المحامي ميشال فلّاح…المصدر: النهار
هل تستطيع الحكومة اللبنانية أن تدعو قوةً أجنبيةً إلى الأراضي اللبنانية؟ وهل تختلف الإجابة إذا سُمّيت «بعثة مراقبة» أو «آلية تحقق» أو «فريق خبراء»؟ ثم، إذا جاز الدخول، فهل يجوز منح هذه الجهة صلاحيات تفتيش أو رقابة أو غيرها من وظائف السلطة العامة؟
هذه الأسئلة لم تعد نظريةً، خصوصاً بعدما قرر مجلس الأمن، بموجب القرار 2025/2790 تمديد ولاية «اليونيفيل» للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، ثم بدء انسحابها المنظم خلال سنة، بما يفتح النقاش حول طبيعة أي ترتيب دولي قد يليها. المشكلة، في جوهرها، ليست في وجود الأجنبي، بل في حدود ما تستطيع السلطات اللبنانية أن تفوضه إليه من مظاهر السيادة.
لا صلاحية دستورية مطلقة لـ«الدعوة»
ينطلق البحث من المادتين الـ 52 والـ 65 من الدستور. فالمادة الـ 52 تجعل رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح المعاهدة مبرمةً إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتوجب موافقة مجلس النواب على المعاهدات المتعلّقة بمالية الدولة أو التجارة، وكذلك تلك التي لا يجوز فسخها سنةً فسنةً.
أما المادة الـ 65 فتنيط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، وتجعل القوات المسلحة خاضعةً له، كما تعتبر الاتفاقات والمعاهدات الدولية من «المواضيع الأساسية» التي تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدّد في مرسوم تشكيلها.
ومن تلاقي النصين يمكن استخلاص نتيجة أولى، أن لا رئيس الجمهورية منفرداً، ولا رئيس الحكومة، ولا وزير، ولا سلطة عسكرية، يستطيع إنشاء وجود أجنبي ذي آثار سيادية بقرار منفرد. لكن هل يستطيع مجلس الوزراء ذلك دائماً؟
«الآلية» قد تكون معاهدة
لا ينبغي أن تتحدد الطبيعة الدستورية للاتفاق باسمه، فقد يسمى «ترتيبات»، أو «آلية»، أو «مذكرة تفاهم»، أو «رسالة دعوة»، بينما ينشئ في حقيقته حقوقاً والتزامات متبادلةً بين لبنان ودولة أو منظمة دولية. ومن غير المقبول دستورياً أن يؤدي تغيير الاسم إلى تغيير الاختصاص؛ فإذا كان مضمون «الآلية» يشكل في حقيقته اتفاقاً دولياً، وجب تطبيق المادتين 52 و65 عليه، بما في ذلك الأكثرية الموصوفة حيث تكون واجبةً.
وهنا يمكن اقتراح اختبار رباعي لتحديد درجة الشرعية الدستورية المطلوبة: مدة الوجود، وطبيعة الصلاحيات، وحجم الحصانات، وقابلية إنهاء المهمة. فمراقبون لفترة قصيرة ليسوا كقوة مفتوحة الإقامة، والتدريب ليس كالتفتيش، والحصانة الوظيفية المحدودة ليست كالإعفاء الواسع من القضاء اللبناني، والاتفاق القابل للإنهاء ليس كالالتزام الذي يقيد الدولة لسنوات. كلما ارتفعت هذه العناصر الأربعة، انتقل الوجود من مجرد «مساعدة» إلى علاقة تمس ممارسة السيادة نفسها.
البرلمان ليس إلزامياً دائماً
تقتضي الدقة رفض فكرة شائعة مقابلة، وهي أن كل وجود أجنبي يحتاج حكماً إلى موافقة مجلس النواب. ليس صحيحاً؛ فالمادة الـ 52 حصرت الحالات التي تستوجب موافقته. ولذلك يمكن تصور اتفاق دولي يدخل حيّز التنفيذ من دون قانون إذا لم يقع ضمن تلك الفئات، ومع ذلك الفسخ سنةً فسنةً ولا يرتب عبئاً مالياً مهماً.
لكن هنا يظهر نقص في التنظيم اللبناني. فقد يكون الاتفاق قابلاً للفسخ سنةً فسنةً ولا يرتب عبئاً مالياً مهماً، ومع ذلك يمنح جهةً أجنبيةً صلاحيات شديدة الحساسية على الأراضي اللبنانية. وهذا يكشف الفرق بين المعيار الشكلي للمادة الـ 52 وبين الطبيعة الحديثة لبعض الترتيبات الأمنية الدولية.
اليونيفيل: الشرعية ليست قراراً دولياً فقط
تقدم اليونيفيل مثالاً مهماً على «الشرعية المركبة»؛ فوجودها ومهمتها يستندان إلى قرارات مجلس الأمن، لكن علاقتها بالدولة اللبنانية نظمت أيضاً باتفاق وضع القوات الموقّع بين لبنان والأمم المتحدة في 15 كانون الأول 1995. وتسجّل معاهدات الأمم المتحدة الاتفاق بوصفه اتفاقاً ثنائياً بين المنظمة الدولية ولبنان، فيما يتضمن نظاماً للامتيازات والحصانات ووضع القوة. وهذا مهمّ، لأنّ الشرعية الدولية للمهمّة لا تلغي الحاجة إلى تنظيم علاقتها القانونية بالدولة المضيفة، بل إن القرار 2025/2790 نفسه صدر استجابةً لطلب الحكومة اللبنانية تمديد ولاية اليونيفيل، وأكد في الوقت ذاته سيادة لبنان وسلامة أراضيه، وجعل الهدف النهائي من الانسحاب أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المقدّمة للأمن في الجنوب.
الدخول شيء وممارسة السلطة شيء آخر
هنا تقع العقدة الدستورية الأساسية، إذ ثمة فرق بين أن تسمح الدولة لأجانب بالوجود على إقليمها وبين أن تسمح لهم بممارسة سلطة على إقليمها. فالمراقبة والتدريب وتقديم المشورة لا تعادل ممارسة صلاحيات قسرية أو اتخاذ تدابير تمسّ الحريات والملكية الخاصة. والأخيرة ليست أعمالاً تقنيةً، بل مظاهر للسلطة العامة التي يحدد القانون اللبناني من يمارسها وتحت رقابة أي قضاء.
من هنا، يمكن صياغة قاعدة دستورية مهمة، هي أنه لا تستطيع السلطة التنفيذية أن تمنح جهةً أجنبيةً، بمجرد اتفاق تنفيذي، صلاحيةً لا تستطيع منحها لجهة لبنانية إلا بقانون. فموافقة الحكومة على دخول بعثة لا تتحول تلقائياً إلى تفويض مفتوح بممارسة اختصاصات الدولة.
ماذا عن القضاء؟
إذا تجاوزت الحكومة هذه الحدود، فمن يراقبها؟ تثير العلاقات الخارجية تقليدياً نظرية «أعمال الحكومة»، التي قد تضع بعض القرارات السيادية خارج رقابة الإبطال القضائية. لكن لا ينبغي التوسع في هذه الحصانة؛ فالقرار السياسي بإقامة علاقة دولية شيء، والتدابير الإدارية الناجمة عنها شيء آخر. وإذا أدى تنفيذ الاتفاق إلى قرار يمسّ حق فرد أو ملكية أو مركزاً قانونياً، فإن تحصينه لمجرد اتصاله بعلاقة دولية يخلق مساحةً من السلطة خارج القانون.
والأكثر التزاماً هو اعتماد قابلية الفصل؛ فحتى إذا اعتُبرت النواة السياسية للقرار عملاً حكومياً، فالذي ينبغي ألا تنتقل هذه الحصانة إلى القرارات الإدارية المنفصلة عنه تلقائياً.
لبنان يحتاج إلى قانون إطار
المقارنة مفيدة هنا. ففي ألمانيا، مثلاً، يوجد قانون خاص بالإقامة الموقتة للقوات الأجنبية، يفوّض الحكومة إبرام ترتيبات محددة، لكنه يقرر من حيث الأصل خضوع أفراد تلك القوات للقانون الألماني، ويوجب تحديد طبيعة الوجود وحجمه ومدته في الاتفاق. ويستطيع لبنان اعتماد مقاربة مماثلة من خلال قانون إطار للوجود العسكري والأمني الدولي والأجنبي، يحدد أنواع المهمات، والمدة، والحصانات، والاختصاص القضائي، وآلية الإنهاء، والحالات التي تستوجب موافقة مجلس النواب، وتحديداً عند منح صلاحيات تمس وظائف الدولة السيادية.
السيادة حق في وضع الشروط
ليس السؤال، إذاً، هل يجوز للبنان طلب مساعدة دولية. بالطبع تستطيع الدولة، ضمن نظامها الدستوري، التعاون مع الدول والمنظمات الدولية. السؤال الأصعب هو: إلى أي حد تستطيع السلطة التي تملك حق طلب المساعدة أن تفوض معها ممارسة السيادة؟
وهنا تظهر القاعدة التي ينبغي أن تحكم المسألة، إذ كلما اقترب الوجود الأجنبي من ممارسة وظائف الدولة، وجب أن ترتفع درجة الشرعية الدستورية التي تجيزه. فالسيادة ليست مجرد حق الدولة في أن تقول للأجنبي «ادخل» أو «لا تدخل». السيادة هي أيضاً حقها في أن تحدّد لماذا يدخل؟ وإلى متى؟ وبأي صلاحيات؟ وتحت أي قانون؟ وأمام أي قضاء؟ ومن يملك إنهاء مهمت؟.
لهذا، فإن «دعوة» قوة أجنبية لا يمكن أن تكون شيكاً على بياض. وإذا تحولت المساعدة إلى سلطة، والمراقبة إلى صلاحيات قسرية، والموقت إلى دائم، فالأمر لم يعد مجرّد قرار في السياسة الخارجية، بل سؤالاً دستورياً: مَن يملك أن يفوض ممارسة السيادة باسم الجمهورية اللبنانية؟