
أدت جهود إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية المحمومة قبل انتخابات نوفمبر المقبل إلى إعادة تشكيل الدوائر الانتخابية للكونغرس لملايين الأميركيين (أ ف ب)
ملخص
5 آلاف دولار… لأنه ما من رئيس أميركي سابق طرح مثل هذه الفكرة، تبدو هناك في الأفق أسئلة عدة تدور حول الأمر وهي هل ذلك قابل للتنفيذ بالفعل أم لا؟ وإذا كان ذلك كذلك، فهل ستتحمل الخزانة العامة تلك الكلفة؟ ثم والأهم ما مشروعية الفكرة، وما إذا كانت تعد نوعاً من الرشوة المقنعة أم لا؟
هل تبدو انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، انتخابات تقليدية كما جرى العرف الديمقراطي في الداخل الأميركي كل عامين، أم أنها هذه المرة تبدو بطعم مغاير لأسباب مختلفة؟
الحقيقة أن قصة انتخابات التجديد النصفي لها سياق تاريخي تجري فيه، ومسارات تكاد تكون معروفة مقدماً، كالقول على سبيل المثال إن حزب الرئيس يخسر غالباً انتخابات مجلس النواب، كما حدث في 20 من أصل 22 انتخاباً نصفياً سابقاً منذ عام 1983.
يؤثر رضا الجمهور عن أداء الرئيس بصورة كبيرة على نتائج انتخابات مجلس النواب في منتصف الولاية، وهو ما يفيد أو يضر حزبه بصورة مؤكدة.
أما الأمر بالنسبة إلى انتخابات مجلس الشيوخ فالأمر يختلف، ذلك أنه بينما يواجه كل عضو في مجلس النواب الناخبين كل عامين، فإن ثلث أعضاء مجلس الشيوخ فقط هم من يواجهونهم، وليس هناك ما يضمن أن يمثل هؤلاء الأعضاء مجتمعين التوازن الفعلي بين الحزبين.
يدخل الحزب الديمقراطي هذه المعركة الانتخابية، في مواجهة الحزب الجمهوري، متسلحاً بما يرونه إخفاقات للرئيس الأميركي ترمب، لا سيما “المستنقع الإيراني”، والذي لا تبدو أن هناك آفاقاً للخروج منه في الوقت الراهن.
أما الجمهوريون فلديهم كثير من الإشكاليات الهيكلية، ذلك أنهم لم يعودوا على قلب رجل واحد، كما كانت الحال غداة فوز الرئيس ترمب قبل نحو عامين.
تشتعل معركة انتخابات التجديد النصفي هذه المرة، وفي الخلفية أزمات تبدأ من عند قضية إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، والتصويت عبر البريد، والأموال الانتخابية، وبعض من هذه الأزمات تطلب تدخل المحكمة العليا، مما يطرح علامة استفهام، وربما علامات، حول مآلات الديمقراطية في الداخل الأميركي، وهل ستضحى هذه الانتخابات عينها، نقطة فراق تاريخية في مسيرة الأميركيين أنفسهم أم لا؟
وفي كل الأحوال، فإنه يمكن القول إن تداعيات هذه الانتخابات ستكون مهمة للغاية، ذلك أنها ستحدد أوضاع العامين المقبلين لولاية الرئيس ترمب.
هنا تبدو فرضيات نتائج الانتخابات أكثر إثارة للجدل، فعلى سبيل المثال إذا فاز الديمقراطيون بغالبية مجلس النواب، واحتفظ الجمهوريون بغالبية مجلس الشيوخ، يمكن أن تمضي الأمور بصورة أو بأخرى في ظل محاولات النواب عرقلة مشاريع ترمب.
وفي حال فوز الجمهوريين بمجلسي النواب والشيوخ، لن يكون هناك أمام ترمب أي عائق في عاميه المقبلين، بل ربما سيزخمه الفوز، ويدفع به لاختيار مرشح جمهوري من الآن.
لكن على رغم ذلك يبقى هناك احتمال آخر ولو كان بعيداً نسبياً، وهو فوز الديمقراطيين بغالبية مجلسي النواب والشيوخ دفعة واحدة، وهنا قد تشهد أميركا حدثاً فريداً لم تعرفه من قبل، أي محاولة عزل الرئيس والنجاح فيه.
وفي كل الأحوال وعما سيحدث في نوفمبر المقبل، فإن الموعد سيكون إيذاناً بانطلاق سباق انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2028 قولاً وفعلاً… من أين لنا بداية توصيف المشهد؟
الأموال الانتخابية… ديمقراطية على الأرصفة
لم يمل الأميركيون من الحديث عن العلاقة بين ديمقراطية العمليات الانتخابية، وبين قضية التمويلات والتبرعات، تلك التي دعت بعضاً إلى إطلاق تعبير “ديمقراطيات تباع على الأرصفة”، بمعنى أن من يقوم بالتمويل هو الذي يفرض شروطه، وبلهجة أخرى “من يدفع للجوقة هو من يحدد اللحن”.
تتمتع اليوم الأحزاب السياسية بنفوذ وموارد مالية جديدة في انتخابات التجديد النصفي بفضل المحكمة العليا الأميركية، والتي أصدرت أخيراً قراراً يسهل على الأحزاب السياسية وضع بصمتها على أهم الحملات الانتخابية.
وببساطة فإن الحكم “يمنح الأطراف مزيداً من الأموال للإنفاق”، وفق ما يقول كبير المستشارين في مركز الحملات القانونية غير الحزبي ديفيد كولكر.
في قرار صدر خلال الـ30 من يونيو (حزيران) الماضي بغالبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، ألغت المحكمة القيود المفروضة على حجم الإنفاق الذي يمكن للأحزاب السياسية إنفاقه بالتنسيق مع مرشحين محددين.
هل سيحدث ذلك فرقاً، لا سيما في مجلس الشيوخ الذي مُوِّلت فيه عملية إعادة الانتخاب بمبالغ طائلة داخل ولايات مثل أوهايو وماين وتكساس وأيوا وغيرها؟
ربما لا يتعلق الأمر بالمبالغ المالية الهائلة في حد ذاتها، بل بكيفية تعزيز دور الأحزاب السياسية وطريقة استخدامها لتلك الأموال لدعم الحملات الانتخابية. وهو المؤكد.
لقد دأبت المحكمة العليا على إزالة الحواجز التي تهدف إلى الحد من نفوذ الأموال الطائلة في السياسة بصورة منهجية.
في عام 2010، ألغى قرار “المواطنون المتحدون” القيود المفروضة منذ عقود على الإنفاق المستقل للشركات، مما يسمح بإنفاق مبالغ غير محدودة من أرباحها لدعم المرشحين الذين تختارهم.
وخلص تحليل أجراه مدير قسم الانتخابات والحكومة في مركز برينان للعدالة دانيال واينر، إلى أن تمويل تلك اللجان “يأتي إلى حد كبير من مجموعة صغيرة من أغنى المانحين”.
هل يعني ذلك أن الأوليغارشية الأميركية باتت تختطف الديمقراطية؟
خذ إليك ما فعله إيلون ماسك، والذي أنفق ملايين الدولارات خلال عام 2024 لدعم المرشح الجمهوري دونالد ترمب.
في أواخر يونيو الماضي، قدم ماسك 5 ملايين دولار لكل من لجنة العمل السياسي المرتبطة بقيادة الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ، إضافة إلى 5 ملايين دولار للجنة العمل السياسي التابعة لترمب MAGA، وفقاً للملفات المقدمة إلى لجنة الانتخابات الفيدرالية.
لا يبدو أن ماسك وحده من يقدم هذه الملايين، فهناك بقية من أثرياء التكنولوجيا المحدثين يفعلون ذلك جهراً لا سراً، مما يجعل التساؤل مستمراً، أي انتخابات تلك التي تشتريها الأموال؟
الاقتراع البريدي ومعركة مقبلة
في وقت متأخر من نهار الإثنين الـ14 من سبتمبر (أيلول) الجاري، رفعت المحكمة العليا الأميركية كثيراً من حال عدم اليقين، وذلك عندما رفضت مسعى الرئيس دونالد ترمب لجعل خدمة البريد الأميركية تلعب دوراً محورياً في تحديد من سيتمكن من تسلم بطاقات الاقتراع عبر البريد.
يعد هذا القرار انتصاراً للوضع الراهن، فبإمكان آلاف من مكاتب الانتخابات في جميع أنحاء البلاد إرسال بطاقات الاقتراع عبر البريد كما كان مخططاً لها، من دون القلق في شأن الامتثال لقواعد خدمة البريد الجديدة التي فرضت في اللحظات الأخيرة
“الآن يمكننا أخيراً المضي قدماً والعودة إلى ما نفعله على أفضل وجه، إجراء انتخاباتنا من دون أن تخيم علينا سحابة داكنة، بنزاهة وشفافية من أجل الشعب، وبواسطة الشعب”، هذا ما قالته وزيرة خارجية كاليفورنيا شيرلي ويبر، وهي ديمقراطية تشرف على التصويت في ولاية يتلقى فيها جميع الناخبين بطاقة اقتراع عبر البريد، في بيان بعد قرار المحكمة الأميركية العليا.
هل جاء قرار المحكمة العليا ليزيد من حال القلق والاضطراب في الداخل الأميركي؟
الشاهد أن القضية التي كانت معروضة على المحكمة نابعة من أمر تنفيذي وقعه ترمب في مارس (آذار) الماضي، وأدى إلى حال من الارتباك.
وضعت الإدارة الأميركية الحالية خطة تلزم الولايات المتحدة بتبني موحد لأطراف الاقتراع البريدية، وتقديم قوائم الناخبين المؤهلين إلى بوابة إلكترونية قيد التطوير، ويحق لهيئة البريد رفض تسلم بطاقات الاقتراع إلى الولايات التي لا تلتزم بهذه الحملة.
لكن تقريراً صادراً عن أحد المبلغين عن المخالفات، يفيد بأن متطلبات النظام البريدي قد تؤدي إلى عدم إرسال ملايين بطاقات الاقتراع عبر البريد، مما يحرم عدداً من ناخبي البلاد من حقهم في التصويت خلال انتخابات ستحدد السيطرة على الكونغرس خلال العامين الأخيرين من ولاية ترمب.
وعلى رغم قرار المحكمة الأميركية العليا، فإن سلسلة من الطعون القانونية والأحكام الشريعة أدت إلى حال من عدم اليقين لدى مسؤولي الانتخابات في شأن القواعد التي ستطبق في نهاية المطاف، لكنهم اتفقوا على أمر واحد يتمثل في أن إدخال مثل هذه التغيرات الجذرية قبل الانتخابات بفترة وجيزة سيؤدي إلى فوضى عارمة، ويكاد يكون من المستحيل تنفيذه داخل بلد يستخدم فيه ثلث الناخبين التصويت عبر البريد.
والمعروف أن الرئيس ترمب لم يتقبل الحقيقة المترتبة على حكم المحكمة العليا، بل سعى جاهداً للحد من التصويت عبر البريد بحجة أنه يقوض نزاهة الانتخابات، على رغم أنه هو نفسه كان أدلى بصوته عبر البريد. وقد لجأ إلى منصة “تروث سوشال” بعد صدور قرار المحكمة، مطالباً الكونغرس بإقرار قانون “إنقاذ أميركا”، الذي يتجاوز بكثير مجرد اشتراط تسلم بطاقات الاقتراع بحلول يوم الانتخابات، ويفرض قيوداً صارمة على مواعيد التصويت عبر البريد، ومع ذلك يبقى احتمال إقرار الكونغرس لهذا القانون معدوماً.
غير أنه إضافة إلى ذلك، قد يأتي التهديد الأكبر للتصويت عبر البريد من خدمة البريد الأميركية. فقد اقترحت الشهر الماضي قاعدة تسمح لها برفض توزيع بطاقات الاقتراع البريدية في الولايات التي ترفض منح الحكومة الفيدرالية حق الوصول إلى سجلات الناخبين لديها.
هل تفتح قضية التصويت عبر البريد وحدها أبواباً من الطعون على نتائج الانتخابات المقبلة والتشكيك في صدقيتها وحسمها، أم أن هناك ملفات أخرى قد تحدث انشقاقاً وتفرقة؟
هل من يتلاعب بالدوائر الانتخابية؟
قد يساعد حكم المحكمة العليا الذي صدر في مايو (أيار) الماضي في قضية لويزيانا ضد كاليس، الجمهوريين على تحدي التوقعات والاحتفاظ بالسيطرة على مجلس النواب الأميركي.
من بين التقاليد الثابتة في الانتخابات الأميركية، كما أسلفنا، أن حزب الرئيس يخسر مقاعد في مجلس النواب خلال انتخابات التجديد النصفي. لكن حكم المحكمة العليا بغالبية 6-3 في قضية لوزيانا الأخير، ربما يحتم علينا إعادة التفكير في الأمر.
تضمن قرار المحكمة طعناً في خريطة الدوائر الانتخابية لولاية لويزيانا. ويحظر قانون حقوق التصويت، الذي أقره الكونغرس في الأصل عام 1965 وعدل لاحقاً، على الولايات رسم الدوائر الانتخابية بطرق تضعف قوة التصويت للناخبين غير البيض، وامتثالاً للفهم التقليدي للمادة الثانية من القانون، رسمت لويزانا دوائرها الانتخابية لإنشاء ما يسمى الدوائر ذات الغالبية من الأقليات.
جاء قرار المحكمة في خضم موجة حديثة من إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في منتصف العقد، وهي ممارسة قانونية بموجب القانون الفيدرالي، وإن كانت نادرة الحدوث في الولايات المتحدة منذ أكثر من قرن. وسعى الرئيس ترمب إلى تعزيز فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بمجلس النواب من خلال الضغط على الولايات ذات الغالبية الجمهورية لإعادة رسم خرائط دوائرها الانتخابية، ورد الديمقراطيون في كاليفورنيا وفرجينيا وغيرهما بالمثل.
أدت جهود إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية المحمومة قبل انتخابات نوفمبر المقبل إلى إعادة تشكيل الدوائر الانتخابية للكونغرس لملايين الأميركيين.
منذ أن حث الرئيس ترمب الجمهوريين في تكساس على إعادة رسم حدود الدوائر الانتخابية لمجلس النواب الأميركي العام الماضي، أقر الجمهوريون في ميزوري ونورث كارولاينا وأوهايو وفلوريدا وتينيسي خرائط جديدة قد تساعد الحزب على الفوز بمقاعد إضافية في انتخابات التجديد النصفي. حتى الآن يعتقد الجمهوريون أنهم قد يحصلون على ما يصل إلى 14 مقعداً من جهودهم لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، بينما يعتقد الديمقراطيون أنهم قد يحصلون على ستة مقاعد من الدوائر الجديدة في كاليفورنيا ويوتا.
يأمل ترمب في أن تساعد عملية إعادة تقسيم الدوائر غير المعتادة في منتصف العقد الجمهوريين على الاحتفاظ بالسيطرة على مجلس النواب المنقسم بشدة، على رغم انخفاض معدلات التأييد والميول التاريخية لحزب شاغل المنصب لخسارة مقاعده في انتخابات التجديد النصفي.
ولعله من نافلة القول الإشارة إلى أن إشكالية رسم حدود جديدة للدوائر الانتخابية لمجلس النواب الأميركي، أعمق بكثير من مجرد مسألة تقنية لتوزيع الناخبين. إنها في جوهرها معركة على من يرسم الخريطة، ومن ثم على صورة التمثيل السياسي نفسه.
في هذا السياق، هناك جزئية مهمة يجب التوقف عندها، وهي “البعد الدستوري” أو ما يعرف بمبدأ “الصوت المتساوي”.
والقصة باختصار أن كل 10 أعوام، يجرى التعداد السكاني، ثم توزع مقاعد مجلس النواب الـ436 بين الولايات، وفق عدد السكان. وبعد ذلك، تعيد الولايات رسم حدود دوائرها بحيث تكون الدوائر متقاربة جداً في عدد السكان تطبيقاً لمبدأ “صوت واحد لكل شخص”.
تبدو علامة الاستفهام المتقدمة هذه، من بين عدد من الإشكاليات التي تواجه وتجابه انتخابات نوفمبر المقبل، عشية واحدة من أهم انتخابات الكونغرس للتجديد النصفي في العقدين الأخيرين، مع كثير من القضايا السياسية التي لا تزال مشتعلة في ضوء مغامرات السياسة الخارجية الأميركية وقرارات الرئيس ترمب… ماذا عن ذلك؟
الحرب الإيرانية والحظوظ الجمهورية
من بين أهم الطروحات التي يمكن أن تسهم في تشكيل الرأي العام الأميركي، وتوجيه دفة الناخبين، مشهد الصراع الأميركي – الإيراني، والذي تسبب في خسائر عامة للاقتصاد الأميركي، وبخاصة لكل مواطن.
منتصف سبتمبر الماضي، أفاد تقريران رسميان أميركيان جديدان بأن أكثر من ستة أشهر من الصراع قد أحرقت مليارات الدولارات وأدت إلى استنزاف مخزونات الصواريخ الأميركية بصورة كبيرة.
التقرير الأول صدر عن مكتب الموازنة في الكونغرس CBO، وجاء فيه أن الحرب مع إيران كلفت وزارة الحرب الأميركية 38 مليار دولار.
مكتب الموازنة في الكونغرس أكد أن الحرب كانت كارثة على الاقتصاد الأميركي وجاهزية الجيش. وتشير تقديرات المكتب إلى أن معدل التضخم من المتوقع أن يرتفع بمقدار نصف نقطة مئوية كاملة في عام 2027، عما كان عليه قبل بدء الحرب، ويعود ذلك بصورة شبه كاملة إلى ارتفاع كلف الطاقة العالمية نتيجة الحرب.
وجاء في تقرير مكتب الموازنة “نظراً إلى أن سعر كل منتج تقريباً يعكس كلف الشحن، فإن ارتفاع أسعار النفط، وهو عنصر أساس في نقل البضائع، يؤثر بصورة غير مباشرة في أسعار معظم السلع والخدمات”.
أما بالنسبة إلى الاستعداد العسكري، فالوضع لا يقل سوءاً. فبحسب تحليل مكتب الموازنة في الكونغرس، استخدمت الولايات المتحدة ما بين نصف وثلثي مخزونها من صواريخ الاعتراض خلال الحرب مع إيران، مما يمثل خسارة فادحة في الفرص المتاحة.
ويشير التقرير إلى أن “هذا النقص سيصبح إشكالياً للغاية في حال نشوب صراع مع خصم يمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، علماً أن الصين تمتلك هذين النوعين من الصواريخ”.
أما التقرير الثاني فقد كشف عنه المفتش العام لوزارة الحرب الأميركية، وفيه تفاصيل إضافية حول كلف الحرب على مستوى الجاهزية العسكرية. ويعد هذا التقرير أول تأكيد علني من داخل البنتاغون على أن الحرب قد تسببت بنقص حاد في بعض الأسلحة. ووفقاً للتقرير، فقد “أدت الحرب مع إيران إلى نقص في المخزون الاستراتيجي، وكشفت عن اختناقات في القاعدة الصناعية لإعادة تزويد الذخائر”.
وهنا يمكننا التساؤل “هل ستكون الحرب مع إيران مدخلاً لفوز مؤازر للديمقراطيين وهزيمة ساحقة للجمهوريين؟”.
المعروف أن رجل الشارع الأميركي، لا يهمه إلا مستوى أسعار السلع والخدمات، وفي مقدمها أسعار الطاقة، داخل هذا البلد الذي يقوم على المحركات.
ومن هنا أصبحت تداعيات الحرب الإيرانية عاملاً مؤثراً وبقوة في مسار أحداث انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار، أنه لا تزال الحرب تكبد الاقتصاد الأميركي خسائر فادحة، إذ أدى الارتفاع الحاد في التضخم الذي رصده مكتب الموازنة في الكونغرس، إلى ارتفاع أسعار البنزين بأكثر من 40 في المئة منذ بدء الحرب.
باختصار، سواء كنت جندياً أو مواطناً أميركياً عادياً تحاول فقط دفع ثمن البنزين والبقالة، فإن الحرب كانت مكلفة للغاية عليك وعلى أسرتك، كذلك أن هذه الكلف ستستمر طالما طال أمد الحرب. هنا التساؤل “هل ستشهد الانتخابات حالاً انتقامية من الجمهوريين؟ أم أن هناك من سيسعى إلى أن يقدم لك رشوة في صورة هدية مالية، كي يدفك بعيداً من تكبيده الثمن؟
5 آلاف دولار، هل تعد رشوة؟
على غير العادة، وانطلاقاً من كونه رئيساً غير متوقع، وعد الرئيس الأميركي ترمب المواطنين بمبلغ نقدي قدره 5 آلاف دولار لكل مواطن أميركي في حال فاز الحزب الجمهوري بالغالبية في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، أي بغالبية النواب والشيوخ.
ولأنه ما من رئيس أميركي سابق طرح مثل هذه الفكرة، لذا تبدو هناك في الأفق أسئلة عدة تدور حول الأمر، وهي هل ذلك قابل للتنفيذ بالفعل أم لا؟ وإذا كان ذلك كذلك، فهل ستتحمل الخزانة العامة تلك الكلفة؟ ثم والأهم ما مشروعية الفكرة، وما إذا كانت تعد نوعاً من الرشوة المقنعة أم لا؟
الثابت أنه بموجب القانون الفيدرالي الأميركي، فإنه من غير القانوني تقديم مدفوعات تهدف إلى التأثير في طريقة تصويت الشخص.
لكن وعلى رغم ذلك، فإن بعض الخبراء يرون أن العرض الذي قدمه ترمب في تكساس، يمكن عده تعهداً بخفض الضرائب، وهو أمر قانوني.
تقول جوان ماهوني المحاضرة في القانون بجامعة ساوثهامبتون، لهيئة الإذاعة البريطانية، إنها تعتقد أن العرض سيكون قانونياً، على رغم أنها قالت إن السياسيين “لا يفعلون ذلك عادة بهذه الصراحة”.
لكنها تضيف “من ناحية أخرى، هذا الطرح سيشمل الجميع بغض النظر عن كيفية تصويتهم، لذا فهو ليس رشوة بهذا المعنى”.
المثير وربما الخطر، أن وعد ترمب يأتي وسط قلق بالغ في شأن الدين الوطني الأميركي، الذي يتجاوز 40 تريليون دولار، وحال الوفاء بالوعد نقداً وعداً، فإن ذلك يراكم نحو تريليون دولار آخر على الديون.
الأسئلة من الأميركيين حول قصة الـ5 آلاف دولار لا تتوقف، فعلى سبيل المثال، وفي حديثه لموقع “بوليتيكو”، بدا عضو مجلس النواب الأميركي الجمهوري عن ولاية تكساس تشيب روي متشككاً، وقال “حسناً أود أن أعرف كيف سيخططون لدفع مبلغ يتجاوز التريليون دولار؟”.
في اللحظات التي أعقبت إعلان ترمب، كتب مارك غولدواين، من لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة، على منصة “إكس”، إن “هذا سيكلف نحو 1.2 تريليون دولار في عام واحد فحسب. وهذا أكثر من كلفة جميع جولات شيكات الإغاثة من جائحة كوفيد-19 الثلاث مجتمعة، على رغم عدم حدوث أي ركود اقتصادي وستكون النتيجة ارتفاعاً هائلاً في العجز، ومن شبه المؤكد ارتفاعاً في معدل التضخم”.
هنا لا بد أن نشير إلى أمر مهم للغاية، وهو أن مثل هذا الوعد قد يكون في حد ذاته وبالاً على الديمقراطية الأميركية، ذلك أنه إذا نجحت الفكرة، فإن ذلك يعني أن لكل سياسي درساً مستقبلياً مفاده “إذا أردت الفوز في الانتخابات، فوعد بتريليون دولار كفيل بأن يأخذك إلى حيث تشاء”.
لكن الحقيقة أنه وعد قابل لصناعة قيادات شمولية ديكتاتورية من ناحية، ووصفة سهلة ما أيسرها للإفلاس من جهة ثانية.
هل انتهت خزانة أفكار وأموال ترمب، أم أن الرجل سيحاول إضفاء هالة دولارية على محياه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس؟
ترمب و400 مليون دولار لاستفتائه
في الأول من أغسطس (آب) الماضي، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”، نقلاً عن مصادر مطلعة، عن أن الرئيس الأميركي ترمب يسعى حالياً إلى تعزيز صورته التاريخية مع تراجع شعبيته، وفي وقت يخشى جمهوريون من أن يؤدي تركيز ترمب المتزايد على نفسه إلى الإضرار بفرص الحزب في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
ووصف مسؤول كبير في الإدارة الأميركية ترمب بأنه “مهووس بكيفية تذكر الأجيال القادمة له، ويسعى إلى ترك إرث يصعب على خلفائه تغييره”، بحسب “وول ستريت جورنال”.
وتقول الصحيفة الأميركي الشهيرة، إن لجنة العمل السياسي التابعة لترمب جمعت أكثر من 400 مليون دولار، لكنها لم تبدأ في إنفاقها بصورة واسعة على انتخابات التجديد النصفي، مما أثار استياء بعض الجمهوريين.
في الوقت ذاته، تشير مصادر في الحزب الجمهوري إلى أن ترمب يعتزم لعب دور محوري في هذه الانتخابات، على رغم تراجع شعبيته، إذ يبحث فريقه إنتاج إعلانات تلفزيونية تركز على أجندته السياسية، وبلغ الأمر حد أنه طلب من أنصاره التعامل مع انتخابات نوفمبر المقبل وكأنه “مرشح في الانتخابات”، في محاولة لحشد قاعدته الجمهورية.
وهنا يتساءل المراقب “هل سيفيد مثل هذا النهج المالي الانتخابي ترمب في تعزيز وضعية الحزب الجمهوري، أم يمكن أن يتسبب في ضرر بالغ بحظوظ مرشحيه؟
بعض أعضاء الحزب في واقع الأمر يخشون من أن يؤدي تركيز ترمب على إرثه ومشاريعه الشخصية إلى تشتيت الانتباه عن معركة الحزب الجمهوري للحفاظ على الغالبية في الكونغرس، خصوصاً مع تصاعد الأخطار السياسية على الجمهوريين نتيجة الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها الاقتصادية، وتراجع شعبية ترمب، وسط مخاوف من خسارة مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ.
هل من خلاصة؟
يبقى السؤال، هل الأميركيون على عتبات حدث انتخابي لديمقراطية منقوصة؟ وإذا جاء الأمر على هذا النحو، فأي سحابة فوضى قد تلف الإمبراطورية المنفلتة؟