-
الجمهورية.نت
-
-
-
رفعت وزارة الطاقة السورية، مساء السبت الماضي، أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 28 و40 بالمئة، مبرّرة القرار بـ«ارتفاع استثنائي في كلفة تأمين المشتقات عالمياً» وبالتزامن مع أعمال الصيانة في «مصفاة بانياس»، مؤكدة أن التعديل «مؤقت ومرتبط بظروف استثنائية».
وبحسب التسعيرة الجديدة التي أقرّتها «اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية»، ارتفع سعر لتر البنزين أوكتان 95 إلى 195 ليرة سورية جديدة بعدما كان 152 ليرة، أي بزيادة تقارب 28 بالمئة كما حُدّد سعر البنزين أوكتان 90 بـ 185 ليرة مقارنة بـ 145 ليرة سابقاً، بنسبة ارتفاع تقارب 28 بالمئة. أمّا المازوت فارتفع إلى 175 ليرة جديدة بعد أن كان 125 ليرة، أي بزيادة تقارب 40 بالمئة، وهي النسبة الأعلى بين المشتقات الثلاثة. وبذلك تكون أسعار المحروقات قد ارتفعت بنحو 60 بالمئة منذ سقوط النظام في كانون الأول (ديسمبر) 2024.
تأتي هذه الزيادة في وقت تتصاعد فيه الضغوط المعيشية، ما دفع مجموعات من السكان للنزول إلى الشوارع وقطع طرق رئيسية وإشعال الدواليب احتجاجاً. وفي ظلِّ هذا التوتر، أعلن مجلس الشعب اليوم موافقته على عقد جلسة استماع لوزير الطاقة يوم الخميس القادم في مقر المجلس.
وانطلقت الاحتجاجات بعد ساعات من إصدار التسعيرة الجديدة من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور. وشهدت دير الزور وقفات احتجاجية في الطيانة، والعزبة، والكسرة، ومحيميدة، وخشام، والتبني، والقورية، ويواصل محتجون لليوم الثاني قطع طريق حقل العمر بالإطارات المشتعلة. وشهدت مدينة الرقة وريفها، أمس، سلسلة وقفات احتجاجية على قرار رفع أسعار المحروقات، شارك فيها مئات الأشخاص في تحركات بدت عفوية ومن دون تنسيق مسبق.
وقطع محتجون طريق الرقة – دير الزور في عدة نقاط، بينها قرى شنّان والبوحمد والكرامة ومعدان، وأشعلوا الإطارات وسط الطرقات. وفي البوحمد، اعترض متظاهرون موكباً حكومياً أثناء مروره، فيما أطلقت عناصر مرافِقة للموكب النار في الهواء لتفريق المحتجين. كما خرجت مظاهرات في حزيمة والشركراك في الريف الشمالي، وقطع محتجون طريق الرقة – تل أبيض. وشهد مركز المحافظة تجمعات احتجاجية عند مفرق الحصيوة، ومفرق الجزرة، وجسر الصوامع.
ورفع المحتجون مطالب أبرزها التراجع عن قرار رفع أسعار المحروقات، وإقالة وزير الطاقة، وتحسين الأوضاع المعيشية، وسط غضب من انعكاسات القرار على تكاليف النقل والزراعة والخدمات والمواد الأساسية.
وامتدت الاحتجاجات إلى مناطق واسعة من محافظة الحسكة، خصوصاً في الريف الجنوبي. وتركّزت التحركات في مركدة والشدادي ومنطقة الـ47 وعجاجة، إضافة إلى تل براك في الريف الشرقي والشمالي الشرقي. وفي مركدة، أُغلق الطريق الواصل بين الحسكة ودير الزور وأُشعلت الإطارات، فيما شهدت منطقة الـ47 والشدادي قطعَ الطريق أمام صهاريج النفط الخام. وفي تل تمر، أُغلق الطريق الدولي M4 الرابط بين تل تمر وحلب، وكذلك المحور باتجاه القامشلي، ويستمر الإغلاق لليوم الثاني، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. كما تحدثت مصادر محلية عن خلو عدد من مراكز انطلاق الحافلات من الآليات وإضراب سائقينَ عن العمل، ما أدى إلى توقف جزء من حركة السفر والتنقل.
وسريعاً، امتدت موجة الاحتجاجات نحو الشمال لتشمل إدلب وحلب، في مشهد يعكس تسارع انتشار الغضب الشعبي واتساع رقعة التحركات.
في محافظة حلب، خرجت احتجاجات في عدد من المناطق، أبرزها في ريفها الشمالي، حيث شهدت مدينتا مارع وإعزاز تجمعات واسعة، وفي الريف الشرقي بمدينة الباب، إضافة إلى احتجاجات داخل مدينة حلب، وتحديداً في حي الحلوانية. وفي إعزاز، قطع محتجون الطريق الدولي حلب – غازي عنتاب وأشعلوا إطارات، ما دفع قوات الأمن إلى التوجه للمكان لإخماد الحرائق، قبل أن يتطور الموقف إلى تراشق بالحجارة بين محتجين وعناصر الأمن، لتنسحب القوات الأمنية لاحقاً تجنباً لتصعيد جديد. وتجدّدت الاحتجاجات اليوم في إعزاز، مع مطالب بخفض أسعار المحروقات واستقالة وزير الطاقة.
وفي مارع، شارك مئات الأشخاص في احتجاجات رفعوا خلالها لافتات تندد بارتفاع الأسعار وتطالب بتخفيف الأعباء المعيشية. أما في الباب، فخرج المئات للمطالبة بخفض أسعار المحروقات من دون تسجيل احتكاكات مع قوات الأمن. وفي حي الحلوانية بمدينة حلب، قطع محتجون الطريق عند الدوار وأشعلوا إطارات قبل أن تتدخل قوات الأمن لإخماد النيران ومصادرة الإطارات، وانتهى الاحتجاج من دون صدامات.
وقال أحد المحتجين للجمهورية.نت: «بدنا نتظاهر كل يوم مشان ينزلوا الأسعار، لأنو بكرة بيغلى الأكل والشرب، ونحن يادوب عايشين، وداخلين على شتوية. حاج يضحكو علينا، كل شي غالي بالنار، والله العظيم جريمة».
وبرزت إدلب كأحد أسخن مراكز الاحتجاجات. ففي معرة النعمان، قطع محتجون الطريق الدولي M5 (حلب – دمشق) بالإطارات المشتعلة احتجاجاً على غلاء المحروقات وانعكاسه على أجور النقل والمعيشة. وفي مدينة إدلب، خرجت تظاهرة ليلية غاضبة طالبت بـ«إسقاط وزير الطاقة وخفض أسعار المحروقات»، كما شهدت معرتحرمة قطع الطريق العام أمام مبنى البلدية وسط البلدة، رفضاً لقرار رفع الأسعار وتضامناً مع المحتجين في باقي المحافظات.
ولم تُسجّل حالات استخدام القوة لتفريق المحتجين، غير أنّ المشهد ترافق مع حضور أمني وإداري لافت، إذ انتشرت قوى الأمن الداخلي في محيط الاحتجاجات في معرة النعمان، كما حضر مسؤولون من السلطة، بينهم مدير المنطقة كفاح جعفر، في محاولة «لتهدئة الأوضاع والاستماع إلى مطالب الأهالي بعد قطع الطريق الدولي». وفي المقابل، حذّر ناشطون من الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار والتوترات الاجتماعية، داعين إلى حماية حق المواطنين في الاحتجاج السلمي وتجنّب العبارات التحريضية.
وكذلك خرج محتجون في ساحة العاصي في حماة مطالبين بإقالة وزير الطاقة، وتزامن ذلك مع قطع الطريق الدولي حماة – حلب وتعطّل حركة السير. وفي حمص ظهرت تجمعات في تلبيسة. أما في درعا، فانتشرت تحركات متفرقة في المدينة وبلدة عتمان، تخلّلها إشعال إطارات وقطع طرق محدودة.
ولم تشهد دمشق وريفها احتجاجات مباشرة، لكن برزت إضرابات جزئية لسائقي السرافيس احتجاجاً على ارتفاع كلفة التشغيل وعدم تناسب التعرفة مع الزيادة الجديدة في سعر المحروقات، معتبرين أن تشغيل السرفيس بات «خسارة يومية». وفي المقابل، واجه المواطنون خيارات نقل أقل وأجوراً أعلى، ما ضاعف الضغط على الحركة اليومية. موسى عيد، سائق على خط مزة جبل كراجات، قال إن الإضراب جاء بسبب «ارتفاع غير منطقي للأسعار»، فيما أشار سائق التكسي عمرو حمدان إلى أن «البنزين غلي والراكب ما عاد قادر يدفع».
وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، تصدّرت هاشتاغات «إسقاط الوزير» و«غلاء المحروقات» خلال ساعات، بالتزامن مع انتشار واسع لمقاطع ومنشورات ساخرة تُعبّر عن الاحتقان الشعبي. وركّز نشطاء على المخاوف المعيشية المتصاعدة، رابطين الزيادة مباشرة بارتفاع أجور النقل والمواصلات وأسعار المواد الأساسية منذ صباح الأحد، إلى جانب القلق من انعكاسها على تكاليف التدفئة مع اقتراب الشتاء.
وتأتي خصوصية هذه الاحتجاجات في أنها الأكبر انتشاراً على الجغرافية السورية منذ سقوط نظام الأسد، ويُشارك فيها أعداد أكبر من المتظاهرين قياساً بالاحتجاجات الكثيرة والمتواصلة ولكن محدودة المشاركة وغير العابرة للمناطق.
-