في غرفة صغيرة داخل مرسم الفنان السوري فاتح المدرّس (1922-1999)، بقيت أشياء قليلة تستعيد حضوره. علبة ألوان تحمل آثار أصباغها، وأربع عشرة ريشة رسم، ومَسْنَد خشبي للوحات، وبضع لوحات أصلية. أما بقية الجدران، فاحتلتها مساء الأحد أعمال الفنان التشكيلي خالد العطار، في معرضه “أحد عشر عاماً”، الذي افتتح به المرسم أبوابه من جديد بعد ترميمه.
بدأت وزارة الثقافة السورية، بالتعاون مع مؤسسة “دمشق للثقافة والفكر والفنون والتنمية” ترميم المرسم في يوليو/ تموز الماضي، ولم يكن اختيار معرض لفنان معاصر لإعادة افتتاح المكان، بحضور وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، وعدد من الفنانين والمثقفين السوريين، بعيداً عن الوظيفة التي أريد له أن يستعيدها؛ فالمرسم لن يتحول إلى متحف مغلق للمدرّس، بل تم تجهيزه مساحة للمعارض مع الاحتفاظ بذاكرة صاحبه ومقتنياته.
يعود ارتباط فاتح المدرّس بالمكان إلى عام 1967، حين استأجره في منطقة ساحة النجمة بحي الشعلان الدمشقي وظل يعمل فيه حتى وفاته عام 1999. ويقول مدير المرسم حالياً، الفنان التشكيلي عصام درويش، وهو أحد تلاميذ المدرّس، إن الفنان أنجز داخله “أهم أعماله ومئات اللوحات”.
بعد وفاة المدرّس، اتفق درويش مع زوجته، في أواخر عام 2000، على شراء نصف المكان، وتحويله إلى ما يشبه متحفاً صغيراً لفاتح، فيما تستضيف الصالة بقية العام معارض للفن التشكيلي لتغطية نفقات المكان. استمر النشاط حتى عام 2012، ثم توقف ست سنوات ليُعاد افتتاح المرسم عام 2018 بحضور جماهيري بعد سنوات من الانقطاع. وتواصلت الفعاليات خلال السنوات التالية حتى بدأ المكان بالتآكل وتتعثر المعارض قبل نحو عامين من التحرير، ما جعله بحاجة إلى ترميم جديد.
يقول درويش لـ”العربي الجديد” إن المعارض ستعود الآن كما كانت، بينما يواصل المرسم استعادة فاتح المدرّس في ذكرى وفاته عبر معارض مخصصة لأعماله. ويحتفظ درويش بمجموعة من لوحاته، بعدما انتقلت أعمال أخرى كانت موجودة في منزل الفنان إلى ابنته وأصبحت في باريس.
يحتفظ المكان ببعض لوحات المدرس وانتقلت أعمال أخرى إلى باريس
بالنسبة إلى تلاميذ المدرّس، لا تُختصر استعادة المكان في الجدران والمقتنيات. الفنان التشكيلي عدنان حميدة، الأستاذ في كلية الفنون الجميلة بدمشق وأحد طلاب فاتح المدرّس، تجول في المرسم مستعيداً تفاصيل لم تعد موجودة. يقول: “هنا كان يوجد البيانو، وهناك كان يجلس فاتح”، قبل أن يستعيد النقاشات التي كانت تدور في المكان.
يرى حميدة في حديث مع “العربي الجديد” أن إعادة اسم المدرّس إلى الواجهة توثق للأجيال تجربة أحد رواد الفن التشكيلي السوري. ويشير إلى دوره في تعليم الفن، وإلى مساهمته في تأسيس اتحاد الفنانين وكلية الفنون. ويقول إنه يطلب اليوم من طلابه، قبل الحديث عن المدرّس، البحث عنه وعن لوحاته وتحليل بعضها، كي يترسخ الاسم والأعمال في ذاكرتهم.
يستعيد حميدة حادثة وقعت حين كان حديث التخرج، بعدما رُفضت له لوحة في أحد المعارض. شاهد المدرّس العمل، واستغرب استبعاده، ثم اصطحب حميدة بسيارته إلى القائمين على المعرض، وأصر على عرض اللوحة. يقول حميدة إن الموقف منحه ثقة كبيرة بنفسه.
أما عصام درويش فيستذكر تجربته في التتلمذ على يد فاتح المدرّس، قائلاً إن أستاذه كان يدفع طلابه إلى الحرية والتحرر من القواعد التي علمهم إياها، وبناء أسلوبهم الخاص، بعيداً عن التقليد. ويضيف لـ”العربي الجديد” أن المدرّس كان يرفض الاستعراض، ويحث طلابه على العمل، مؤكداً أن قيمة الفنان بما ينجزه فعلياً، لا بما يتحدث عنه من مشاريع.
وسط هذه الذاكرة المملوءة بالتفاصيل، جاءت أعمال خالد العطار التي أنجزها خلال مرحلة امتدت بين الاعتقال والملاحقة ووجوده على الجبهة في برزة ثم المنفى في إسطنبول. يقول العطار إن الأعمال تحولت إلى “مرايا” لتلك السنوات، بما حملته من يأس وأمل وسواد. يتبدل اللون تبعاً لهذه الحالات. بعض الأعمال بالأبيض والأسود، وأخرى مشبعة بالألوان، فيما تتجه أعمال إلى تقشف لوني أكبر. ويوضح العطار أن ذلك لم يكن خياراً شكلياً منفصلاً عن تجربته، بل انعكاساً لما كان يشعر به في كل مرحلة.
ويشير إلى أنه أنجز أحد مشاريعه بالفحم في ذروة شعوره باليأس، حين اعتقد أن العودة إلى سورية ربما لن تحدث، إلى درجة أنه كان يفكر بأن ابنه قد لا يرى البلاد في حياته. لذلك، كما يقول، لـ”العربي الجديد”، لم يكن ممكناً أن يرسم شيئاً مرحاً “ويكذب على نفسه”.
عودة العطار إلى دمشق وعرض هذه الأعمال في مرسم فاتح المدرّس بدت له، قبل عامين فقط، أقرب إلى “الهلوسة”. سبق أن عرض في دبي وبرلين وإسطنبول وأنقرة وتسمانيا في أستراليا، لكنه يقول إن أياً من تلك المعارض لا يعني له بقدر العرض هنا: “أن أعرض في مرسم فاتح المدرّس بدمشق يعني لي الدنيا”.
ويرى حميدة في تجربة العطار اشتغالاً يتجاوز النقل المباشر للحدث. فالمعرض، بحسب قراءته، يجمع الرسم الواقعي بالرمزية، ويستعير صوراً وأحداثاً من تاريخ الفن، من بينها موضوعات وأيقونات مسيحية، ثم يعيد إسقاطها على التجربة السورية. ويقول إنه يعرف العطار منذ كان طالباً في كلية الفنون، وكان “جاداً ومجتهداً ومن الأوائل في دفعته”.
إعادة افتتاح المكان ضمن مشروع “ترميم الذاكرة التشكيلية السورية”
من جهتها، ترى الممثلة والكاتبة يارا صبري أن أهمية استعادة المرسم تكمن تحديداً في ألا يبقى مكاناً تذكارياً، ويحضر اسمه من خلال نشاط فني مستمر. وتضيف لـ”العربي الجديد” أن الفن يستطيع أن يلعب دوراً يتجاوز العرض نفسه، لأنه “يمكن أن يشفينا ويجمعنا”، فيما تحتاج الأجيال الجديدة إلى مساحات وفرص ودعم أكبر.
ويقول وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح لـ”العربي الجديد” إن مشروع “ترميم الذاكرة التشكيلية السورية” لا يقتصر على ترميم الأمكنة، بل يمتد إلى إعادة تفعيلها واستقبال الكفاءات وإقامة المعارض.
ويضيف “لا ينبغي أن يرسم الفنان لوحتين أو ثلاثاً أو عشر لوحات، ثم يبقى أمام سؤال: ماذا بعد؟ أين المعارض؟ أين المزادات؟ أين المشاركات الداخلية؟ وأين المشاركات الخارجية؟ نريد أن تكون كل هذه المسارات حاضرة”. ويشير إلى أن أعمال الترميم شملت مسرح الحمراء والبرج الثامن في قلعة دمشق، إلى جانب مرسم فاتح المدرّس.
