لنتأمَّل للحظة في هذا الواقع

كانت قذيفة دبابة عيار 120 ملم ملقاةً في حقل خارج قرية في شمال سوريا منذ مدة تتراوح بين سنتين وأربع سنوات. طوال تلك المدة، كان المزارعُ يحرث حولها، حرفياً، مُتجنّباً إيَّاها كما يتجنب المرء كلباً نائماً. قال له بعض أصدقائه إن القذيفة لو كانت ستنفجر لانفجرت منذ زمن، ونصحوه ببيعها لجامعي الخردة. بالنسبة إلى فنيِّي إبطال المتفجّرات، هذا النوع من الحكمة الشعبية ليس طمأنة، بل بداية الخطر.

استغرق تصنيع القذيفة، وفق تقديرات معقولة، ثوانٍ قليلة على خط الإنتاج، وبلغت كلفتها بضع عشرات من الدولارات. الشركة التي صنعتها قبضت ثمنها منذ زمن، وانتقلت إلى عقود أخرى. أمّا القذيفة نفسها فبقيت هناك، في أرض شخصٍ لا يُريد سوى زراعتها.

تستيقظ سلمى فجر يوم جمعة في كانون الأول (ديسمبر). وهو ما يعني، في شمال سوريا، برداً قارساً يتغلغل في المفاصل، وظلاماً لا ينجلي تماماً إلا في منتصف الصباح. تتناول فنجان قهوة مع شطيرة زيت زيتون بالزعتر، بصمتِ من تعلّمت ألا تفرِّط بلحظات الهدوء. عليها أن تصل إلى الموقع باكراً. فالقذيفة تقع قرب طريق سريع لا يُمكن إغلاقه؛ الحركة كثيفة، والتجارة مستمرة، وكل ما يُسمّى حياةً طبيعيةً لا يزال يحاول العبور من هناك. مما يعني أن نافذة العملية ضيقة، وهامش التأخير معدوم تقريباً.

في الليلة السابقة، حضّرت سلمى مركب الثيرمات لقنبلة تي-جيت. هذا هو الجزء الذي لا يظهر عادةً في تقارير المانحين ولا في الملخصات البيروقراطية: العمل الشاق في الليلة السابقة، والحسابات الكيميائية الدقيقة، وكيف يُمكن لرطوبة طفيفة في الجو أو لتشتُّت الانتباه في اللحظة غير المناسبة أن يُغيرا النسب بطرق لن تتضح إلا في ظُهر اليوم التالي. لقد أحسنت صنعاً. هي عادةً ما تُحسِن صنعاً. لكن كلمة «عادةً» تحمل وزناً مختلفاً عندما تكون أنت من يمدّ الكابل.

المهمة الأولى في الصباح هي أكياس الرمل.

 

إنه عمل بطيءٌ وشاق بدنياً ولا توجد طريقة جذابة لوصفه. يملأُ الفريق الأكياس، يكدّسها، ثم يعود إلى ملء مزيدٍ منها لبناءِ ساترٍ ترابي منخفض حول القذيفة. الهدف أن يحتويَ الساتر الشظايا إذا تحوّل الاحتراق الحراري إلى انفجار كامل بدل الاحتراق المتحكم به الذي يأملون حدوثه. بعد ذلك ينقلون الجسم الفولاذي الثقيل نحو عشرين متراً داخل المحيط، بعيداً عن الطريق. يُراقب المزارع من مسافة آمنة. لقد انتظر عامين، ويُمكنه أن ينتظر ساعات إضافية، لكنه لا يبدو مقتنعاً تماماً بالخطة.

كان قد شاهد مقطع فيديو على تيك توك. لشاب، في مكان ما، يبدو كأنه يفكك رأساً حربياً لقذيفة في حوالي خمس دقائق بيديه العاريتين، بثقةٍ مرحةٍ يُكافئها النظام الآلي ولا يكافئها علم الفيزياء. لم يذكر المزارع هذا الأمر مباشرة، لكنه بدا واضحاً في هيئته – نفادُ صبرِ رجل يحسب بدقة تكلفةَ أربعة متخصّصين مدربين، وقائد فريق، ومجموعة كاملة من معدات الكشف والتخلُّص من الذخائر، وستِّ ساعات من العمل، مقابل رجل واحد ومفتاح ربط.

ترتدي سلمى الدرع الواقي. إنه ثقيل وحار، من ذلك النوع من الأوزان الذي يُذكّرك بأن ما يثقلك هو نفسه ما يُبقيك على قيد الحياة. تضع جهاز التفجير على السطح الخارجي للقذيفة بعناية شخص يعرف أن الزاوية قد تغيّر النتيجة. المطلوب هو توجيه التفاعل الطارد للحرارة إلى داخل جسم القذيفة من دون تفجير الصاعق. هذا تفصيل تقني صغير، لكنه من النوع الذي يفصل بين عملية ناجحة ومأساة. يمتد الكابل الكهربائي من الجهاز إلى نقطة حسبتها كمسافةٍ آمنةٍ، وهي عبارة أكثر تواضعاً مما تبدو.

 

عندما يُصبح كلُّ شيء في مكانه، تُجري فحصاً نهائياً. ثم فحصاً آخر. الفريق على مسافاته المحددة، والمزارع خلف المحيط، والطريق مستمرٌّ في الحركة على بعد مئة متر. تبدأ في العد التنازلي وتفعّل المُشغّل.

ستُخبرك، إن سألتها، أن قلبها لا يزال ينبض بهذه الطريقة.

في الثواني التالية، يمكن أن تسوء أشياء كثيرة: رطوبة في المركب، اختلال في النسب، حركة طفيفة في الحاوية، قطعٌ في الكابل، حساسية غير متوقعة في الصاعق، أو مُتغيّر أدخلته سنوات بقاء القذيفة في الأرض ولم ترصده أيُّ دراسة قبل العملية. تعرف سلمى ذلك كله. ثم يبدأ خيط رفيع من الدخان الأبيض بالتصاعد من خلف أكياس الرمل. بدأ الاحتراق. تتنفسُ.

الآن ينتظرون. يحترق الثيرمات سبع دقائق، وهي مدة طويلة إذا كنت تقف قرب جسم قد ينفجر، وقصيرة جداً إذا قيست بعامين من الزراعة حوله، أو بسنوات الحرب التي وضعته هناك. يُراقب المزارع الدخان. تُراقب سلمى المزارع. الطريق السريع لا يتوقف.

ثم تَنفجر القذيفةُ.

 

لم يكن هذا الحرق المتحكم به الذي أراده الفريق، بل انفجاراً كاملاً يقع ضمن نطاق النتائج المتوقعة. لهذا وُضعت أكياس الرمل. امتصت الأكياس معظم القوة، ودخلت الشظايا في التراب، وارتدّ الصوت في الحقل كأنه باب معدني أُغلق بقوة في ممر طويل. خرج القرويون من منازلهم ليروا ما حدث. أمّا المزارع، الذي شاهد للتو الجسم، الذي قيل له إنه آمن، وهو يدمّر ساتراً صغيراً من التراب المدكوك، فقد صمتَ.

هنا يُصبح الحساب أبسط مما يبدو، وأقسى مما يبدو.

تراوحت تكلفة تصنيع القذيفة بين 50 و75 دولاراً. تطلّب الأمر أربعة خبراء مدربين في إزالة الألغام، وقائد فريق، ومعدات وقاية شخصية كاملة لخمسة أفراد، ومعدات كشف، وعملية مراقبة جودة، ومسحاً قبل العملية، وتنسيقاً مع السلطات المحلية، ونحو يوم من العمل الماهر في ظروف صعبة.

التكلفة الإجمالية لعملية الإزالة: بين 400 و1000 دولار، بحسب نموذج التمويل وهيكل التكاليف العامة.

أمّا تكلفة عدم إزالة القذيفة، فلا تُحسب بالطريقة نفسها. فهي قد تكون محراثاً، وصاعقاً يعمل بالضغط، ومزارعاً قيل له إن الأمر آمن.

تُكمل سلمى الأوراق. الحقل آمن. غداً هناك لغم آخر.

ما حدث في هذا الحلق ليس استثناءً. إنها نسخة صغيرة من مشكلة أوسع: بلد يعيش فوق طبقات غير مرئية من مخلفات الحرب المتفجرة. من هنا يُمكن الانتقال من سلمى والمزارع والقذيفة إلى الصورة العامة، لا بوصفها أرقاماً منفصلة عن الحكاية، بل بوصفها تفسيراً لها.

سوريا، من الناحية الفنية، ليست دائماً أخطر دولة في العالم. يتغيّر هذا التصنيف تبعاً للسنة والمنهجية والجهة التي تقيس. لكنها تحمل نصيباً خاصاً من فئة محدّدة من المخاطر: مخلفات الحرب المتفجرة، ذلك المصطلح البيروقراطي الذي يشمل قذيفة دبابة في حقل، وقنبلة عنقودية قرب مدرسة، وعبوة ناسفة داخل بيت عاد إليه أصحابه بعد سنوات.

أربعة عشر عاماً مدة كافية لتراكم الخطر. تُشير تقديرات متداولة إلى استخدام نحو مليون ذخيرة متفجرة خلال الحرب في سوريا. ومع معدل فشل عسكري للذخائر يُقدّر، بصورة متحفّظة، بين 10 و30 بالمئة، يُمكن أن يتراوح عدد الذخائر غير المنفجرة المخفية في أنحاء البلاد بين مئة ألف وثلاثمئة ألف. هذه تقديرات بطبيعتها. فالذخيرة غير المنفجرة خطيرة لأنها، تحديداً، لا تُرى ولا يُعرف مكانها بدقة.

يعيش نحو خمسة عشر مليوناً ونصف المليون شخص، أي ما يُقارب ثلثي سكان سوريا، في مناطق مصنفة على أنها ملوثة بمخلفات الحرب المتفجرة. لا يتعلق الأمر بساحة معركة معزولة أو منطقة حدودية مغلقة، بل بأحياء وحقول وطرق ومدارس وبيوت، أي بالأماكن التي يحاول الناس أن يعيدوا إليها معنى الحياة اليومية.

لفهم كيف وصلت سوريا إلى هذه الحالة، يجب إدراك أن التلوث ليس متجانساً، بل هو تراكمٌ لآثار صراعاتٍ مختلفة، وفاعلينَ مختلفين، وتقنياتٍ مختلفة، ومنطقٍ استراتيجيٍّ مختلف، كلٌّ منها ترك مخاطره الخاصة في أماكن محدَّدة ذات خصائص معينة، مما يستدعي استجاباتٍ محددة. هذا أحد الأمور التي تُميِّز حالة سوريا عن غيرها في عمليات إزالة الألغام التقليدية بعد الحروب، على سبيل المثال: فلا يوجد نوعٌ واحدٌ من التهديد، ولا نوعٌ واحدٌ من التضاريس، ولا نوعٌ واحدٌ من الفاعلين المسؤولين.

نُشرت الذخائر العنقودية على نطاق واسع منذ عام 2012، وسُجلت هجمات في ثلاث عشرة محافظة من أصل أربع عشرة. تعمل هذه الذخائر عبر إطلاق مئات الذخائر الفرعية على مساحة واسعة. صُممت تلك الذخائر الصغيرة لتنفجر عند الاصطدام، لكن كثيراً منها لا يفعل. ضربة واحدة قادرة على ترك عشرات الأجسام الصغيرة في مساحة بحجم عدة ملاعب لكرةِ قدم. تبقى هناك سنوات، بحجمٍ وشكلٍ يجعلانِها تلتبس، عند الأطفال خصوصاً، بما يُمكن التقاطه واللعب به.

بين عامي 2012 و2020، ألقت قوات نظام الأسد ما يُقارب 82 ألفَ برميل متفجر. والبرميلُ المتفجر، في أبسط تعريف، حاوية محشوّة بمواد متفجرة وشظايا معدنية تُلقى من مروحية وتسقط عشوائياً على ما تحتها. استُخدمت هذه الأسلحة بكثافة في مناطق حضرية مثل حلب وحمص والرقة ودرعا وإدلب. ولم يكن إلقاؤها على الأحياء المكتظة بالسكان خطأً في الاستهداف، بل استراتيجية مُتعمدة، مُصممة لزيادة الخسائر البشرية والنزوح إلى أقصى حدٍّ، وتدمير البنية التحتية المدنية – كالمستشفيات ومحطات المياه والمدارس – التي تُتيح الحياة الحضرية. ومع الوقت، أنتج ذلك ما يُسمّيه مختصو إزالة الألغام «حقل ألغام حضرياً»: أنقاض ومبانٍ وطرقات لا يُمكن التعامل معها كمساحة آمنة لأنها قد تُخفي بقايا غير منفجرة من سنوات القصف.

أمّا تنظيم داعش فترك طبقة مختلفة من الخطر. أظهر مهندسُوه كفاءة عالية في تصنيع العبوات الناسفة وزرعها، من دون أن ينتقص ذلك شيئاً من فظائع التنظيم. فُخِّخت منازل ومركبات وأبواب مستشفيات ومدارس ومداخل شبكات مياه. في الرقة ودير الزور ومناطق واسعة على طول الفرات، لم يكن ما تركه التنظيم وراءه أثراً جانبياً للمعركة، بل بيئة مُصمّمة كي تُواصل القتل بعد الانسحاب.

لكلِّ منطقة بصمتُها الخاصة. في الشمال الغربي، ولا سيما إدلب وحلب وحماة، تحضر مخلفات الذخائر العنقودية والألغام في الأنقاض. في الشمال الشرقي، وخاصة دير الزور والرقة، يلتقي إرثُ داعش من العبوات الناسفة مع التلوث الزراعي على طول حوض النهر. في الجنوب والوسط، تظهر كثافةُ استخدام الذخائر المتفجرة في الخرائط والسجلات. أمّا ريف دمشق فيُمثل حالة خاصة من حقول الألغام الحضرية، حيث يمكن أن توجد المتفجرات لا في الركام فقط، بل داخل مبانٍ سكنية قائمة، في الجدران والأرضيات والعتبات.

تُصنف ثمانية من كل عشرة حقول زراعية في المناطق المتضررة على أنها ملوثة. هذا الرقم لا يصفُ مشكلة أمنية فقط. إنه يمسُّ الغذاء والعمل وإعادة الإعمار والقدرة النفسية على العودة. فالمزارعُ الذي لا يستطيع حرث أرضه من دون أن يخاطر بحياته لا يواجه عائقاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً يومياً عن معنى العودة إلى حياة طبيعية. المزارع في بداية هذا النص ليس استثناءً؛ إنه نموذج.

زاد التحوّل السياسي في كانون الأول (ديسمبر) 2024، مع سقوط نظام الأسد وتغيّر خرائط السيطرة، خطرَ التعرُّضِ لهذه المخلفات. عندما تزول حواجز كانت تفصل مناطق النزاع، وعندما يحاول اللاجئون والنازحون العودة جماعياً إلى أماكن لم يزوروها منذ سنوات، يعبرون أرضاً لا يعرفون مخاطرها، ويتجهون إلى بيوت قد تكون مفخخة، ويمرون عبر حقول لم تُمسح. بين كانون الأول (ديسمبر) 2024 وأيار (مايو) 2025، سُجِّل أكثر من ألف ضحية. وتتراوح نسبة الأطفال بينهم بين الربع والثلث، بحسب المصدر ومنهجية الإحصاء.

هناك أيضاً ضحايا أقل حضوراً في الإحصاءات العامة: جامعو الخردة المعدنية. يُنتِج الدمار الاقتصادي يأساً اقتصادياً، وفي بلد مُشبَع بالعتاد العسكري يتحوَّل هذا اليأس إلى استراتيجية بقاءٍ. يُفكِّك الناس ذخائر غير منفجرة لبيع المعادن. هذا مفهوم في اقتصاد لا يُتيح خيارات كثيرة، لكنه شديد الخطورة، فمقاطع تيك توك التي تُظهر تفكيك رأس حربي في دقائق لا تكذب بالضرورة؛ إنها فقط لا تعرض المقاطع التي تنتهي على نحو مختلف.

يحدث كل ذلك في ظلِّ تمويل غير كافٍ. إذ لم يتلقَّ قطاع إزالة الألغام في سوريا سوى نحو 13 بالمئة من التمويل المطلوب في عام 2024. وهذا ليس نقصاً هامشياً، بل فجوة هيكلية. فهو يعني أن السؤال لا يكون دائماً أين توجد المخاطر، بل أيُّ خطر يمكن التعامل معه أولاً، وأي قرية أو حقل أو طريق يجب أن ينتظر.

تُكمل سلمى الأوراق. في الخريطة الأوسع، توجد مئةُ ألفِ قذيفة أخرى.

الطريق الطويل نحو «خط الأساس»

تقول الصورة الشائعة عن إزالة الألغام إن شخصاً يقترب من جسم خطير، يقوم بحركة دقيقة بيديه، ثم يُصبح الجسم غيرَ خَطرٍ. تستغرق هذه الصورة خمس دقائق، وتُناسبُ إيقاعَ مقاطع الحركة وخوارزميات المنصات. أمّا العملية الفعلية فتبدأ قبل ذلك بكثير، ولا تبدأ بلمس أي جسم، بل بالسؤال عنه.

من لحظة تحديدِ مجتمعٍ محليٍّ لمنطقة خطرة إلى لحظة وقوف خبير إزالة الألغام عند «خط الأساس» بجهاز كشف المعادن، قد تمرُّ أسابيع أو شهور. بين النقطتين توجد مقابلات وخرائط وقواعد بيانات وقرارات بشأن الأولوية وتنسيق مع سلطات محلية ومالكي أراضٍ ومنظمات دولية. هذا هو الجزء الجافُّ من القصة، لكنه ضروري لفهم لماذا لا يُمكن لرجل ومفتاح ربط أن يكونا بديلاً عن فريق كامل.

تُسمّى المرحلة الأولى «المسح غير التقني». الاسم بارد، لكن العمل إنساني جداً. يصل فريق إلى مجتمع محلي ويتحدّث مع النساء والرجال والأطفال. الأطفال مهمُّون لأنهم يعرفون الأرض بطرق مختلفة، ولأنهم أحياناً يعثرون على ما لا ينبغي أن يعثر عليه أحد. الأسئلة مباشرة: أين تمشون؟ أين لا تمشون؟ أين أصيب ابن الجيران؟ يُراجع الفريق أيضاً سجلات الإصابات في المستشفيات، وخرائط النزاع القديمة، وأيَّ وثائق عسكرية متاحة. تُرسم خرائط أولية، وتُسجل إحداثيات (GPS)، ولا يدخل أحد بعد إلى المنطقة المشتبه بخطورتها.

بعد ذلك تُدخل البيانات في نظام قاعدة بيانات يُسمّى (IMSMA)، أي نظام إدارة المعلومات لأعمال إزالة الألغام. تُعالج المعلومات عبر برامج نُظُم المعلومات الجغرافية (GIS)، فتظهر على الخريطة مناطق مُظلَّلة تعني عملياً: لا تدخلوا هنا. الخريطة ليست نهائية. إنها خريطة لما يُشتبه بأنه خطر، لا لما ثبت أنه خطر. وهذا الفارق مهم، لأن الخطوة التالية قد تعني إرسال بشر إلى تلك البُقع المظلّلة.

قبل إرسال أي شخص، تُتخذ قرارات الأولوية. ومع موارد لا تتجاوز، في بعض السنوات، جزءاً صغيراً من المطلوب، لا يكون السؤال لوجستياً فقط، بل أخلاقياً أيضاً. أيُّ موقع تزال منه المخلفات أولاً؟ حقل بجوار مدرسة؟ طريقٌ يمنع قرية من الوصول إلى السوق؟ أرض زراعية يعتمد عليها عشرات الناس؟ أم حيٌّ يمنع آلاف العائدين من دخول بيوتهم؟ هكذا تتحوّل الخريطة إلى قائمة مهام، وتتحول الندرة إلى قرارات صعبة.

ثم يأتي المسح الفني. هنا يدخل أفراد مدربون، يرتدون معدات الوقاية الشخصية، إلى المنطقة المشتبه بها للمرة الأولى. هدفهم ليس إزالة كل شيء فوراً، بل تقليص مساحة الخطر: أين ينتهي الاشتباه وأين يبدأ الخطر المؤكد؟ قد يوفّر هذا التحديد أسابيع من العمل غير الضروري في أرض يتّضح لاحقاً أنها آمنة. يستخدم الفريق أجهزة كشف المعادن، وكلاباً مدربة على شمِّ البصمة الكيميائية للمتفجرات، وأحياناً معدات ميكانيكية لإزالة الغطاء النباتي. يضعون علامات على الحدِّ الفاصل بين الآمن والخَطِر، ثم يرسلون هذه المعلومات إلى فريق الإزالة.

يتألف فريق الإزالة من قائد فريق، وعمال إزالة ألغام، وسائقٍ ومُسعفٍ جاهزين للإخلاء في حالات الإصابة، وحراس موقع يمنعون السكان من الدخول إلى منطقة العمل. قد يبدو دورُ الحراس بسيطاً، لكنه ليس كذلك. فالمجتمعاتُ التي تعيش قرب الخطر لسنوات تُطوِّر تقديراتها الخاصة له. أحياناً تكون هذه التقديرات صحيحة، وأحياناً لا تكون كذلك. ووجود عملية إزالة ألغام، بكل ما فيها من حركة ومعدات، يَجذِب الفضوليين إلى المكان الذي يُفترض أن يبتعدوا عنه.

وأخيراً، خط الأساس.

قبل تشغيل أول جهاز كشف، يُحدِّد الفريق المنطقة الآمنة بشريط أبيض عادةً. هذا الخط يفصل بين أرض جرى مسحها خلف الفريق وأرض لم تُمسح أمامه. يرتدي كلُّ عامل إزالة ألغام واقيَ الوجه المصنوع من البولي كربونات، والمئزر أو السترة الواقية، ويحمل وزنها معه. يتحقق قائد الفريق من الاتصالات. يتموضع المسعف. يُصبح كل شيء بطيئاً ومحدداً.

يتقدَّم عامل إزالة الألغام إلى «خط الأساس». قد يكون الخط عصاً، أو شريطاً، أو إحداثيات تحوّلت إلى علامة على الأرض. يبدأ بمسح بصري للسطح، يبحث عن «أسلاك تعثُّر»، يزيل الغطاء النباتي إذا لزم الأمر، ثم يخفض جهاز الكشف ويحركه فوق التربة ببطء، في أقواس متداخلة لا تترك بقعة بلا مسح.

ثم يستمع إلى الإشارة.

هذا هو الموضع الذي تصل إليه كل البيروقراطية السابقة: مصفوفة القرار، قاعدة بيانات (IMSMA)، خرائط (GIS)، المسح غير التقني، المسح الفني، طلبات التمويل، واجتماعات التنسيق. كلُّ ذلك ينتهي، في لحظة معينة، عند شخص واحد يتحرك ببطء ويستمع.

يبلغ معدل إزالة الألغام يدوياً نحو 25 متراً مربعاً للشخص الواحد يومياً في الظروف الجيدة. في حين تمتد المنطقة شديدة التلوث إلى مئات آلاف الأمتار المربعة. الحسابات ليست مشجعة. لكنها، في الوقت الراهن، الواقع الوحيد المتاح.