إيلاف من بيروت: شاهد كثيرون مسلسل “لعبة الحبار” أو “Squid Game” على منصة “نتفليكس”، وهي هذه الدراما البائسة التي يشارك فيها اللاعبون في نسخ سريالية من ألعاب الأطفال الكورية التقليدية، فيعاقب الخاسرون بالإعدام، إلى أن يبقى واحد فقط على قيد الحياة.

يقول عمر الشغري، اللاجئ السوري والناشط في مجال حقوق الإنسان والسجين السابق في سجون نظام الأسد في مقالة له نشرها موقع “واشنطن بوست”: “يرى أصدقائي هذه اللعبة كنوع من أفلام الرعب، تعليق بشع على الفجوة بين الأغنياء والفقراء في المجتمعات الرأسمالية اليوم. بالنسبة إليهم، هذا خيال، خرافة مخيفة. لكنني مفتون بها لأسباب مختلفة. بالنسبة إلي، هذا تذكير بسنوات ثلاث أمضيتها في السجون السورية. كنت أشاهدها، وغالبًا ما كانت تجربة مؤلمة للغاية، لمعرفة ما إذا كان العرض يمكن أن يساعدني في فهم ما عشته”.

صديقان عدوان

يضيف الشغري: “العرض بأكمله، الذي يعرض تفاصيل عالم من الوحشية المتقلبة، عرّضني لبعض المشاعر الشديدة. لكن الحلقة السادسة منه، “غغانبو”، هي الأصعب. هذا هو المكان الذي تضع فيه القصة شخصياتها في أكثر اختباراتهم وحشية حتى الآن، ما يضع الأصدقاء والحلفاء في مواجهة بعضهم بعضًا”.

فعندما يُطلب من اللاعبين اختيار شركاء، غريزتهم الأولى هي اختيار المفضل لديهم. فهم لا يعرفون أنهم سيندمون على ذلك لاحقًا. عندما يتم الإعلان عن قواعد اللعبة، يعلم اللاعبون الحقيقة القاسية: الشريكان يتنافسان ضد بعضهما بعضًا، ومن يخسر يُستبعد.

يروي الشغري: “داخل سجن صيدنايا سيئ السمعة في سوريا، عشت نسخة حقيقية من هذه الحلقة. جاء الحراس إلى الزنازين وطلبوا من صديقي جيهان تسمية أقرب أصدقائه من بين النزلاء. فوجئت أنه لم يذكر اسمي لهم. فأنا كنت صديقه هناك فترة أطول من أي شخص آخر. بدلاً من ذلك، سمى جيهان صديقاً آخر، فسلمه الحارس مفكًا وقال له بصوت هادئ: استخدمه لقتل صديقك وإلا يقتلك هو. أمام عشر دقائق فقط”.

أغلق الحارس الزنزانة وابتعد. بدأ الصديق على الفور بمناشدة جيهان: “إن قتلتني تيتّم طفلي”. لكن جيهان لم يرى مخرجًا من هذه الدوامة. كان يعلم أن أحبائه سيعانون من موته. بمرور الثواني الأخيرة، اتخذ قرارًا بقتل صديقه وتحمل الذنب الذي سيعيش معه إلى الأبد. يفول الشغري: “كانت هذه واحدة من أكثر اللحظات رعبًا في حياتي في السجن. شاهدت أحد أصدقائي يقتل آخر أمام عيني. أعادت مشاهدة ’لعبة الحبار‘ كل شيء مرة أخرى”.

“مية وردة”

في وقت لاحق من الحلقة السادسة، أعاد تطور الحبكة الذي شاركت فيه شخصيتان شابتان إلى لحظة أخرى مر بها الشغري. في الحلقة، قررت إحدى الشخصيات التضحية بحياتها بالسماح للشخصية الأخرى بالفوز لأن لديها مستقبل أفضل وحياة أفضل. يقول الشغري: “ذكّرتني هذه بابن عمي بشير الذي أمضى شهورًا في السجن معنا. لم يتم وضعه في وضع يسمح له بالتضحية بنفسه بشكل مباشر، لكنني أعتقد اعتقادًا راسخًا أنه كان سيغتنم هذه الفرصة لو مُنحت له. بدلاً من ذلك، فعل الشيء نفسه بشكل غير مباشر، من خلال منح الآخرين قوة البقاء على قيد الحياة. على الرغم من أنه كان يتضور جوعًا كأي شخص آخر، شارك طعامه مع الأضعف منه، وتمكن بطريقة ما من الاستمرار في الابتسام على الرغم من الرعب الذي كان يمر به في السجن. أتذكره دائمًا جالسًا وذراعاه متصالبتان تحت ذقنه، مبتسمًا لكل سجين. استخدم ابتسامته لمساعدتنا على التمسك بإنسانيتنا”.

يضيف الشغري: “أخبرني دائمًا عن المستقبل المشرق الذي كان ينتظرني خارج السجن، ويفعل كل ما بوسعه لإعطائي سببًا للاستمرار في العيش. في 3 مارس 2014 مات بشير بين ذراعي. كان يحتضر فنظر إلي وقال “مية وردة”، وهي هدية رمزية من أنقى الحب والمغفرة. بالنسبة إلي، أصبحت هذه الكلمات باللغة العربية مرادفًا للخير والإيجابية حتى في حضور الشر العظيم”.

قيصر.. وتطبيع

في “لعبة الحبار”، يخاطر ضابط الشرطة الموقر الذي يبحث عن أخيه المفقود بكل شيء ليضع حداً لآلة الموت هذه. بشكل لا يصدق، لدى الشغري من يعادله في الحياة الواقعية، إنه المنشق المعروف باسم “قيصر” الذي عمل في أحد سجون الحكومة السورية وتمكن في النهاية من تهريب آلاف الصور للضحايا، كي يصدر قانون “قيصر” لمحاكمة النظام السوري.

يختم الشغري: “اليوم، تستمر ’لعبة الحبار‘ في سجون نظام الأسد مع إفلاته من العقاب، بينما تقزم مستوى السادية والإجرام الذي نراه في العرض. غالبًا ما يصور العرض شخصيات متمردة على الوحشية التي يتعرضون لها. يوفر ذلك بعض الراحة للمشاهدين الذين تتمثل غريزتهم الأولى في التساؤل كيف يمكن مثل هذه الوحشية أن تمر دون عقاب”.

يضيف: “مع ذلك، في الواقع، هناك العديد من الأشخاص الذين يرضون تمامًا بالتطبيع مع النظام السوري، المسؤول عن تعذيب عدد لا يحصى من الأشخاص حتى الموت. كل ما يمكنني قوله هو إن الحياة في بعض الأحيان أغرب من الخيال”.

أعدت “إيلاف” هذا التقرير عن “واشنطن بوست“.