
في حواراتي المتكررة مع أصدقاء يعملون داخل قلاع التكنولوجيا الفائقة، في شركات مثل “غوغل” و”أمازون” و”فيزا”، ألمس شكلاً جديداً من الانفصال عن الاجتماع البشري. ففي بعض المواقع الحساسة، لا تقتصر السرية على ما يعرفه العامل، بل تمتد إلى ما يستطيع أن يقوله عن عمله، وإلى الإجراءات الأمنية التي تحيط بحركته وسفره ومكان إقامته. يصبح المرء، من كثرة ما يحيط به من محظورات، عاجزاً عن مشاركة الآخرين بما يملأ معظم ساعات يقظته.
وهذا ليس تفصيلاً في حياة العامل. فالصداقة، في جوهرها، تحتاج إلى شيء من البوح. تحتاج إلى أن أقول لصديقي لماذا أقلق، وما الذي أعرفه، وما الذي أخشاه، وما الذي أفعله طوال اليوم. وحين يُمنع الإنسان من مشاركة الجزء الأكبر من حياته المهنية، لا يفقد بعض المعلومات فحسب، بل يفقد شيئاً من المادة التي تُصنع منها الصداقة. ومع الوقت، يصبح من الأسهل عليه أن يصادق من يعملون مثله، ويعرفون الشفرات نفسها، ويخضعون للأختام والبروتوكولات نفسها، ولا يحتاج الحديث معهم إلى خرق المحظور.
العامل في القلعة التقنية ليس مطلوبا منه أن يعرف أكثر. مطلوب منه أن يعرف ما يجوز له أن يعرفه، وأن يعرف أيضا من يجوز له أن يتحدث معه. فالمؤسسة لا تحرس أسرارها بواسطة الجدران والأجهزة وحدها، بل بواسطة إعادة ترتيب العلاقات البشرية حول السر. وهذا يمهد لظهور شكل جديد من الكهنوت.
هذا الكهنوت ليس جماعة دينية تحتكر تفسير المقدس، بل جماعة تقنية تحتكر مفاتيح العالم الذي صار البشر يعتمدون عليه. هؤلاء العاملون يشبهون، في بعض وجوههم، ضباط الاستخبارات: حفظ للسر، كبح للنزوات، يقظة دائمة، وتدريب على الفصل بين الإنسان الذي يعيش حياته الخاصة والموظف الذي يحمل معلومات لا يجوز أن تعبر حدود المؤسسة. ويوماً بعد يوم، يصبح العامل جزءاً من عالم لا يستطيع أن يشرح تفاصيله للعالم الذي جاء منه.
وقد يبدو هذا ثمناً عادياً للعمل في صناعة حساسة. لكن المشكلة تبدأ حين لا يعود العمل مكاناً يذهب إليه الإنسان، بل يصبح البيئة التي تحدد أصدقاءه، ودخله، ومكان سكنه، وأمنه، وتأمينه الصحي، وأوقات فراغه، وما يستطيع قوله، وما ينبغي أن يصمت عنه. عندها لا تعود المؤسسة جزءاً من المجتمع. وتبدأ في بناء مجتمع مصغر داخلها.
سلّم الصعود: من إدارة الرغبة إلى خصوصية الروح
يمكن ملاحظة هذا التحول في التدرج بين عمالقة التقنية على نحو بات واضحاً. غوغل، مثلاً، ما زالت، في جزء كبير من أعمالها، تحتاج إلى الإنسان بوصفه مستهلكاً. البريد والخرائط ومحركات البحث والإعلانات وخدمات توجيه الانتباه إلى السلع.. كلها تحتاج إلى فرد راغب، يتصفح ويبحث ويشتري ويترك خلفه أثراً من رغباته.
لكن الذكاء الاصطناعي الذي تمثله محركات بحث من قبيل كلود أو شات جي بي تي، يرتفع درجة أخرى أو ربما ينغلق درجة أخرى. بالنسبة لهذه المحركات، لم تعد المسألة فقط معرفة ما يريده الإنسان، بل الدخول إلى العملية التي يفكر بها، ومساعدته على تفسير العالم، وصياغة الأسئلة، وترتيب الخيارات، وربما المشاركة في القرار نفسه. هكذا ينتقل النظام من إدارة الرغبة إلى الاقتراب من إدارة النشاط الذهني.
أما بالانتير، فتقف في الطرف الأقصى من هذا المسار. فالمستهلك العادي لا يستطيع معها أن يكون مركز النموذج أصلاً. هذه المؤسسة تعمل في قلب الأمن والحرب وإدارة المخاطر، حيث قيمة المعلومات لا تأتي من إقناع الفرد بشراء شيء، بل من القدرة على رؤية المجتمع من أعلى، وربط أجزائه، والتنبؤ بحركته، والتدخل فيها.
على هذه الدرجات الثلاث يمكننا تخيل سلم صاعد: معرفة ما يرغب به الإنسان، ثم المشاركة في طريقة تفكيره، ثم إدارة البيئة التي تتحرك فيها جماعات البشر.
وعليه يلح السؤال: ما الذي يمنع كل شركة تقنية من أن تصير “بالانتير” أخرى؟
الإجابة ليست أخلاقية بالضرورة، ولا تتعلق فقط بحسن نية المديرين. إنها في جزء منها متعلقة ببنية السوق والدولة نفسها. فما دامت الشركة تحتاج إلى المستهلك، ستظل مضطرة إلى مخاطبته. وما دامت تعتمد على سوق مفتوحة وعلى سمعة عامة وعلى عدد هائل من المستخدمين، سيبقى للمجتمع الخارجي نفوذ عليها.
لكن كلما وجدت المؤسسة مصادر دخل لا تحتاج فيها إلى المستهلك الفرد، ووجدت نفسها مرتبطة بالأمن والبنية التحتية والطاقة والعقود السيادية، تضعف حاجتها إلى ذلك الفرد. ويتحول الإنسان بالنسبة لها، من عميل إلى عنصر في بيئة تُدار من فوقه. والأرجح أن السياسة السائرة اليوم تساهم بكثير أو قليل في تحول عمالقة التكنولوجيا عن حاجتها للبشر، والسعي للبقاء في عالم لا يكون الإنسان فيه مركزياً. فالتدابير السياسية وجلسات الاستماع والآراء التي تصدر عن السياسيين، وهي في كثير من الأحيان تفتقر إلى بعد النظر، لا تفعل سوى التضييق على علاقة هذه المؤسسات مع البشر، المستهلكين والمستخدمين. وفي أحيان كثيرة من دون أي سبب جوهري. ولنا أن نتذكر حمى الدفاع عن الخصوصية في مواجهة الانكشاف البشري أمام التكنولوجيا وما آلت إليه اليوم. وفي وسعنا اليوم أن نلاحظ كيف أصبحت معارك الخصوصية متضمنة لمفارقة هائلة. فنحن أمضينا سنوات في الدفاع عن حق الإنسان في ألا يعرف محرك البحث نوع الحذاء الذي يفضله. ثم جاء الذكاء الاصطناعي التوليدي، فذهب البشر طوعاً إلى نافذة المحادثة وأودعوا فيها ما هو أبعد من البيانات: مخاوفهم، وخلافاتهم، وخطاياهم، ونزواتهم، وأحلامهم، والأسئلة التي يخجلون من طرحها على أصدقائهم. واقع الأمر أننا كنا نطالب بحماية خصوصية البيانات، ثم اكتشفنا أننا مستعدون لتقديم شيء أعمق بكثير: تفسيرنا لأنفسنا. ومع ذلك لم تجد خصوصية الروح متحمسين للدفاع عنها.
شراء حق الدخول: كيف تعزل القلعة خدمها؟
بالعودة إلى قلاع التكنولوجيا التي تتشكل أمام أعيننا، والمخاطر التي يمكن أن تتولد عن سعيها، أو دفعها نحو الابتعاد عن المستهلك، يمكننا أن نتذكر أن القلعة تواجه مشكلة لا تستطيع التكنولوجيا وحدها حلها: من ينظف القلعة؟ من يطهو طعام مستخدميها؟ من يصون شبكاتها؟ من يزرع نباتاتها؟ ومن يتولى الأعمال التي لا يستطيع أصحاب العقول المشغولة بإدارة العالم أن يقوموا بها بأنفسهم؟
والحق أن هذه المشكلة ليست جديدة وطارئة تماماً. سبق أن جرب أصحاب الثروات، في مشاريع المدن البيئية والاكتفاء الذاتي، بناء مجمعات تستمد طاقتها من الشمس، ومياهها من الآبار الجوفية، وتزرع مساحاتها بما يكفي من الخضار، بل وتتيح تربية الماشية. كان الحلم أن يتحرر الإنسان الميسور من المدن الصناعية الملوثة، وأن يعيش في مجتمع صغير مكتف بذاته، أخضر ومستدام ونظيف. وبعيد عن الاتصال غير الضروري بالبشر الأدنى.
إنما سرعان ما ظهرت المفارقة القديمة: الرجل الذي يملك الملايين ويعمل طوال النهار على جهازه اللوحي لا يستطيع أن يتوقف ليزرع النباتات التي يحتاج إليها. ولا يستطيع، مهما بلغ حبه للطبيعة، أن يقوم بكل أعمال الصيانة والطهي والتنظيف والرعاية. والحال اكتشف المتحمسون للمشروع حاجته الملحة للعامل الذي كانوا يريدون إخراجه من حساباتهم. ونشأت حول بعض تلك التجارب مدن ومناطق فقيرة لخدمة المدن الميسورة. وفي النتيجة: أراد الأغنياء أن يصنعوا عالماً مكتفياً بذاته، من دون فقرائه، فاكتشفوا أن الاكتفاء الذاتي يحتاج إلى بشر آخرين.
هذا لا ينطبق تماماً على أحوال التكنولوجيا الجديدة والأرجح أنها تقدم حلاً لهذه المعضلة أكثر إحكاماً، وبدأت ملامحه بالظهور فعلياً. فحين يحتاج مركز بيانات شديد الحساسية إلى عامل لتنظيف ماكينات القهوة، أو إلى عامل صيانة، أو إلى شخص يدخل إلى أماكن لا يمكن أن يدخلها أي غريب، فلن يعود هذا العامل مجرد عامل خدمات. وصوله إلى القلعة يصبح جزءاً من أمنها. معرفته بمداخلها وإجراءاتها وأجهزتها وأوقات عملها تجعله طرفاً في السر، ولو لم يكن مهندساً ولا مبرمجاً. وعليه، تعمد المؤسسة إلى شراء ولائه بإعادة ترتيب حياته كلها. تمنحه راتباً أعلى بكثير من راتب عامل الخدمة التقليدي، وتأميناً أفضل، ومزايا أوسع، وربما سكناً قريباً، لأن المؤسسة لا تشتري عمل يديه فقط. إنها تشتري حقه في الدخول إلى القلعة.
على هذه المعايير الجديدة تتشكل مفارقات طبقية جديدة تماماً. فالمؤسسة ترفع العامل اجتماعياً لكي تعزله اجتماعياً. فالعامل الذي كان ينتمي إلى حي فقير، أو إلى طبقة مهنية محددة، أو إلى شبكة من الأصدقاء تشبهه، يصبح فجأة عضواً في منظومة لا يستطيع أن يروي عنها شيئاً. يتغير راتبه، ويتغير سكنه، وتتغير عاداته، وتتغير الأماكن التي يذهب إليها، والأشخاص الذين يستطيع أن يتحدث معهم. فيجد نفسه صاعداً في السلم الاقتصادي، لكنه قد يهبط في الاجتماع البشري. والنتيجة أن المؤسسة لا تستقطب فقط المهندسين والعلماء والمديرين. إنها تبدأ في استقطاب كل البشر الذين تحتاج إليهم لكي تعمل. تنتخبهم من الخارج، تمنحهم مفاتيحها، تحميهم، تدفع لهم جيداً، وتضع حولهم شروطاً تجعل عودتهم إلى الخارج أكثر صعوبة. وبهذا تتحول القلعة إلى مجتمع مصغر متكامل الأركان.
هذا التعديل الاجتماعي الحاسم هو ما تغفل عنه المقالات والتحذيرات حول مخاطر الذكاء الاصطناعي. فالسؤال الأدق ليس من طينة: ماذا سيحدث لو أخذت الآلات وظائف البشر؟
بل: ماذا سيحدث إذا أخذت المؤسسات الوظائف التي كانت تجعل البشر يحتاجون بعضهم إلى بعض؟
الإنسان لا يعيش من العمل وحده. إنه يعيش أيضاً من شبكة الضرورات التي ينشئها العمل: أحتاج إلى الطبيب، والطبيب يحتاج إلى المزارع، والمزارع يحتاج إلى المهندس، والمهندس يحتاج إلى الصحافي، والصحافي يحتاج إلى القارئ، وكل هؤلاء يحتاجون إلى سائق وميكانيكي ومطعم ومدرس وممرضة وعامل نظافة. العمل ليس فقط وسيلة لتوزيع الدخل. إنه أحد الأشكال التي تجعل البشر متشابكين في اجتماع واحد. وإذا استطاعت كل قلعة أن تنتج لنفسها شبكة من البشر الموثوقين، وأن تؤمن لهم المال والسكن والصحة والتعليم والترفيه والحماية، فإنها لا تلغي المجتمع القديم فقط. إنها تستنسخ داخله مجتمعاً أصغر وأكثر انغلاقاً.
وفي هذه الحالة لن يكون الخارج بالضرورة عاطلاً، قد يصبح أسوأ من ذلك، لأنه قد يصبح غير ضروري. وهذا هو المعنى الحقيقي لانفصال الكهنوت التقني عن الاجتماع البشري.
سماء القلاع وأرض المحميات
في قاع هذا النظام، وتحت قبته، تبقى الدولة بوصفها المؤسسة الأقدم التي تعلمت كيف تدير البشر الذين لا يمكنها إدخالهم جميعاً إلى القلعة.
البنتاغون، في الحالة الأميركية، يمثل نموذجاً مبكراً لهذا الانفصال بين المعرفة الاستراتيجية والمجتمع الذي تُمارس عليه نتائجها. مؤسسة ضخمة، ذات بنية علمية وتقنية وأمنية شديدة التعقيد، تعمل وفق منطق مختلف عن الحياة اليومية للمواطن. ومن رحم هذا النوع من المؤسسات خرج كثير من التقنيات التي عادت لاحقاً إلى السوق المدنية. وفي الصين، يظهر نموذج آخر: دولة بيروقراطية تكنوقراطية شديدة المركزية، لا تترك إدارة المصير العام بالكامل للنزوات الانتخابية أو لتقلبات السوق. وهذه القلاع الدولتية تمارس انتخاباً بشرياً كقلاع التقنية العالية. لكن ذلك لا يجعل الدولة منفصلة تماماً عن البشر. فالدولة ما زالت تحتاج إلى الأرض. تحتاج إلى المدن، والطرق، والمستشفيات، والمدارس، والشرطة، والجيش، والمزارع، وإلى إدارة الفقر والكوارث والهجرة والمرض. إنها لا تستطيع أن تعيش فوق المجتمع تماماً، لأنها لا تزال مسؤولة عن الأرض. أما القلاع التقنية العابرة للقوميات، فهي تحاول أن تفعل شيئاً مختلفاً: أن تستخرج من الأرض ما تحتاجه، ثم ترتفع فوقها.
واليوم لا تستطيع الدول أن تحتفظ بضرورتها، بعدما فقدت ركائز كثيرة من أسباب هذه الضرورة، من دون أن تتحول إلى شريك أو منافس لشركات التقنية التي باتت تشكل الغلاف الفعلي والضروري للاجتماع البشري. والحال، قد تنجح أميركا والصين في المحافظة على بعض مصالح المواطنين، لأنها تملك مؤسسات رسمية قادرة على هذه المنافسة. لكن الدول الأصغر والأقل اهتماماً بالتكنولوجيا وتكتفي غالباً بإصدار القوانين المانعة، فالأرجح أنها ستصبح أقل قدرة على حماية نفسها وليس حماية مواطنيها فحسب.
وعليه نحن نشهد نشوء عالم بمستويين: في السماء، قلاع تمتلك المعرفة والأمن والمال وأدوات النجاة، وتستطيع أن تستقطب إليها البشر الذين تحتاج إليهم. وعلى الأرض، مجتمعات واسعة يجري تنظيمها وإطعامها وحمايتها وإدارتها، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على أن تكون مصدر الضرورة التي تربط أفرادها ببعضهم. ويصبح المواطن مع هذه التغييرات الجذرية شخصية مهددة. فالمواطن ليس مجرد شخص محمي من الدولة. إنه شخص شريك في تقرير شكل الحياة التي يعيشها. أما ساكن المحمية، فيُحمى لأنه موضوع رعاية. والفارق بين الاثنين هو الفارق بين أن تكون عضواً في المجتمع، وأن تكون شيئاً يديره المجتمع من فوق. لهذا لا أخشى كثيراً من أن تنشأ في المستقبل قلاع تقنية أكثر ثراء وأشد تحصيناً. ما أخشاه هو أن تنجح هذه القلاع في بناء كل ما تحتاج إليه من بشر داخلها، بحيث لا يبقى في الخارج إلا من لا تحتاج إليه. عندها لن تكون المشكلة أن الأغنياء سيتمكنون من العيش في قلاع محصنة او في كوكب بعيد. بل ستكون المشكلة أن القلاع ستعيش من دون أن تحتاج إلى المدينة. وفي تلك اللحظة، لن يعود السؤال: من يحكم البشر؟ بل سيصبح: من يحتاج إلى البشر؟