطّط أن يلقي فيها الرئيس السوري، أحمد الشرع، خطاباً.
وقد كشف الشرع أن المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي قد تؤدّي إلى نتائج في الأيام المقبلة؛ لكن السؤال ينعلق بطبيعة الاتفاق الممكن مع الكيان، مع استبعاد النقاش في مصير الجولان المحتل، أو حول الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية في هذه المرحلة. ما تريده دمشق العودة إلى اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، لكنها لا تملك أوراقاً للضغط على الاحتلال الذي لا يثق بقدرة دمشق على الالتزام بالاتفاقات، لضعفها من جهة، وبسبب طبيعتها الجهادية السلفية وعدم قدرتها على ضبط جماعاتها من جهة أخرى. كان من المفترض التوصّل إلى الاتفاق الأمني مع الاحتلال في باكو في يوليو/ تموز الماضي، لولا اندلاع الأحداث الأمنية في السويداء، وسوء إدارة سلطة دمشق هذا الملف. كان خطأ إدارة دمشق أنها بسياساتها الداخلية الاستئثارية وحلولها الأمنية الطائفية لمشكلات الأطراف قد داست كلَّ فرص الحصول على شرعيةٍ داخليةٍ يمكن أن تحصّنها من تقديم التنازلات إلى الخارج، في حين أنَّها اعتقدت منذ تسلُّمها زمام السلطة بأنَّ الحصول على الشرعية الدولية يمرّ عبر اتفاقٍ مع الكيان تتعهَّد فيه بحسن الجوار.
لم تكن تلُّ أبيب حاضرةً مباشرةً في اجتماع دمشق الثلاثي، فيما تولّى توم برّاك مهمّة تلبية المطالب الأمنية للاحتلال، حول انسحاب القوات الحكومية والعشائر الموالية لها والسلاح الثقيل. في حين أنّ التسريبات عن الاتفاق الأمني مع الاحتلال تنتهك سيادة الدولة على أراضيها، فقد بات تمركز القوات الإسرائيلية في مرتفعات جبل الشيخ الاستراتيجية دائماً، إضافة إلى مناطق من ريف القنيطرة الغربي وجنوب غرب ريف دمشق، خصوصاً في الحدود السورية اللبنانية، وهناك منعٌ لاستخدام المسيَّرات في الجنوب من الجانب السوري، ومطلوب من دمشق تسليم الجهاديين، خاصّة في الشمال السوري، وملاحقة أيّ وجود لعناصر تابعين لحركة حماس أو الجهاد الإسلامي، ولكل الفصائل الفلسطينية في الجنوب، وكذلك سيظلّ المجال الجوي السوري في منطقة الجنوب متاحاً لحركة الطيران الإسرائيلي.
أبعد من ذلك، هناك جدال حول إمكانية دعم وزارة الدفاع السورية، المشكَّلة من فصائل لم يتم حلّها ودمجها في مؤسسة الجيش الذي يُراد له أن يبقى بلا سلاح استراتيجي، وبلا دعم، فيستمرّ الاستهداف الإسرائيلي لأيّ تمركز تركي جديد في وسط سورية أو غربيها، كما أنّ من الصعب أن تعمل دفاعاتٌ جوية في الأراضي السورية، تركية كانت أو روسية. كما أن الاتفاق الثلاثي والحديث عن اقتراب توقيع اتفاقات أمنية مع الكيان المحتل برعاية أميركية يعني فشل استعانة إدراة الشرع بروسيا للتوسّط في حلٍّ للجنوب يقلّل من حجم التدخّلات الإسرائيلية. وأصبح المسموح لإدارة الشرع وجود عناصر شرطية فقط في الجنوب، على أن تكون مدرّبة.
ما تحتاجه سورية هو حلّ سياسي شامل، وأن تقبل دمشق بتوسيع المشاركة في عملية بناء المؤسّسات
لم يؤيّد رئيس الطائفة الروحية للموحدين الدروز في فلسطين، موفق طريف، مطالب حقّ تقرير المصير والاستقلال التي رفعها ناشطو السويداء المحيطون بالشيخ الهجري، فيما يحاول الأخيرون العمل على جمع التوقيعات الشعبية الداعمة هذه المطالب، ومن الواضح أن الأميركيين وافقوا على فكرة حكم ذاتي يضمّ كلّ أبناء المحافظة، فيما يتحدّث برّاك عن بناء تدريجي للثقة بين دمشق والسويداء. هذا مرهون بجدّية واشنطن وعمّان للضغط على دمشق، لتحقيق التزاماتها بفتح الطريق وتأمينه وإعادة الخدمات، ومحاسبة من ثبت تورّطه بجرائم. يبدو هذا الحل الأمني بحكم ذاتي للسويداء جيداً لأبناء المحافظة، ولكنّ ربطه بتوافقات أمنية مهينة للسوريين مع الاحتلال تسمح باستمرار تدخلات الأخير تحت دوافع أمنية لن يقود إلى استقرار المنطقة، في حين أن هذه الترتيبات للجنوب السوري، والتزام دمشق بها، شرطٌ لذهاب الشرع إلى نيويورك، بانتظار رفع كامل للعقوبات. ويعتقد المسؤولون في دمشق أن هذا الإنجاز لو تحقّق سيكون كافياً لتحقيق السيطرة والاستقرار؛ وهنا المشكلة الكبرى، فما تحتاجه سورية حلّ سياسي شامل، وأن تقبل دمشق بتوسيع المشاركة في عملية بناء المؤسّسات، ووضع خطط تنموية تحقق عدالة أكبر في توزيع الدخل وإعادة الإعمار، حلولاً لمشكلات السوريين المعيشية خصوصاً، وشرطاً أساساً لتحقيق الاستقرار، في ظلّ تصاعد تململ شعبي في مناطق مختلفة. المصدر العربي الجديد