ملخص
يخوض بوتين انتخابات تشريعية تبدو نتيجتها محسومة، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعدها، مع تعثر الحسم العسكري في أوكرانيا وتصاعد الضغوط الاقتصادية والحاجة المحتملة إلى تعبئة عسكرية ضخمة لمواصلة الحرب. وفي موازاة ضغوط الجبهة، تتزايد التحركات الروسية عند حدود أوروبا والهجمات والعمليات التي يصعب إثبات المسؤولية عنها، فيما قد يجعل صمود أوكرانيا خلال الشتاء المقبل عام 2027 نقطة اختبار حاسمة لبوتين وحكمه.
بدت على فلاديمير بوتين، الذي اعتاد الظهور بمزيج من التعالي الواثق والنظرات الجليدية، علامات توتر واضحة في الأيام التي سبقت الانتخابات التي تستمر ثلاثة أيام في أنحاء روسيا خلال عطلة نهاية الأسبوع.
أُجريت آخر انتخابات لمجلس الدوما عام 2021، أي قبل عام من الغزو الشامل لأوكرانيا. أما هذه المرة، فهي انتخابات تجرى في زمن الحرب، بعدما تخلى الكرملين إلى حد بعيد عن رواية أن ما يجري ليس سوى “عملية عسكرية خاصة”. وبات بوتين يوظف الخطاب الوطني، مقدماً الحرب باعتبارها حرباً كبرى للدفاع عن الوطن الأم، في استحضار واضح لـ”الحرب الوطنية العظمى” التي خاضها الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزف ستالين بين عامي 1941 و1945، وخسرت فيها روسيا نحو 25 مليون شخص.
ولم يعد المطلوب مجرد الفوز، بل تحقيق فوز كبير مدعوم بنسبة مرتفعة من أصوات الناخبين.
ويمتلك حزب “روسيا الموحدة” الذي يتزعمه بوتين حالياً 320 مقعداً من أصل 450 في مجلس الدوما. ويحتاج إلى 300 مقعد على الأقل لتغيير الدستور، فيما يتطلع بوتين إلى ولاية رئاسية إضافية غير مسبوقة عام 2030 أو 2031.
وكان الرئيس الروسي قد ألقى الأربعاء الماضي خطاباً متلفزاً على مستوى البلاد، بدا خلاله شاحب الوجه ومنتفخ الخدين بعض الشيء، ودعا الناخبين إلى اتخاذ “قرار مدروس ومسؤول”، قائلاً إن عليهم دعم زعيمهم وبلدهم في زمن الحرب.
وفي الوقت نفسه، حذر وزير الخارجية سيرغي لافروف من أن روسيا تواجه “هجوماً دعائياً من دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)”. وكرر أن شروط موسكو للسلام، المطروحة منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، لم تتغير: استسلام كامل للقوات الأوكرانية، واستبدال ما وصفه بـ”نظام زيلينسكي النازي”، وإعلان أوكرانيا حيادها وتخليها نهائياً عن السعي إلى عضوية الـ”ناتو”.
إنها مقامرة شديدة المخاطر بالنسبة إلى بوتين، إذ بات عليه أن يسعى إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا بحلول هذا الوقت من العام المقبل على أبعد تقدير. فاستمرار القتال حتى شتاء 2027-2028 قد يؤدي إلى إنهاك الآلة العسكرية الروسية والاقتصاد الروسي، بل وتقويض حكم بوتين نفسه. وفي الشهر الماضي، اضطر إلى إقالة أندريه كليباتش، أحد أبرز مستشاريه الاقتصاديين السابقين في بنك التنمية “في إي بي”، بسبب تقرير أعده حذر فيه من أن روسيا لا تستطيع تحمل حرب استنزاف طويلة مع أوكرانيا، وتوقع احتمال اندلاع أزمة اقتصادية كبرى.
وقبيل الانتخابات الروسية، تصاعدت في أنحاء أوروبا عمليات استفزازية تندرج ضمن ما يعرف بـ”الحرب غير المتكافئة”، وتفاوتت بين تحركات علنية وأخرى يصعب إثبات المسؤولية عنها، بالتزامن مع تكثيف الدعاية في وسائل الإعلام الحكومية الروسية وعلى ألسنة أصوات غربية مؤيدة لموسكو.
وكان من أبرز هذه الحوادث استهداف مسيرة روسية عقدة للسكك الحديد قرب الحدود البولندية، بعد نحو ساعة من مرور شخصيات بارزة كانت في طريقها إلى أوكرانيا، من بينها رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون ومستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول. ولم تقتصر هذه التحركات على بولندا، إذ أسقطت مقاتلة إيطالية، بمساندة من سلاح الجو الليتواني، مسيرة اخترقت أجواء ليتوانيا، بينما اقتربت مسيرات روسية أيضاً من حدود مولدوفا ورومانيا.
وامتدت هذه الاستفزازات إلى بحر البلطيق، حيث أطلقت سفينة حربية روسية، في وقت سابق من هذا الأسبوع، مشاعل ضوئية باتجاه مروحية استطلاع دانماركية كانت تراقب حركة الملاحة في المياه الدولية غرب البحر.
لكن ما يثير قلقاً أكبر هو المؤشرات إلى عمليات يصعب إثبات الجهة المسؤولة عنها بصورة قاطعة. فقد رُصدت خلال الأشهر الماضية غواصات ومركبات غاطسة غير مأهولة قرب مواقع استراتيجية تمر بها كابلات اتصالات وخطوط أنابيب للغاز والنفط في قاع البحر، في وقت تعتمد فيه المملكة المتحدة على شبكة رئيسة واحدة من خطوط الأنابيب القادمة من النرويج لتأمين 14 في المئة من وارداتها من الغاز.
ويزداد هذا القلق مع تكرار الأعطال التي تصيب منشآت البنية التحتية، من السكك الحديد إلى مراكز توزيع الكهرباء والمحطات الفرعية والمحولات. ففي هولندا، تعطلت الأربعاء خمسة خطوط رئيسة للسكك الحديد في أنحاء البلاد بعدما عرقلت مخلفات حركة القطارات على المسارات. ويبدو أن ما حدث كان منسقاً بصورة متعمدة، إذ سُجل نحو 30 حادثاً، من بينها التشويش على أنظمة الإشارات وأجهزة التحكم في معابر السكك الحديد. ومع ذلك، امتنعت الحكومة الهولندية، وهي من أبرز داعمي أوكرانيا، عن توجيه الاتهام إلى أي جهة حتى الآن.
وخلال الصيف، شهدت المملكة المتحدة سلسلة من حوادث السكك الحديد وأعطال البنية التحتية. وكان العطل الذي أصاب برمجيات مراقبة الحركة الجوية في مطار غاتويك جنوب لندن قد نُسب في البداية إلى خطأ ارتكبه “سلاح الجو الملكي” أثناء إدخال خطط رحلات طائراته، لكن ثبت لاحقاً بصورة قاطعة أن هذا التفسير غير صحيح.
وقد دفعت هذه التطورات حكومة بيرنهام إلى إدراك أوجه الضعف في منظومة الدفاع عن الأراضي البريطانية، التي عانت نقصاً مزمناً في التمويل من وزارة الخزانة منذ نهاية “الحرب الباردة”، وأهملها الجيش أيضاً. ومن المقرر تحديث “دليل الحرب”، وهو الدليل الحكومي الذي يوضح للسكان ما ينبغي فعله إذا تعرضت البلاد لهجوم، بحلول نهاية العام.
ولطالما اعتبرت وزارة الخزانة مثل هذا الدليل غير ضروري، على أساس أن احتمال تعرض بريطانيا لغزو ضئيل. لكن ربما لم يعد هذا الافتراض كافياً. فروسيا وحلفاؤها، مثل إيران وكوريا الشمالية، قد لا يقدمون على غزو البلاد واحتلالها، لكنهم يشنون هجمات بالفعل، كما تظهر حالات عديدة من الهجمات السيبرانية، بينها تلك التي استهدفت “خدمة الصحة الوطنية” وشركة “جاغوار لاند روفر”.
ويملك بوتين الآن دافعاً واضحاً لرفع سقف التصعيد، ويمكن رؤية السبب بجلاء في شرق أوكرانيا. فالمشكلة بالنسبة إليه ليست أن روسيا تخسر الحرب، بل إنها لا تحقق تقدماً كافياً لحسمها. وفي هذا السياق، أعلنت القيادة الأوكرانية نجاح المرحلة الأولى من “عملية فيفالدي”، بعدما أجبرت الألوية الروسية التي كانت تحاول السيطرة على مدينة ليمان المحصنة على التراجع، فيما بدأت بالفعل المرحلة الثانية من العملية. ويعني ذلك أن الهجوم الروسي خلال الصيف، والذي استهدف السيطرة على المدن الأربع التي تشكل حزاماً دفاعياً في شمال دونيتسك، أخفق بصورة كبيرة. ويمثل ذلك انتصاراً تكتيكياً مهماً لكييف، وإن لم يرقَ إلى مستوى الانتصار الاستراتيجي. كما تكبدت روسيا خلال هذا الهجوم ما لا يقل عن 150 ألف قتيل وجريح في الأشهر الأربعة الماضية.
لكن أوكرانيا تعاني بشدة من تصاعد وتيرة الهجمات على الحياة المدنية ومحطات الوقود والمنازل والطرق وقطارات الركاب. وتشكل المسيرات الروسية الأحدث من طرازي “جيران 4” و”جيران 5″، المزودة بمحركات نفاثة، إلى جانب القنابل الانزلاقية التي تطلقها الطائرات وهي لا تزال فوق الأراضي الروسية، تهديداً خاصاً. وتحتاج أوكرانيا إلى مزيد من أنظمة الدفاع الجوي، وإلى مزيد من الأفراد.
ومن هنا، يتمثل هدف أوكرانيا بقيادة زيلينسكي في اجتياز فصل الشتاء، وينبغي أن يكون ذلك أيضاً الهدف الرئيس لداعميها وحلفائها. فإذا تمكنت من الصمود حتى فبراير (شباط) المقبل، فقد يجد فلاديمير بوتين نفسه أمام أسوأ مأزق في حياته السياسية.
ويتحدث قادته العسكريون، الذين لا يزالون يزعمون أنهم يتقدمون على جميع الجبهات، عن الحاجة إلى تعبئة 800 ألف جندي روسي إضافي بحلول الربيع. ويعتقدون أن التفوق العددي الساحق قد يتيح لهم حسم الحرب في الصيف.
لكن هذه استراتيجية أقرب إلى الخيال. فروسيا لا تملك العدد الكافي من الكوادر العسكرية المؤهلة لقيادة قوة جديدة بهذا الحجم وتدريبها، ومن أولى الدلائل على ذلك اعتمادها على جنود ومدنيين من كوريا الشمالية. كما أن إنشاء جيش بهذا الحجم سيتطلب فرض الأحكام العرفية بصورة كاملة، واعتماد سياسات مالية بالغة القسوة، قد تشمل حتى الاستيلاء على أموال من حسابات مصرفية خاصة.
وإذا أخفقت أحدث خطة لبوتين للبقاء في السلطة، بما فيها المنافسة الاستعراضية على مقاعد مجلس الدوما، والدعاية، وتكتيكات “المنطقة الرمادية” ضد “حلف شمال الأطلسي”، فقد يجد نفسه أمام مشكلات حقيقية بحلول عام 2027. وكلما ازداد سلوكه تقلباً، أصبح أكثر خطراً على الجميع، وفي مقدمهم أوكرانيا وحلفاؤها الأوروبيون.
© The Independent
