يُعدّ قطاع التعليم حجر الأساس في بناء قوة أي دولة، لأنه يوفّر الكفاءات القادرة على إدارة المؤسسات الحديثة، انطلاقًا من فلسفة متكاملة للمنظومة التعليمية. فما سياسات التعليم في العهد البائد وآثارها؟ وما التحديات التي تواجه التعليم في سوريا الجديدة؟ وما السياسات التي ينبغي الأخذ بها مستقبلًا كي يواكب متطلبات مجتمع المعرفة واقتصاده؟
لقد ورثنا من العهد البائد، ولا سيما بعد سنوات الحراك الشعبي بين عامي 2011 و2024، واقعًا تعليميًا بالغ الصعوبة. فبحسب تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» عام 2025، بلغ عدد الأطفال الموجودين خارج العملية التعليمية نحو 2.45 مليون طفل، في حين خرج نحو ثمانية آلاف مدرسة من الخدمة.
وأمام سوريا الجديدة مهام كثيرة جدًا ينبغي إنجازها. ولا شك في أن الأولويات متعددة، لكن مسألة التعليم تأتي في طليعتها، باعتبارها حجر الأساس في إعادة البناء وصياغة مستقبل الدولة والمجتمع.
لقد ورثت سوريا منظومة تعليمية متأخرة عن متطلبات العصر وتقنياته، فضلًا عن ضعف المقومات الأساسية اللازمة لإنجاح العملية التربوية، ولا سيما في ظل التلقين السياسي والقسر السلطوي تحت شعار «سوريا الأسد»، وإبعاد المعلمين والأساتذة الذين لم يقبلوا متطلبات السلطة أو تعارضوا معها.
ومع بداية العام الدراسي 2026-2027، ثمة تحديات عديدة تواجه مختلف مراحل المنظومة التعليمية، بدءًا من عدم قدرة المدارس على استيعاب أعداد التلاميذ في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، مرورًا بنقص الكتب المدرسية والقرطاسية وارتفاع أسعارها، وصولًا إلى تدني رواتب المعلمين، الأمر الذي يؤثر سلبًا في أدائهم التربوي ويدفع بعضهم إلى إعطاء الدروس الخصوصية لتعزيز دخلهم، فضلًا عن لجوء الطلاب إليها لتعويض أوجه القصور في التعليم الرسمي.
ومن المخاطر المحدقة بالعملية التعليمية محاولات إعادة تشكيل وعي المجتمع السوري وفق تصورات دينية معينة. ومن الأمثلة على ذلك الدعوات إلى فصل الإناث عن الذكور في المدارس، بما فيها مدرسة الحرية «اللاييك التاريخية في دمشق»، إلى جانب دعوات الشيخ الذهبي إلى تعميم الحجاب الأفغاني على النساء السوريات، وفصل النساء عن الرجال في الأماكن العامة.
أما على المستوى الهيكلي، فيتمثل أحد أبرز التحديات في ضعف البنية التحتية والتجهيزات التي تحتاج إليها العملية التربوية، من مقاعد دراسية وأجهزة حاسوب ومختبرات وخرائط ومكتبات وغيرها.
كما تعاني غالبية المناهج التي يدرسها التلاميذ والطلاب من التأخر عن العصر، في حين تبرز ضرورة تطويرها وتحديث محتواها بصورة دورية. فاستمرار الاعتماد على المحتوى القديم يجعل المعارف المدرسية بعيدة عن العصر الذي نعيشه، عصر مجتمع المعرفة واقتصاده، وبالتالي بعيدة عن المستقبل الذي ينتظر الأجيال الجديدة.
تواجه المنظومة التعليمية أيضًا فجوة واضحة بين مراكز المدن الرئيسية والأطراف، ويتجلى ذلك في معاناة العديد من المناطق الريفية نقصًا في الاحتياجات الأساسية للمدارس، مثل الغرف الصفية والأثاث المدرسي، وهو ما ينعكس على مستوى التحصيل العلمي ويسهم في زيادة معدلات التسرب المدرسي.
ويفرض هذا الواقع على وزارة التربية اعتماد سياسات تمنح المناطق الريفية والمدن المهمشة إمكانات تتناسب مع حجم احتياجاتها، بما يحقق تكافؤ الفرص بين تلاميذ سوريا وطلابها.
لكي تتمكن سوريا من الدخول إلى هذا العصر، لا بد من الاهتمام بالتعليم وتحسين نوعيته، ولا سيما في مجالات العلوم الحديثة..
التنوع القومي واللغوي
وانطلاقًا من التنوع القومي في سوريا، ومن حق أبناء المكونات القومية في تعلم لغاتهم الخاصة، جاء المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس المؤقت أحمد الشرع، والذي اعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، مع بقاء اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة.
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن إعادة بناء شعب سوري موحد ومتعدد الثقافات في آن واحد، ضمن إطار دولة تقوم على لامركزية إدارية موسعة؟
ويُضاف إلى ذلك أن العديد من أطفال اللاجئين السوريين اكتسبوا لغات بلدان اللجوء، ولا سيما في تركيا وألمانيا، وهو ما يطرح أسئلة حول كيفية التعامل مع أوضاعهم التعليمية واللغوية المتعددة بما يخدم المصالح السورية العليا ويضمن اندماجهم في النظام التعليمي السوري.
قصور بنيوي يحتاج إلى مراجعة
يبدو أن النقاشات الجارية داخل أطر المنظومة التعليمية لم تصل بعد إلى جميع عناصر القصور البنيوي، سواء في المناهج التعليمية، أو أساليب الامتحانات، أو الجوانب الإدارية المتعلقة بتوزيع الأدوار والموارد وتحديد الغايات. وهذا ما يهدد باستمرار بعض سلبيات النظام السابق داخل البنية التعليمية الجديدة.
وقد ظهر جانب من هذه الإشكالية خلال جلسة استماع وزير التربية أمام مجلس الشعب في 14 أيلول/سبتمبر، حين طُرحت مداخلتان لافتتان: دعت الأولى إلى إعادة السماح بضرب الطلاب عملًا بـ«السنة النبوية»، في حين حمّل عضو آخر كثرة المعلمات في المدارس مسؤولية ضعف شخصية التلاميذ، داعيًا إلى إفساح مجال أوسع أمام الرجال للعمل في قطاعي التربية والتعليم.
ومن الواضح أن مثل هذه الطروحات تثير مخاوف من تغلغل أفكار ذات مرجعية سلفية في بعض برامج التعليم، ولا سيما المواد الإنسانية والاجتماعية.
إن فرض مثل هذا التوجه على المنظومة التعليمية بكاملها يمثل خطرًا كبيرًا؛ فالتعليم ينبغي أن يقوم على أسس تربوية حديثة، وأن يبقى بعيدًا عن التوجهات الماضوية التي قد تُفرض على العملية التعليمية.
أهم السياسات التعليمية التي ينبغي اعتمادها مستقبلًا
ثمة حاجة إلى إعادة النظر في سياسات التربية والتعليم القائمة على التلقين والكم على حساب الكيف، لأن العصر الذي نعيشه هو عصر «مجتمع المعرفة واقتصاده»، القائم على الاستثمار المكثف في رأس المال البشري، الذي يشكل التعليم محور بناء قدراته.
ولكي تتمكن سوريا من الدخول إلى هذا العصر، لا بد من الاهتمام بالتعليم وتحسين نوعيته، ولا سيما في مجالات العلوم الحديثة، مثل التكنولوجيا والحاسوب والإلكترونيات واللغات الأجنبية، إضافة إلى التربية المواطنية، وإنشاء مقررات ومساقات جامعية تهتم بالقضايا الفكرية والسياسية والقانونية التي يطرحها موضوع حقوق الإنسان.
ويجب أن يبدأ ذلك من مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، وصولًا إلى التعليم الجامعي والعالي، مع ربط مخرجات التعليم بسوق العمل وبمتطلبات التنمية الشاملة.
إن إصلاح النظام التعليمي جزء من عملية إصلاح شاملة تهدف إلى إطلاق المواهب وتحرير طاقات المواطن السوري، من خلال الاستعانة بالمناهج والوسائل الحديثة في مختلف مراحل العملية التعليمية، بما يعزز المحاكمة العقلية والحس النقدي والتساؤل المستمر.
ولا يمكن لمثل هذا الإصلاح أن يثمر إلا في مناخ يحترم الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان، وفي بيئة اقتصادية واجتماعية قادرة على احتضان الطاقات الخلاقة لدى شباب سوريا وشاباتها.
إن بلورة رؤى صحيحة، وتحسين السبل العملية المفضية إلى تنشئة عصرية، يتطلبان الانطلاق من التلازم العضوي بين الجوانب التربوية والاجتماعية والسياسية في المناهج الدراسية، بما يؤدي إلى اعتبار العملية التعليمية «تنشئة عمل» أكثر منها «تنشئة نظر».
ومن شأن إشاعة هذا النهج في التنشئة أن ترفع مستوى الوعي العام بأهمية الحوار باعتباره وسيلة للتوصل إلى الأحكام الرشيدة.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى التعليم، من حيث أهدافه ومناهجه ووسائله، باعتباره الأساس في تنمية رأس المال البشري. ولا شك في أن مستقبل سوريا سيكون أكثر إشراقًا وبعثًا على الأمل كلما ارتقى مستوى التعليم فيها. ويندرج هذا الجهد ضمن محاولة توسيع خيارات المواطن السوري، ولا سيما حقه في الحصول على المعرفة وضمان مستوى معيشي لائق.
إن معالجة هذه المشكلات تتطلب مقاربة شاملة لإصلاح العملية التعليمية، تبدأ بتطوير المناهج وتعزيز مهارات التفكير النقدي، ولا تنتهي عند تحسين أوضاع المعلمين وتأمين البيئة التعليمية المناسبة للطلاب.
السويداء.. من تعذر امتحانات 2025 إلى دورة استثنائية في 2026
في تموز/يوليو 2025، أدت أعمال العنف في السويداء ومحيطها إلى موجة جديدة من النزوح وتعطيل الخدمات.
وفي تحديث أصدرته «اليونيسف» في 14 آب/أغسطس من ذلك العام، قالت إن طلابًا في السويداء مُنعوا من تقديم امتحانات الشهادة الثانوية، وإن ما لا يقل عن 106 مدارس في السويداء ودرعا وريف دمشق كانت تُستخدم لإيواء النازحين.
وبحلول 25 آب/أغسطس، رفعت «اليونيسف» العدد إلى أكثر من 120 مدرسة مستخدمة كمراكز إيواء في السويداء ودرعا، محذرة من خطر استمرار انقطاع التعليم بسبب النزوح وتضرر البنية التحتية. كما أشارت إلى أنها كانت تعمل مع وزارة التربية على إجراء امتحانات الصف الثاني عشر في السويداء.
فمنذ عام 2011، تنوعت عوائق التعليم في سوريا بين تدمير المدارس واستخدامها لغير الأغراض التعليمية، والقصف والحصار والنزوح، وضياع سنوات دراسية كاملة، وصولًا إلى القيود المفروضة على الحركة وصعوبة الوصول إلى مراكز الامتحانات.
وإذا كانت خريطة الحرب قد تغيرت، فإن حصيلتها التعليمية ما تزال واضحة في ملايين الأطفال الموجودين خارج الصفوف، وآلاف المدارس غير العاملة، فضلًا عن طلاب ما يزال الوصول إلى مقعد دراسي أو ورقة امتحان بالنسبة إليهم حقًا لا يتحقق دائمًا بمجرد صدور قرار ببدء الدراسة.
في 14 أيلول/سبتمبر 2026، وعقب عودة مناطق الجزيرة والمناطق الكردية إلى سيطرة الحكومة السورية إثر اتفاق الدمج، شهدت المنطقة اضطرابًا في العملية التعليمية.
وعلى الرغم من دمج القطاعات الإدارية الخاصة بالتعليم، بقيت مشكلات أخرى، من بينها لغة التدريس، وسوء بنية المدارس، ومدى جاهزية الكادر التدريسي، وهي عوامل تعوق انطلاق العملية التعليمية بالشكل المطلوب.
وعلى غير المعتاد في مثل هذا الوقت من العام، بقيت الدفاتر والأقلام والحقائب المدرسية مكدسة في مكاتب ومحال بيع القرطاسية في المدن الكردية في سوريا، في حين شهدت محافظة الحسكة اضطرابًا في العملية التعليمية بعد أشهر من إعلان اتفاق الدمج بين مؤسسات «الإدارة الذاتية» ومؤسسات الدولة.
وشمل ذلك القطاع التربوي والتعليمي، الذي شهد تقدمًا سريعًا في تعيين مسؤولي مديرية التربية ودمج المعلمين ضمن القطاع الحكومي، إلى جانب صدور قرارات إدارية هدفت إلى تهيئة الجانب التنظيمي قبل بدء العام الدراسي الجديد.
ويبقى نجاح أي سياسة تعليمية جديدة في سوريا مرتبطًا بقدرتها على تجاوز إرث العقود الماضية وآثار الحرب، وعلى بناء منظومة حديثة تضع الإنسان في مركز العملية التعليمية، وتوفر المعرفة والمهارات بدل الاكتفاء بالتلقين، وتضمن تكافؤ الفرص بين السوريين على اختلاف مناطقهم وانتماءاتهم.
فالتعليم ليس قطاعًا خدميًا فحسب، بل هو أحد أهم شروط بناء الدولة الحديثة، وتحقيق التنمية، وترسيخ المواطنة، وإعداد الأجيال السورية للعيش والعمل والمشاركة في مجتمع المعرفة واقتصاده.
