ملخص
بينما يستمر الإنترنت في النمو بوتيرة متسارعة، يتناقص عدد قراء المطبوعات الورقية بصورة مطردة، ومن بين الفئات الأربع الرئيسة لوسائل الإعلام التي تشمل الطباعة والبث والإنترنت ووسائل الإعلام الخارجية، تعد الطباعة الأقل استخداماً حالياً، وينطبق هذا تحديداً على الصحف والمجلات والكتب.
“خلال الأعوام القليلة الماضية، انتابني شعور مزعج بأن أحدهم أو شيئاً ما يتلاعب بدماغي، يعيد رسم الدوائر العصبية ويعيد برمجة الذاكرة، فعقلي لا يختفي، على حد علمي، ولكنه يتغير. إذ لم أعد أفكر بالطريقة التي اعتدت عليها، وأشعر بذلك بقوة أكبر عندما أقرأ. فقد كان الانغماس في كتاب أو مقالة طويلة أمراً سهلاً في السابق، حين كان عقلي يندمج في السرد أو في تطورات الحجة، وأقضي ساعات أتجول بين سطور طويلة. ولكن نادراً ما يحدث ذلك الآن، إذ غالباً ما يبدأ تركيزي بالتشتت بعد صفحتين أو ثلاث، فأشعر بالضيق وأفقد التركيز وأبدأ بالبحث عن شيء آخر أفعله. لأصل إلى مكان أشعر فيه وكأنني دائماً ما أسحب عقلي الشارد للعودة إلى النص، فالقراءة المتعمقة التي كانت تأتي بصورة طبيعية أصبحت الآن صراعاً”.
هذا ما قاله الكاتب الأميركي نيكولاس كار عام 2008 في بداية مقالته الشهيرة “هل يجعلنا غوغل أغبياء؟” المنشورة في مجلة “ذا أتلانتيك”. وعن هذه المقالة يتحدث كار، “عندما كتبت المقالة، اعتبرتها مقالة شخصية مبنية على شعوري بأنني أفقد قدرتي على التركيز بسبب قضائي وقتاً طويلاً على الإنترنت، وكنت أعلم أنني أطرح تخمينات. وللأسف، أعتقد أن توقعاتي قد تحققت، فقد تغيرت التكنولوجيا منذ عام 2008 حين كان هاتف ’آيفون‘ قد صدر حديثاً ووسائل التواصل الاجتماعي كانت في بداياتها ومقتصرة على قلة من الأشخاص. أما أنواع التشتيت والمقاطعات التي وصفتها آنذاك فقد كانت تحدث عند الجلوس أمام الكمبيوتر المحمول أو المكتبي، أما الآن فهي تحدث باستمرار. لذا أعتقد أن ما يعوق تسلسل أفكارنا وقدرتنا على وضع المعلومات في سياقها وتفسير الأمور بعمق، أصبح أسوأ بكثير مما كان عليه قبل 17 عاماً”.
وفي دراسة نشرت أخيراً حول عادات البحث عبر الإنترنت، أجراها باحثون من جامعة كوليدج لندن، تشير إلى أننا قد نكون في خضم تحول جذري في طريقة قراءتنا وتفكيرنا. وكجزء من برنامج بحثي استمر خمسة أعوام، فحص الباحثون سجلات الحاسوب التي توثق سلوك زوار موقعين بحثيين شهيرين، أحدهما تديره المكتبة البريطانية والآخر يديره اتحاد تعليمي بريطاني، يتيحان الوصول إلى مقالات المجلات والكتب الإلكترونية ومصادر أخرى للمعلومات المكتوبة. ووجدوا أن الأشخاص الذين يستخدمون هذه المواقع أظهروا نوعاً من “التصفح السريع”، حيث ينتقلون من مصدر إلى آخر ونادراً ما يعودون إلى أي مصدر سبق لهم زيارته. وعادةً ما لا يقرؤون أكثر من صفحة أو صفحتين من مقالة أو كتاب قبل أن ينتقلوا إلى موقع آخر”.
ويشير مؤلفو الدراسة إلى أنه، “من الواضح أن المستخدمين لا يقرؤون عبر الإنترنت بالمعنى التقليدي، بل إن هناك دلائل على ظهور صور جديدة من القراءة، حيث يقوم المستخدمون بتصفح سريع أفقياً عبر العناوين وصفحات المحتويات والملخصات بحثاً عن نتائج سريعة، إذ يبدو الأمر كما لو أنهم يلجأون إلى الإنترنت لتجنب القراءة بالمعنى التقليدي”.
التكنولوجيا تشتت انتباهنا
وبينما يستمر الإنترنت في النمو بوتيرة متسارعة، يتناقص عدد قراء المطبوعات الورقية بصورة مطردة، ومن بين الفئات الأربع الرئيسة لوسائل الإعلام التي تشمل الطباعة والبث والإنترنت ووسائل الإعلام الخارجية، تعد الطباعة الأقل استخداماً حالياً، وينطبق هذا تحديداً على الصحف والمجلات والكتب. ففي كتابه “التقليلية الرقمية”، أجرى البروفيسور كال نيوبورت تجربة على 1600 متطوع، إذ انقطعوا عن استخدام التكنولوجيا لمدة شهر. أحد المشاركين، تايلر، قام بهذه التجربة وأغلق جميع حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي. ونتيجة لذلك، يؤكد هذا على حقيقة أنه إذا جرى إهدار وقت أقل على التكنولوجيا، يمكن تخصيص مزيد من الوقت لأنشطة ذات جودة أعلى، مثل القراءة.
وتختلف تجربة قراءة الكلمات على الكمبيوتر أو الهاتف الذكي أو جهاز كيندل عن تجربة قراءة الكلمات نفسها في كتاب، فقراءة الكتب تركز الانتباه وتعزل أي مشتتات، وهو عكس ذلك تماماً عند القراءة عبر الإنترنت، حيث تسعى التكنولوجيا إلى تشتيت انتباهنا. وعلى رغم أن المعلومات الهائلة تقرأ اليوم أكثر من أي وقت مضى، لا يجري ذلك بالطريقة التقليدية لاستخدام الكتب. فبدلاً من ذلك، نجبر على البقاء متصلين بالإنترنت، نقرأ جرعات قصيرة من المعلومات ونستمر في فقدان قدرتنا على التركيز والتفكير العميق. فعند القراءة عبر الإنترنت، قد يبدو أن المحتوى يستوعب بسرعة.
وعلى رغم ذلك، عادة ما يكون القراء منغمسين تماماً في التكنولوجيا التي يستخدمونها، لذا يتشتت انتباههم بسبب التدفق السريع للرسائل والمحفزات المتنافسة التي توفرها منصات التواصل الاجتماعي. لذلك يدرك أندرو سوليفان، وهو كاتب ومدون، أن إدمانه للتكنولوجيا قد أثر بصورة كبيرة في عاداته القرائية، إذ تأثرت قدرته على قراءة الكتب بشدة. فقد حاول سوليفان قراءة الكتب وفشل، ويقول إنه، “عندما أقرأ بعد صفحتين، ترتجف أصابعي بحثاً عن لوحة المفاتيح”، مما يؤكد الصعوبة التي يواجهها كثر بسبب اعتمادهم على التفاعل عبر الإنترنت.
نحن… كيف نقرأ؟
وتقول ماريان وولف، عالمة النفس التنموي في جامعة تافتس ومؤلفة كتاب بروست والحبار: قصة وعلم دماغ القراءة، “لسنا فقط ما نقرأ، بل نحن كيف نقرأ”. إذ تخشى وولف من أن أسلوب القراءة الذي يروج له الإنترنت، والذي يضع الكفاءة والسرعة فوق كل شيء، قد يُضعف قدرتنا على القراءة المتعمقة التي ظهرت عندما جعلت تقنية سابقة، وهي المطبعة، الأعمال النثرية الطويلة والمعقدة شائعة. وتضيف، “عندما نقرأ عبر الإنترنت، نميل إلى أن نصبح مجرد مفككين للمعلومات”. إن قدرتنا على تفسير النصوص، وعلى إقامة الروابط الذهنية الغنية التي تتشكل عندما نقرأ بعمق ودون تشتيت، لا تزال غير منخرطة إلى حد كبير.
ولا يقتصر الأمر على كيف نقرأ بل كذلك كيف نكتب وما هي أداة كتابتنا، ففي عام 1882 اشترى فريدريك نيتشه آلة كاتبة، حيث كان بصره يضعف وأصبح تركيز عينيه على الصفحة أمراً مرهقاً ومؤلماً. وبمجرد أن أتقن الكتابة باللمس، أصبح قادراً على الكتابة وعيناه مغمضتان، مستخدماً أطراف أصابعه فقط. فعادت الكلمات تتدفق من ذهنه إلى الصفحة. لكن كان للآلة تأثير أدق على أعماله. إذ لاحظ أحد أصدقائه، وهو ملحن، تغييراً في أسلوب كتابته. فقد أصبح نثره الموجز أصلاً أكثر إحكاماً واختصاراً. فكتب له هذا الصديق في رسالة، “ربما ستتبنى من خلال هذه الآلة أسلوباً جديداً”، مشيراً إلى أن “أفكاره في الموسيقى واللغة غالباً ما تعتمد على جودة القلم والورق”. فأجابه نيتشه، “أنت محق، فأدوات الكتابة لدينا تسهم في تشكيل أفكارنا”.
مرونة أدمغتنا
وبما أن الدماغ البشري مرن وقابل للتغيير، فقد كان يعتقد سابقاً أن شبكتنا العقلية، أي الروابط الكثيفة التي تتشكل بين نحو 100 مليار خلية عصبية داخل جمجمتنا، تكون ثابتة إلى حد كبير عند بلوغنا سن الرشد، لكن باحثي الدماغ اكتشفوا أن الأمر ليس كذلك. وعن هذا يقول جيمس أولدز، أستاذ علم الأعصاب ومدير معهد كراسنو للدراسات المتقدمة في جامعة جورج ماسون، “إن عقل البالغين شديد المرونة، فالخلايا العصبية تقطع الروابط القديمة باستمرار وتنشئ روابط جديدة”. ويضيف أولدز، “يمتلك الدماغ القدرة على إعادة برمجة نفسه باستمرار، مغيراً بذلك طريقة عمله”.
وبينما نستخدم ما سماه عالم الاجتماع دانيال بيل “التقنيات الفكرية”، أي الأدوات التي توسع قدراتنا العقلية لا الجسدية، فإننا نبدأ في اكتساب خصائص تلك التقنيات. وتتجلى عملية التكيف مع التقنيات الفكرية الجديدة في تغير الاستعارات التي نستخدمها لشرح أنفسنا لأنفسنا، فعندما ظهرت الساعة الميكانيكية بدأ الناس ينظرون إلى أدمغتهم على أنها تعمل كالساعة. أما اليوم في عصر البرمجيات، فقد أصبحنا ننظر إليها على أنها تعمل كالحواسيب. لكن علم الأعصاب يؤكد أن هذه التغيرات أعمق بكثير من مجرد استعارة، فبفضل مرونة أدمغتنا، يحدث التكيف أيضاً على المستوى البيولوجي.
افتراض كارثي
وأخيراً، فمنذ عصر التنوير، إن لم يكن قبل ذلك، تبنى البشر نظرة مثالية للتواصل، إذ كونوا اعتقاد أنه إذا كان التواصل بين الناس جيداً بصورة عامة، فإن مزيداً من التواصل سيكون أفضل، وسيؤدي ذلك إلى مزيد من التفاهم، وفي نهاية المطاف إلى مزيد من الانسجام الاجتماعي.
لكن نيكولاس كارد يجادل في كتابه، “سوبربلوم: كيف تمزقنا تقنيات الاتصال”، بأن هذا الافتراض خاطئ بصورة كارثية، فيقول، “عندما نسرع تبادل الرسائل والمعلومات إلى حد معين، فإننا في الواقع نرهق قدرة العقل على فهمها بعمق. ولمواكبة هذا التدفق، يضطر الناس إلى التضحية بالعمق العاطفي والفكري، فنصبح انفعاليين ومتسرعين، مما يؤدي في النهاية إلى سوء الفهم والعداء، وبصورة عامة إلى كراهية البشر”. ويتناول الكتاب تأثير الإنترنت في حياتنا الاجتماعية، وطريقة تواصلنا وكيفية بناء علاقاتنا وأسلوب تفاعلنا الاجتماعي عموماً، فهو يطرح فكرة وجود تعارض جوهري بين آلية عمل التكنولوجيا وطريقة عمل عقولنا، وهو تعارض، بحسبه، ليس متأكداً من إمكانية حله.
