في أواخر أغسطس (آب) 2026، أَلغى برنامج حواري سوري ظهوراً مُقرَّراً للدكتورة فداء الحوراني على الهواء، إثر حملة إلكترونية في مدينة حماة طالبت باستبعادها من حلقة النقاش. ولم تمض سوى ساعات حتى أعلنت الحسابات التي قادت الحملة «انتصارها» على الملأ.

يتتبّعُ هذا التقرير كيف نَسّقت شبكة من صفحات فيسبوك مع شخصية واحدة شديدة الحضور، وذلك لإيهام الرأي العام بوجود معارضة شعبية للحوراني والضغط لإقصائها من الحياة العامة، قبل أن تَستهدفَ الحملةُ لاحقاً الناشطة رولا الركبي أيضاً.

يعرض ما يلي الجهات التي وقفت وراء الحملة، والآليات التي اتبعتها، والسرديات التي استندت إليها.

1- تسع ساعات في 28 آب (أغسطس)

نحو الساعة السابعة من مساء يوم 27 آب (أغسطس) 2026، أعلنَ أحمد فاخوري، مقدم برنامج «صالون الجمهورية»، أن الحلقة المقبلة ستُعقَد في حماة، وأن من بين ضيوف الحلقة الدكتورة فداء الحوراني، وهي طبيبة وسياسية سورية معروفة بمعارضتها لنظام الأسد على مدى سنوات طويلة.

بدأت موجة الاعتراض خلال ساعات. في الساعة 4:50 من صباح اليوم التالي، نشر أنس هبرة، 1 وهو مؤثر من حماة على وسائل التواصل الاجتماعي ومؤيدٌ للسلطة الجديدة، منشوراً هاجم فيه الحوراني، وربطها بمجزرة حماة عام 1982 من خلال التاريخ السياسي لوالدها. وسرعان ما حذت حذوه شبكة من الصفحات الناشطة على فيسبوك في حماة، دأبت منذ أشهر على شن حملة شبه متطابقة ضد الحوراني.

وفي الساعة 8:36، نشرت صفحة «شو صاير بحماة» صورةً مولّدة بالذكاء الاصطناعي للحوراني وفاخوري ومحمد حبش وسط أنقاض مجزرة عام 1982، وخلال ست دقائق كانت الصورة قد نُشِرَت في أربع عشرة مجموعة محلية على فيسبوك. وفي الساعة 9:29، أضافت صفحة أُخرى تحمل اسم «بوصلة حماة» رسماً كاريكاتورياً للاثنين على منصة مُضاءة وسط الأنقاض، إلى جانب جدار مهدم يحمل عبارة «حماة 1982» ويسيلُ منه الدم. واختُتم المنشور بتحديد موعد ومكان: حديقة أبو الحسن قرب جسر المراكب، في الساعة السابعة من مساء ذلك اليوم، فيما شكّل فعلياً دعوة للتجمّع في مكان تصوير الحلقة. ثم، في الساعة 10:45 صباحاً، أعادت صفحة ثالثة، تحمل اسم «حماة الحقيقة»، نشر المواد البصرية التي حملت هوية الصفحة الأولى.

أثناء ذلك، نشر أنس هبرة منشورين خلال اليوم يُطالب فيهما علناً الجهة الناقلة باستبعاد الحوراني من حلقة النقاش. وفي نهاية المطاف، ألغى المنظمون ظهورها قبل ساعات قليلة فقط من موعد البث، قائلين إنهم لا يستطيعون توفير «الحماية اللازمة».

في الساعة 1:08 ظهراً، ألغى هبرة الاعتصام المُقرَّر في مكان انعقاد الحلقة، 2مع أنه لم يكن أوَّل من دعا إليه أصلاً، بل صفحة «بوصلة حماة». وفي الساعة 1:50، أعلنت «حماة الحقيقة» إلغاء البث، وقدّمت القرار على أنه استجابة لـ«مطلب الشارع الحموي»، غير أن البحث في وسائل التواصل الاجتماعي لم يُظهر أي أثر لهذا المطلب خارج نطاق هذه الحسابات. وفي الساعة 2:31، اختتمت صفحة «بوصلة حماة» اليوم بصورة مركّبة تجمع المنصة الخالية والرسم الكاريكاتوري المنشور في ذلك الصباح، ووجّهت إلى فاخوري بالاسم العبارة التالية: «رسالتنا وصلت في الميدان». وهكذا، بعد تسع ساعات من المنشور الأول، أعلنت الحملة «انتصارها».

 

 

لكن الحملة لم تبدأ من هنا. فكما يُبيّنُ باقي هذا التقرير، فإن الهجمات على السيدة فداء الحوراني تسبقُ هذه الواقعة بثمانية أشهر.

أنس هبرة يُلغي الاعتصام عند جسر المراكب في الساعة 1:08 ظهراً يوم 28 آب (أغسطس) 2026..
بعد إعلان صفحة «حماة الحقيقة» إلغاء البث في الساعة 1:50 ظهراً، تختتم صفحة «بوصلة حماة» التسلسل في الساعة 2:31 بصورة مركّبة من ثلاث لوحات تظهر المنصة الخالية.

2- هدفان والأسلوب واحد

وُلدت الدكتورة فداء الحوراني عام 1956، وتخصّصت في طب النساء والتوليد في بغداد عام 1982، ثم أسَّست مستشفى الحوراني في حماة. في كانون الأول (ديسمبر) 2007، انتُخبت رئيسةً للمجلس الوطني لإعلان دمشق، وهو ائتلافٌ مُعارض لنظام الأسد يدعو إلى الإصلاح الديمقراطي. اعتُقلت بعد خمسة عشر يوماً، وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2008 أُدينت بتُهمَتي «إضعاف الشعور القومي» و«نشر أخبار كاذبة»، وسجنها نظام الأسد من عام 2007 حتى عام 2010. خلال تلك الفترة، رُحِّل زوجها الفلسطيني من سوريا. وبعد إطلاق سراحها، عالجت متظاهرين جرحى في مستشفاها خلال مظاهرات عام 2011 في حماة، قبل أن تُغادر البلاد في أعقاب الهجوم العسكري على المدينة في تموز (يوليو) من العام نفسه. وبعد سقوط الأسد، عقدت فداء الحوراني خلال عام 2026 لقاءات عامة في مصياف والسلمية وإدلب وحماة.

تتمثّل التهمة الأساسية التي تُوجٍّهُها الحملة لفداء الحوراني في أنها «بعثية شيوعية» ومن «فلول» النظام. وعلى مدى ثمانية أشهر تعرّضت الحوراني لهجمات متقطّعة، قبل أن تتصاعد حدتها في الأيام الأخيرة من آب (أغسطس) الماضي. وفي نهاية هذه الفترة، وسَّعت الحملة دائرة استهدافها لتشمل أيضاً رولا الركبي، وهي ناشطة في المجتمع المدني وناشطة نسوية.

نشطت رولا الركبي لعقود طويلة في المجتمع المدني والحراك النسوي في سوريا، وأسهمت في تأسيس مبادرات نسوية وسياسية، وشاركت في الثورة السورية منذ انطلاقها عام 2011. تشغل الركبي حالياً منصب مديرة مكتب منظمة «النساء الآن من أجل التنمية». كما أن شهادتها في إطار التاريخ الشفوي محفوظة في أرشيف الجامعة الأميركية في بيروت. في 27 آب 2026، قدّمت الركبي إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، حذّرت فيها من انتقال سياسي يقتصر على تغيير من يمسك بالسلطة بدلاً من تغيير كيفية ممارستها، وأثارت مخاوف بشأن الاعتقال التعسفي والتضييق على الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، واختفاء نساء من الطائفة العلَوية. بدأت الحملة ضدها في اليوم التالي.

تنحدر الحوراني والركبي من عائلتين حمويَّتَين، وقد عادتا إلى الحياة العامة بعد سقوط نظام الأسد. كلتاهما معارضتان لنظام الأسد ونضالهما ضده موثَّق، وكلتاهما تعرّضتا للهجوم بالطريقة نفسها: من خلال السجل السياسي لوالديهما.

أسَّسَ أكرم الحوراني، والد فداء الحوراني، الحزب العربي الاشتراكي، الذي اندمج لاحقاً مع حزب البعث عام 1952. أمّا فيصل الركبي، والد رولا الركبي، فكان طبيباً شاركَ أكرم الحوراني في تأسيس الحزب نفسه، وخدم طبيباً لفوجٍ في جيش الإنقاذ العربي في فلسطين عام 1948. يُشكّل هذان الرجلان، والحزب الذي أسهما في بنائه، الأساس الذي تقوم عليه الحملات التحريضية ضدَّ السيدتين اليوم. لم تحاول الحملة الردَّ على أيٍّ من مواقف فداء الحوراني وأقوالها، ولم تردّ إلا قليلاً على تصريحات لرولا الركبي، لكنها في الحالتين أقامت حُجّتها بشكل أساسي على هوية والديهما.

3- الحملة

يعود تاريخ المواد التي تستهدف الحوراني إلى 29 كانون الأول (ديسمبر) 2025، وتقفُ وراء الحملة جهتان منفصلتان.

الأولى شبكة من أربع صفحات على فيسبوك تُقدّم نفسها بوصفها صفحات إخبارية ومدنية محلية في حماة. وتُعدّ «بوصلة حماة» المُنتِجَ الرئيسي، إذ يصدر عنها نحو 75 بالمئة من محتوى الحملة، فيما تقتصر الصفحات الأخرى إلى حدٍّ كبير على إعادة نشره. وقد أُنشئت اثنتان من الصفحات الأربع قبيل تصاعُد الحملة مباشرة: «حماة الحقيقة» في 27 آب 2026، و«الراصد الحموي» في 22 آب 2026، ولا تحظى أيٌّ منهما بحدِّ ذاتها بمتابعة تُذكَر. تعتمد الشبكة على التكرار: يُنشَر المنشور الواحد، من دون أي تغيير، 180 مرة فيما لا يقل عن 63 مجموعة محلّية غير مرتبطة على فيسبوك (مجموعات للبيع والشراء والزراعة وصفحات الأحياء المحلّية)، وغالباً ما تتم عمليات النشر بفارق دقيقتين أو ثلاث دقائق فقط. وبهذه الطريقة، تخلق الشبكة انطباعاً بوجود توافق محلّي بدلاً من محاولة إقناع الجمهور بوجوده.

 

أمّا الجهة الثانية فهي أنس هبرة، وهو مؤثّر مُقيم في حماة ينشر باسمه الشخصي، ويصل محتواه إلى جمهور يبلغ ما بين ضعفَي وأربعة أضعاف جمهور شبكة صفحات فيسبوك. وفي حين تعتمد الشبكة على كثافة النشر، يخاطب هبرة الجمهور مباشرة، فيَذكُرُ الحوراني والركبي بالاسم ويُصرِّح بوضوح بأن هدفه هو عدم السماح لأي منهما بالظهور في المجال العام. وفي 31 آب (أغسطس)، قال صراحة إنه رغم «تحقيق هدفنا» بإلغاء ظهور الحوراني، فإن الهدف الأكبر هو إبعاد الحوراني عن الشأن العام. كما ذكر هبرة في مقاطع الفيديو التي ينشرها أنه أرسل أشخاصاً لحضور لقاءات الحوراني العامة. ويُقدّم هبرة إقصاء المرأتين بوصفه خطوة نحو إرغام مجتمعات الأقلّيات على القبول بالمواطنة وفق الشروط التي تضعها الأغلبية وحدها.

ويروّج طرفا الحملة للسرديات الأربع نفسها:

– أنَّ الدور العام لكل من المرأتين ليس في حقيقته سوى امتداد موروث لسياسة والديهما، وأن كلتيهما مُدانة بحكم النسب.

– أن مجزرة حماة عام 1982 تمنح القائمين على الحملة وحدهم سلطة تقرير من يحق له التحدّث في المدينة.

– أن نشاط المرأتين يتلقّى سراً تمويلاً أجنبياً.

– أن كلتيهما من «فلول النظام» وتحاولان إعادة تقديم نفسيهما للعودة إلى الحياة العامة.

يُشير هذا المستوى من الاتساق إلى وجود توجّه تحريري مُشترَك وتنسيق في العمل بين شبكة صفحات فيسبوك وحساب هبرة. فعادةً ما ينشر هبرة قبل صفحات الشبكة، وأكثر هذه الصفحات نشاطاً يتابع حسابه، وفي 28 آب (أغسطس) أعلن بنفسه على الملأ عن إلغاء اعتصامٍ لم تعلن عنه أصلاً سوى صفحات تلك الشبكة على فيسبوك ما يُثبت الارتباط بينه وبين تلك الصفحات. ويضمن النشر المكثّف عبر الشبكة حضوراً واسعاً للحملة، فيما يمنحها هبرة، بصفته وجهاً حقيقياً واحداً، قدرتها على الإقناع.

وبناءً على ذلك، يُرجَّح أن الجهتين المُنتِجتين للحملة عملتا بالتنسيق فيما بينهما، وأن الحملة أسهمت بصورة ملموسة في قرار برنامج «صالون الجمهورية» إلغاء ظهور الحوراني (إذ عزا منظّمو البرنامج الإلغاء إلى عدم قدرتهم على ضمان الحماية، في وقت كان التهديد الوحيد الموثّق لمكان انعقاد الحلقة في ذلك اليوم صادراً عن الحملة).

رغم كل الأدلة التي تشير إلى تنسيق وترابط، لم يثبت وجود ارتباط مباشر عملي بين هبرة وشبكة صفحات فيسبوك تلك، ولا تكفي الأدلة المتوفرة للجزم بأن هبرة والشبكة يعملان بإدارة جهة واحدة، أو بأن هبرة هو نفسه مدير تلك الصفحات، إذ لا تتوافر أيُّ مواد مفتوحة المصدر، أو سجلّات للمسؤولين، أو بنية تحتية مشتركة، أو مؤشرات أُخرى يُمكن الاستناد إليها للتحقُّق من ذلك.

 

4- الذنب الموروث و«التمويل الأجنبي»

تقول إحدى أكثر الاتهامات تكراراً في الحملة أن الدور العام لكل من فداء الحوراني ورولا الركبي امتدادٌ لسياسة والديهما، أي للدور الذي أداه أكرم الحوراني وفيصل الركبي في تأسيس حزب البعث.

ويُحذّر المنشور الأول، المؤرّخ في 24 تموز (يوليو)، من «ولادة أكرم حوراني جديد». ولا يأتي على ذكر العقود التي أمضتها فداء الحوراني في ممارسة الطب، ولا تجربتها كسجينة سياسية سابقة. وتُظهر الصورة المرفقة وجه والدها بحجم يبلغ نحو ضعف حجم وجهها، فيما يظهر خلفهما النسر المتوّج، شعار النظام السوري السابق. ويختتم التعليق المصاحب للصورة بعبارة: «احذروا، احذروا فلول البعث».

مُلصق مولّد بالذكاء الاصطناعي بعنوان «ولادة البعث الجديد»، نُشر في 24 تموز (يوليو) 2026.

أمّا المُلصق الثاني، المنشور في 31 تموز بعنوان «مستمرة على نهج أبي»، فكُتِبَ كما لو أنه بلسان فداء الحوراني، ويُقدّمها بوصفها «ابنة الرجل الذي يدين له حافظ الأسد بأكبر فضل».

مُلصق مولّد بالذكاء الاصطناعي بعنوان «مستمرة على نهج أبي»، نُشر في 31 تموز (يوليو) 2026. يظهر في المُلصق أيضاً عدد من الأوراق النقدية المتساقطة في أرجاء الصورة، فيما يتضمن التعليق المصاحب عبارة «2011 $$$»، بما يوحي بتلقي فداء الحوراني تمويلاً أجنبياً.

يتضمن المُلَصق نفسه، المنشور في 31 تموز، سرديةً أُخرى منفصلة، لكنها محورية في الحملة: أن نشاط الحوراني يتلقى سراً تمويلاً أجنبياً؛ إذ يُظهر أوراقاً نقدية تتساقط في أرجاء الصورة، فيما يزعم التعليق المُصاحِب أن الحوراني تلقّت تمويلاً من الاستخبارات الفرنسية ودول أُخرى. كما توحي عبارة «2011 $$$»، الواردة في التعليق نفسه، بأن مشاركة الحوراني في الانتفاضة، حين عالجت المتظاهرين الجرحى في مستشفاها، لم تكن سوى نشاط مدفوع الأجر، من دون تحديد أي معاملة مالية أو جهة متلقّية أو قيمة التمويل المزعوم.

وتعمل الآليتان اللتان يستخدمهما المُلصَق معاً لنزع الشرعية عن الحوراني: تسلبها الأولى هويتها السياسية المستقلة، فيما تسلبها الثانية استقلالية نشاطها السياسي وسجلّها المعارض. وهذه الآلية ليست من ابتكار الحملة. فاتهام النساء العاملات في المجتمع المدني بتلقّي تمويل أجنبي أسلوب شائع في الهجوم عليهنَّ، وتكمن فاعليته تحديداً في أنه لا يحتاج إلى أدلة: فما دام الاتهام لا يُحدِّد شيئاً بعينه، فلا يوجد ما يمكن دحضه.

في 1 أيلول (سبتمبر) الجاري، بعد خمسة أيام من إحاطة رولا الركبي أمام مجلس الأمن الدولي، نشرت صفحة «شو صاير بحماة» صورتها ضمن قالب يكاد يطابق القالب المستخدم في الهجوم على فداء الحوراني، وقدّمتها بوصفها «ابنة فيصل الركبي». وعلى خلاف الحملة التي استهدفت الحوراني على مدى أشهر، جاءت اللهجة هنا أكثر اعتدالاً نسبياً: فلا رسم كاريكاتوري، ولا صيغة تهديد، كما اقتُبست تصريحات الركبي بشأن الإقصاء والطائفية والاعتقال ورُدَّ عليها بدلاً من تجاهلها. لكن أسلوب التوزيع كان مطابقاً: نُشِرَ المحتوى أولاً على الصفحة، ثم أُعيد نشره في أربع مجموعات منفصلة على فيسبوك، حملت إحداها اسم «شبيحة ومخبرين حماة». ولم يُعثَر على أي منشورات لاحقة للشبكة تستهدف الركبي.

5- «فلول النظام»

تصفُ أقدمُ سردياتِ الحملة الحوراني بأنها من «فلول النظام»، وتتهمها باتّخاذ الحوار والمجتمع المدني غطاءً للعودة إلى مؤسسات الدولة الجديدة. وإذا كانت سردية النَسَب تُلقي عليها اللوم بسبب هوية والدها، فإن هذه السردية تبني اتهامها على ما تنسبه إلى الحوراني من أفعال في الحاضر.

في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2025، أي قبل سبعة أشهر من ظهور أول مُلصق يتناول نَسَبَها، نشرت صفحة «بوصلة حماة» صورة عادية للحوراني، وأرفقتها بتعليق يُحذّر من «أذناب الاشتراكية والبعثية»، ويتساءل عمّا إذا كانوا «رجعوا ليمارسوا العمل الماضي تبعهم؟»، قبل أن يختتم بتهديد مبطّن: «انضبوا واستحوا وإلا أقسم بالله تاريخكم حاضر». وأُعيد نشر هذا المنشور في مجموعات على فيسبوك، من بينها «شبيحة ومخبري حماة».

محتوى للحملة أُعيد نشره في مجموعة «شبيحة ومخبري حماة»، ويظهر في الصورة اسم المجموعة والمنشور معاً. وتكشف هذه الصورة وحدها عن خطر مُحتمل على الحوراني، إذ وُجِّه إليها اتهام بأنها من «فلول النظام» أمام جمهور تَجمَّعَ بهدف تحديد المتعاونين مع النظام.

في 17 نيسان (أبريل) 2026، أخذت صفحة «بوصلة حماة» خبراً من صفحة إخبارية في السَلمية عن مجلس تأبين أُقيم في منزل عبد الكريم الضحّاك، وهو شخصية ثقافية محلّية سبق له أن أدار المركز الثقافي العربي. اقتصّت الصفحة الصورة لعزل الحوراني عن بقية المُعزّين، ثم أرفقتها بالتعليق التالي: «ابنة أكرم الحوراني، أكبر رجال حافظ الأسد في سوريا، تتحرك من جديد… عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء». وفي اليوم التالي، نشرت صفحة «شو صاير بحماة» منشوراً شبه مُطابِق.

المنشوران الأصليان في 17 و18 نيسان ( أبريل) 2026. تربط «بوصلة حماة» بين حضور الحوراني مجلس تأبين في السَلمية واعتصام «القانون والكرامة» الذي أُقيم في دمشق في اليوم نفسه.

التمييز بين هذه السردية والهجوم القائم على النَسب ليس نظرياً فحسب. فوصفُ الحوراني بأنها «ابنة أكرم الحوراني» لا يتيح رداً واضحاً، لكنه يظلّ اتهاماً بلا أثر مباشر. أما وصفها بأنها من «فلول النظام» في ظلّ المرحلة الانتقالية الراهنة في سوريا، فليس كذلك، إذ يرتبط بجهود المحاسبة الجارية وممارسات الإنفاذ غير الرسمية. ومن بين المجموعات الـ63 التي نُشرت فيها هذه المواد، توجد أربع مجموعات، من بينها «شبيحة ومخبري حماة»، مخصّصة تحديداً للتشهير علناً بأشخاص يُزعَم أنهم تعاونوا مع النظام السابق. وعندما يُوجّه الاتهام إلى جمهور كهذا، فإنه لا يعود مجرد تعليق بقدر ما يصبح ترشيحاً للحوراني لتُدرَج ضمن هؤلاء.

6- أنس هبرة

رغم عدم وضوح طبيعة علاقته بالشبكة، فإن هبرة، الذي يُعرِّف نفسه بوصفه مؤثراً على وسائل التواصل الاجتماعي لا صحفياً، يبقى الأكثر تأثيراً بين الطرفَين القائمَين على الحملة. فجمهوره أكبر بكثير، وعلى خلاف شبكة صفحات فيسبوك، يتحدث بصيغة المتكلِّم ويُخاطب المرأتَين مباشرة بالاسم. كما يُعلِن نواياه صراحةً، ويتحدث عن خطوات يتخذها بنفسه، من بينها إرسال أشخاص لمراقبة ظهور المرأتين في الفعاليات العامة، والتوجُّه مباشرة إلى الجهة المستضيفة بمطالبه، وهي ممارسات لا تلجأ إليها شبكة الصفحات المجهولة. ويتكرر في خطابه استخدام لفظ «النصيرية» بوصفه تسمية تحقيرية للعلويين.

كما نسبَ هبرة نجاح الحملة إلى جهوده شخصياً، واصفاً الضغط على «صالون الجمهورية» بأنه حملة أدارها بنفسه؛ إذ وُجَّه متابعيه إلى إغراق أقسام التعليقات على صفحة البرنامج، ثم طالب الجهة الناقلة باعتبار هذا الكم من التعليقات تعبيراً حقيقياً عن الرأي العام. وفي 28 آب (أغسطس)، أعلن إلغاء الاعتصام المقرر عند جسر المراكب قبل اثنتين وأربعين دقيقة من إعلان شبكة الصفحات الإلغاء نفسه.

أمّا أخطر ما يرد في هذه المواد، فهو إقرار هبرة في 31 آب بأنه تتبّعَ ظهور الحوراني في الفعاليات العامة في أربعة مواقع، وأنه «أرسلَ أشخاصاً» لحضورها. ومن بين المواقع الأربعة التي كان من المقرر أن تتحدث فيها الحوراني خلال عام 2026، أُلغي ظهورها في موقعَين.

ويُصرّح هبرة أيضاً بالغاية الأبعد التي يسعى إليها، على نحو لا تفعله صفحات فيسبوك المجهولة: فهو يقول صراحة إن المواطَنة من حق مجتمعات الأقلّيات، ولكن وفق الشروط التي تضعها الأغلبية، وإنه يرى في إقصاء هاتين المرأتين خطوة نحو تحقيق هذا الهدف. بعبارة أُخرى، ليست المرأتان هدفاً بحد ذاتهما بقدر ما أنهما تمثّلان عقبة في طريقه باعتبارهما سيدتين من تيارات ديمقراطية علمانية وتنحدران من عائلتين سُنّيتين. وفي سياق منفصل، دافع هبرة عن أعمال عنف موثّقة استهدفت إحدى مجتمعات الأقلّيات، واعتبرها ردَّ فعل شعبياً مبرراً، كما نفى ضلوع الدولة فيها، في تناقض مباشر مع الشهادة التي قدّمتها رولا الركبي أمام مجلس الأمن الدولي قبل أيام من انتقال الحملة إلى استهدافها. وإلى جانب رأيه المعلن بأن الحديث عن سوريا في الخارج يُعدّ خيانة ما لم يكن في خدمة الدولة، يُشير ذلك إلى أن الهجمات على الركبي جاءت، جزئياً على الأقل، انتقاماً مما قالته أمام مجلس الأمن.

وفي إحدى المناقشات، أقرّ هبرة بأنه لا يملك أيَّ دليل موثّق على اتهام منفصل سبق أن وَجَّهه إلى والد الركبي بالانتماء إلى الماسونية، وعزا ادعاءه بدلاً من ذلك إلى «كبارية حماة» من دون أن يُسمّي أحداً منهم، ثم مضى في تقديمه بوصفه حقيقة رغم ذلك.

يخرج جانبان من نشاط هبرة عن نطاق النقد السياسي المعتاد. فقد دعا المساجد والمؤسسات الدينية إلى الانضمام إلى الحملة ضد المرأتين، في تصعيد لم تلجأ إليه شبكة الصفحات قط، كما طلب من متابعيه حفظ ملامح الحوراني والتحرّي عن خلفية عائلتها، وذلك في بيئة سياسية تترتبُ فيها عواقب حقيقية على اتهام أي شخص بالارتباط بالنظام السابق. من هنا، فإن هذا الجمع بين مراقبة تحركات الحوراني، والدعوة إلى حشد ديني ضدها، وحثّ الآخرين على التعرّف إليها، هو ما يدفعنا إلى التعامل مع الحملة باعتبارها مسألة تتعلق بأمنها الشخصي، لا بسمعتها فقط.

7- الخلاصة

لا تبدو هذه الحملة ردَّ فعلٍ محلياً عفوياً، بل يُرجَّح بقوة أن شبكة صفحات فيسبوك المعنيّة تُدار مركزياً، وأنها تعمل بالتنسيق مع هبرة.

كذلك، لم تكن الحملة، في أيِّ وقت، سجالاً جدياً حول المواقف السياسية الفعلية لأيٍّ من المرأتين، بل قامت حجتها أساساً على هوية والديهما. كما لم تُقدّم الحملة، في أي موضع، دليلاً على مزاعم التمويل الأجنبي، أمّا الاتهام الأساسي بأن المرأتين من «فلول النظام»  فيتناقض مباشرة مع الوقائع الموثّقة؛ فقد سُجنت الحوراني بين عامي 2007 و2010 على يد النظام نفسه الذي تُتهم اليوم بأنها من فلوله.

لم تستمد الحملة فاعليتها من حججها، بل من طريقة نشرها. فقد كانت الحملة تنشر المنشور الواحد في ما يصل إلى 28 مجموعة محلية على فيسبوك خلال دقيقتين أو ثلاث فقط. وبالنسبة إلى من كان يتصفح مجموعات حماة المحلية في ذلك الصباح، بدا كما لو أنَّ المدينة بأكملها تتفق على المحتوى نفسه في اللحظة نفسها، لا أن منشوراً واحداً كان يتكرر في هذه المجموعات.

وهذا الانطباع هو الدليل الفعلي الوحيد الذي تستند إليه الحملة في ادعائها التحدّث باسم حماة، لكنه انطباع صُنِعَ عمداً، فالحسابات نفسها ليست مزيفة، والمجموعات حقيقية؛ وإنما يكمن التضليل برمته في طريقة توزيع المحتوى، وهو ما يجعل هذا الأسلوب زهيد الكلفة وصعباً على أي منصة أن تتخذ إجراءً حياله.

تتجاوز العواقب الموثّقة هنا حدود التشهير بكثير، وتمسّ الأمن الشخصي للمرأتين. ويتضح ذلك خصوصاً في حالة الحوراني، إذ يُرجّح أن الحملة أسهمت بصورة ملموسة في إلغاء اثنين من ظهورات الحوراني العامة خلال عام 2026، بعدما قال المنظِّمون إنهم لا يستطيعون ضمان حمايتها.

تبقى مسألتان من دون حسم، ولا ينبغي افتراض إجابة لأي منهما في هذا الاتجاه أو ذاك: مَن يقف وراء الحملة ووراء أنشطة أنس هبرة نفسه، إن كان ثمة مَن يقف وراءها أصلاً، وما إذا كان هبرة وشبكة الصفحات يخضعان في نهاية المطاف لإدارة الجهة نفسها. لكن أيّاً من هاتين النقطتين غير المحسومتين لا يُغيّر ممّا قاله هبرة وما فعله باسمه الشخصي.