لم يعد أمام الحكومة العراقيّة الكثير من الوقت لإثبات قدرتها على تنفيذ وتطبيق برنامجها الحكوميّ، تحديداً في الجزئيّة الأساسيّة المرتبطة بقرار إنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة، وبالتالي تأكيد العمل بمبدأ حصريّة قرارَي السلم والحرب بيدها.
موعد الثلاثين من أيلول، وإن كان يشكّل نهاية المهلة المتّفق عليها بين بغداد وواشنطن لإنهاء الوجود القتاليّ للقوّات الأميركيّة والتحالف الدوليّ على الأراضي العراقيّة، فإنّه يشكّل، في المقابل، دخول الحكومة العراقيّة في اختبار قدرتها على تنفيذ ما التزمت به في موضوع حصريّة السلاح وقرارَي الحرب والسلم، وإنهاء ظاهرة الميليشيات والسلاح الذي يعمل خارج مؤسّسات الدولة العسكريّة، وبعيداً عن إمرة القائد العامّ للقوّات المسلّحة.
سلاح الفصائل يختبر حزم الزّيديّ بين واشنطن وطهران
رئيس الحكومة علي فالح الزيديّ، بقدر ما كان واضحاً خلال زيارته للبيت الأبيض في منتصف تمّوز الماضي وأمام الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في موضوع انسحاب القوات الأجنبيّة من العراق، فإنّه كان أيضاً حازماً في التأكيد على تنفيذ قرارات حكومته في موضوع السلاح خارج الدولة، معتبراً أنّ هذه الخطوة تشكّل مدخلاً أساسيّاً لعودة الأمن والاستقرار، وطمأنة المستثمر الأجنبيّ للعودة إلى العراق والعمل فيه، وبالتالي بدء مسار للتعافي الاقتصاديّ والماليّ يعيد وضع العراق على طريق التنمية الحقيقيّة.
بين زيارة الزيدي للبيت الأبيض واللقاء المتوقّع بينهما على هامش أعمال الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، اصطدمت خطّة رئيس الحكومة العراقيّة، التي حوّلها إلى التزام أمام المجتمع الدوليّ، بالكثير من العراقيل الداخليّة والإقليميّة، ولا سيما موقف الفصائل المعنيّة بقرار حصريّة السلاح، التي رفضت التخلّي عن سلاحها، وذهبت إلى وضع شروط قد تكون تعجيزيّة، بهدف تعطيل الجدول الزمنيّ الذي أعلنته الحكومة والتزمت به لتنفيذ خطّتها ورؤيتها.
بالإضافة إلى موقف هذه الفصائل، جاء الدخول الإيرانيّ المباشر على قرار حكومة الزيدي، والضغوط التي مارستها طهران عبر قائد قوّة القدس في حرس الثورة، إسماعيل قاآني، من جهة، ورئيس البرلمان، محمّد باقر قاليباف، من جهة أخرى، للتوجّه نحو تعطيل قرار الحكومة أو تأجيل تنفيذه نحو شهرين عن الموعد المحدّد. وهو ما أخرج قضيّة هذا السلاح من كونها أزمة عراقيّة داخليّة، وجعلها جزءاً من الصراع القائم بين واشنطن وطهران، وإحدى أدوات المعركة أو الحرب بينهما.
حوار شائك لترويض ملفّ السّلاح
الزيديّ، الذي وجد نفسه أمام طريق محفوف بالمخاطر يهدّد الاستقرار الداخليّ من جهة، ومصداقيّة حكومته من جهة أخرى، انتقل إلى سلسلة من الحوارات الداخليّة مع الأطراف والجهات الأكثر تأثيراً في قرار هذه الفصائل. وبدأت هذه الحوارات مع قوى “الإطار التنسيقيّ” الشيعيّة، التي شكّلت المظلّة السياسيّة والاجتماعيّة لقرار الحكومة، وأفضت إلى تشكيل لجنة رباعيّة تضمّ رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكيّ، ورئيس ائتلاف الإعمار والتنمية محمد شياع السودانيّ، ورئيس منظّمة بدر هادي العامريّ، ورئيس المجلس الأعلى العراقيّ همام حمود.
تتولّى اللجنة مهمّة البحث عن مخارج لكيفيّة إلزام الفصائل بتطبيق قرار حصريّة السلاح، من دون الالتزام بموعد الأوّل من تشرين الأوّل باعتباره موعداً مقدّساً للتنفيذ، ووضع الرئيس الزيديّ أمام خلاصات ما توصّلت إليه من مشاورات وتفاهمات.
في المقابل، فتح رئيس الحكومة العراقيّة حواراً مع قادة هذه الفصائل المعنيّة بقرار حصر سلاحها، مثل “كتائب سيّد الشهداء”، “حزب الله”، و”النجباء” لبحث آليّات وطريقة تطبيق خطّة حصر السلاح، مع تقديم الضمانات المطلوبة التي تلبّي الجزء الأكبر من الهواجس التي وضعتها هذه الفصائل شروطاً للالتزام بالقرار، لا سيما أنّ هذه الفصائل أبدت مخاوفها من عدم التزام واشنطن والتحالف الدوليّ بقرار الانسحاب نهاية أيلول، بالإضافة إلى عدم وجود اتّفاق واضح مع الجانب التركيّ حول مستقبل قواعده العسكريّة على الأراضي العراقيّة، فضلاً عن تشكيكها في الخطوة التي قامت بها وزارة البيشمركة في إقليم كردستان بتوحيد سلاح هذه القوّات ووضعه تحت إمرة حكومة الإقليم.
على الرغم من الهواجس التي تسيطر على القيادات السياسيّة العراقيّة من إمكانيّة أن تمارس واشنطن ضغطاً كبيراً، وأن تلوّح جدّياً بأسلوب تعامل مختلف عمّا رافق الزيارة السابقة للزيديّ، ولا سيما أنّ التزام واشنطن بالانسحاب لم يترافق مع تطبيق خطّة حصريّة السلاح، فإنّ الزيديّ يراهن على اختراق جديد في الموقف الأميركيّ من خلال رؤية استراتيجيّة لحلّ أزمة السلاح والتعامل مع الفصائل وطموحاتها السياسيّة والمؤسّساتيّة.
المؤشّرات الأوّليّة حول هذه الرؤية لا تلتزم بموعد الأوّل من تشرين الأوّل موعداً لبدء تطبيق عمليّة حصر السلاح، وهي الخطّة أو الحملة التي تضغط الفصائل لتغيير اسمها إلى عمليّة “تنظيم سلاح الفصائل”، بل تعتمد جدولاً زمنيّاً قد يراوح وقت تنفيذه بين منتصف العام المقبل 2027 وأواسط العام الذي يليه 2028.
خطّة الزّيديّ لتطويع السّلاح وتعزيز الدّولة
تبدأ الخطّة بتسريع الانتهاء من مناقشة اللجنة الرباعيّة المكلّفة بمتابعة وضع الفصائل في “الإطار التنسيقيّ”، لبنود قانون تنظيم الحشد الشعبيّ، وإدخال التعديلات التي تلبّي جانباً كبيراً من هواجس ومخاوف ومطالب الفصائل، وتحويلها إلى صنف من أصناف القوّات المسلّحة تحت إمرة القائد العامّ للقوّات المسلّحة.
المدخل الذي يراهن عليه الزيديّ واللجنة الرباعيّة لإعادة تنظيم السلاح وحصريّته يبدأ من التزام هذه الفصائل بفكّ الارتباط بين الجانب السياسيّ والجانب العسكريّ، ودمج عناصرها ضمن ألوية تابعة للحشد الشعبيّ.
ثمّ تبدأ عمليّة إعادة تخزين الأسلحة الثقيلة في مخازن خاضعة لإشراف مشترك بين مكتب القائد العامّ وقيادة هذه الفصائل، بالتزامن مع فتح حوار جدّيّ حول مصير سلاح الصواريخ والطائرات المسيّرة، والعمل على تحويله إلى عامل قوّة لتعزيز القدرات العسكريّة العراقيةّ.
بالإضافة إلى ذلك، يجري العمل بجدّية على استكمال قدرات العراق في مجال المراقبة الجوّية والرادارات ومنظومات الدفاع الجوّيّ، في إطار خطّة عسكريّة متكاملة لتعزيز سيادة الدولة على حدودها وأجوائها، ومنع أيّ اعتداء أو خرق قد يحصل في المستقبل.
الزّيديّ يناور بين واشنطن وطهران
أمام هذه المعطيات، يعني ذلك أنّ الزيدي، خلال زيارته لنيويورك واللقاء المرتقب مع الرئيس الأميركيّ على هامش أعمال الأمم المتّحدة، سيحاول تسويق هذه الخطّة باعتبارها نتاج توافق داخليّ عراقيّ، وليست محاولة لصيغة تسوويّة تلبّي، من جهة، المطلب الأميركيّ بحصريّة السلاح وتفكيك الفصائل خارج الدولة، وتخفّف، من جهة أخرى، مخاوف الفصائل حول مصير نفوذها.
كما سيقدّم الجدول الزمنيّ الممتدّ نوعاً من الإحساس لطهران بأنّ خسارتها لقنوات نفوذها في مواجهة الهجمة الأميركيّة التي تريد إخراجها من العراق قد تعني خسارته مبكراً كإحدى أوراق حربها مع واشنطن.
كما أنّ هذه الرؤية للزيديّ تساهم في منع انزلاق الأمور إلى انفجار داخليّ واشتباك بين الحكومة والفصائل.
