اكرم حسين
منذ أيام، تتصاعد حملة إعلامية وسياسية تستهدف المجلس الوطني الكردي في سوريا، وتتجاوز في بعض جوانبها حدود النقد السياسي المشروع، لتنتج صورة نمطية عنه، ثم توظّفها في تفسير مواقفه وتحميله مسؤولية أحداث وتحركات لم تثبت صلته بها ، وفي مثل هذه الحالات، تُصبح الحاجة ملحّة إلى التمييز بين النقد الذي يستند إلى الوقائع، والخطاب الذي يقوم على الإيحاء والافتراض وتكرار الرواية حتى تتحول، بفعل التداول، إلى ما يشبه الحقيقة.
ليس المقصود من ذلك وضع المجلس فوق النقد أو إعفاءه من المساءلة. فالمجلس، شأنه شأن أي قوة سياسية، معنيٌ بتقديم الحساب للرأي العام عن مواقفه وأدائه وخياراته وعلاقاته. بل إن النقد الجاد يُشكّل ضرورة لأي تنظيم أو كيان سياسي يسعى إلى تطوير أدائه والحفاظ على حضوره. غير أن النقد يفترض، قبل كل شيء، احترام الحقيقة والاحتكام إلى الوقائع والأدلة، لا بناء الأحكام على مصادر مجهولة أو استنتاجات مسبقة تبحث عن الوقائع التي تُؤيدها.
ومن بين القضايا التي جرى تداولها أخيراً ما قيل عن لقاء وفد من المجلس الوطني الكردي، ضم السيدين نعمت داوود ولقمان أوسو، مع السفير التركي في دمشق ، وإذا كان هناك اعتراض سياسي على هكذا لقاء، أو على مضمونه، فمن الطبيعي طرح الأسئلة حول حقيقة انعقاده وأهدافه وما دار فيه. أما تحويل رواية غير موثقة إلى اتهام سياسي، ثم بناء استنتاجات واسعة عليها، فلا يساهم في توضيح الحقيقة، وإنما يزيد من درجة الالتباس والاستقطاب.
ثم انتقل النقاش إلى الاحتجاجات المرتبطة بارتفاع أسعار المحروقات، وإلى المطالب المتعلقة باللغة الكردية، وكأن مشاركة المجلس في أي تحرك أصبحت معياراً لقياس التزامه بالقضية الكردية، بينما يتحول غيابه عن تحرك آخر إلى دليل على تخليه عنها ، وهذه مقاربة تختزل العمل السياسي في الحضور الشكلي، وتتجاهل طبيعة المواقف السياسية وآليات التعبير عنها. فالاحتجاج السلمي على الأوضاع المعيشية حق مشروع، والمطالبة بالحقوق اللغوية والثقافية الكردية جزء من النقاش حول المواطنة المتساوية والحقوق الدستورية. لكن ليس من الضروري أن يحمل كل تحرك شعبي عنوان حزب أو تنظيم سياسي، كما أن غياب شعار سياسي عن مظاهرة لا يكفي لإثبات موقف سلبي منها. المعيار الموضوعي هو ما يُعلنه المجلس رسمياً، وما يتخذه من قرارات، وما ُيمكن إثباته بالوقائع.
وينطبق الأمر ذاته على ما جرى في ملتقى الجزيرة السورية للسلم الأهلي. فالسلم الأهلي لا يقتصر على التعايش بين المكونات، بل يتطلب أيضاً الاعتراف بتعدد الذاكرة والروايات والتجارب التاريخية ، والاختلاف في قراءة التاريخ السوري أمر طبيعي، بل إن الاعتراف بهذا الاختلاف قد يكون مدخلاً ضرورياً إلى مصالحة وطنية حقيقية. أما تحويل الاختلاف إلى وسيلة لإسكات طرف أو تهميش روايته، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الانقسام.
إن سوريا، في هذه المرحلة، تحتاج إلى مقاربة جديدة لتاريخها، تقوم على الاعتراف المتبادل بالتجارب والحقوق والآلام، لا على فرض رواية واحدة بوصفها الحقيقة الوحيدة ، ومن حق الكرد السوريين أن تكون ذاكرتهم وتجربتهم السياسية والاجتماعية جزءاً من السردية الوطنية السورية، كما أن من حق سائر المكونات أن تُسمع رواياتها وتجاربها ضمن إطار وطني جامع.
ومن هنا، لا ينبغي اختزال القضية الكردية في خلافات حزبية، أو في علاقة هذا الطرف بتلك الدولة، أو في المشاركة في احتجاج معين. فهي قضية سياسية ووطنية تتصل بطبيعة الدولة السورية، وبالعقد الوطني الذي سيحكم العلاقة بين مكوناتها، وبالمواطنة المتساوية، والحقوق اللغوية والثقافية، واللامركزية، والعدالة في توزيع السلطة والموارد.
والمجلس الوطني الكردي نفسه ليس فوق التقييم. يمكن نقد برنامجه وأدائه وأخطائه التنظيمية وعلاقاته الكردية والسورية والإقليمية، ومن حق منتقديه أن يطالبوه بإجابات واضحة عن خياراته وممارساته. لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين نقد يفتح المجال للمراجعة والتصحيح، وبين خطاب يستبدل البرهان بالاتهام ويجعل من التشويه بديلاً عن النقاش السياسي.
ولعل الخطر الأكبر يكمن في أن تتحول وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى أدوات لإنتاج الحقائق بدلاً من التحقق منها؛ فتغدو الرواية المتداولة حقيقة لمجرد تكرارها، ويُصبح العنوان المثير بديلاً عن الوثيقة، والانطباع بديلاً عن المعلومة، والاتهام بديلاً عن الحوار.
إن شرعية المجلس الوطني الكردي، كما شرعية أي قوة سياسية، لا تُبنى على مطالبة الناس بالتصديق، وإنما على العمل والإنجاز والشفافية والقدرة على تحويل المطالب إلى برامج وسياسات ومؤسسات ، وفي المقابل، فإن المشروع القومي الكردي السوري ليس ملكاً لحزب أو شخصية أو إطار سياسي بعينه، بل هو قضية وطنية وتاريخية تتعلق بمستقبل الكرد في سوريا، وبمستقبل سوريا كدولة تتسع لجميع مكوناتها.
لذلك، فإن السؤال الأهم : ليس من يطلق الحملة الإعلامية ضد المجلس؟ وإنما: ما الغاية منها ؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات ؟ رغم أنها لم تتوقف منذ سنوات ؟
من يريد منافسة المجلس أو تغيير موقعه في الحياة السياسية، فليطرح مشروعه أمام الناس. ومن يريد نقده، فليقدّم الأدلة والحجج ، ومن يريد تمثيل الكرد السوريين، فليذهب إلى المجتمع ويكسب ثقته من خلال العمل والإنجاز. فالمنافسة السياسية الجادة لا تحتاج إلى تشويه الخصم، وإنما إلى تقديم بدائل أكثر وضوحاً وقدرة على الإقناع.
أما الفبركة، واقتطاع المواقف من سياقاتها، وتداول الأخبار غير المُوثّقة، وتحويل الخلاف السياسي إلى تخوين، فلن تحل القضية الكردية، ولن تبني شراكة وطنية، ولن تساهم في بناء سوريا ديمقراطية.
تحتاج المرحلة الراهنة إلى قواعد مختلفة في العمل السياسي: الوثيقة بدل الشائعة، والدليل بدل الاتهام، والبرنامج بدل المزايدة، والحوار بدل التخوين.
تطبيق هذه القواعد شرط بنيوي لبناء الثقة المفقودة بين الشارع والقوى السياسية، وتحويل العمل السياسي من أداة لإدارة الصراع إلى محرك للإنتاج والتنمية.