ساعات في نيويورك، من دون مبيت أو لقاء مدرج حتى الآن مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. بهذه الترتيبات يستعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في زيارة تتداخل فيها الاحتجاجات المرتقبة مع حساباته الانتخابية وتساؤلات عن علاقته بالرئيس الأميركي.
وبين دعوة عمدة المدينة إلى اعتقاله وغياب موعد مع ترامب، تتجاوز دلالات الزيارة برنامجها المختصر. فنتنياهو، الذي طالما قدّم علاقته بالرئيس الأميركي بوصفها رصيداً سياسياً في الداخل، يتوجه إلى المنبر الدولي من دون ضمان الصورة التي يحتاج إليها مع حليفه الأبرز.
ساعات تحت ضغط الاحتجاجات
بحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، يصل نتنياهو إلى الولايات المتحدة صباح الخميس، على أن يغادر بعد ساعات من إلقاء كلمته، من دون أن يبيت في المدينة. كذلك، لن يصطحب صحافيين على متن طائرته “جناح صهيون”، في خطوة وصفتها الصحيفة بأنها غير مسبوقة، فيما يُتوقع أن تهبط الطائرة في نيوجيرسي بدلاً من مطار جون كينيدي في نيويورك.
وربطت الصحيفة هذه الترتيبات بمخاوف إسرائيلية من الاحتجاجات وموقف عمدة المدينة زهران ممداني، الذي دعا إلى تنفيذ مذكرة توقيف المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو، رغم إقراره بأنه لا يملك الصلاحية القانونية لذلك.
وجدّد ممداني موقفه الاثنين، في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” عقب اجتماع ودي مع ترامب في نيويورك، مؤكداً أنه يرى ضرورة اعتقال نتنياهو خلال زيارته. وأضاف “عندما يتعلق الأمر ببنيامين نتنياهو، فقد وصفته كما أراه، مجرم حرب ومهندس إبادة جماعية مروعة للشعب الفلسطيني”.
وكانت المحكمة قد أصدرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرة توقيف بحق نتنياهو على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، وهي اتهامات ترفضها إسرائيل، التي ترفض أيضاً اختصاص المحكمة.
ومن المتوقع أن يركز نتنياهو في خطابه على إيران، فيما يستعد الوفد الإسرائيلي لاحتمال احتجاج ممثلي دول أو انسحابهم أثناء كلمته.
غياب ترامب وكلفة الانتخابات
في قراءة مختلفة لأسباب اختصار الزيارة، يستبعد الباحث الأميركي البارز في مركز صوفان كينيث كاتزمان ارتباطها بتهديد ممداني. ويوضح لـ”النهار” أن العمدة أقر لاحقاً بأنه لا يملك صلاحية تنفيذ الاعتقال، مضيفاً “ليس هناك أي قلق من محاولة ممداني اعتقال نتنياهو. هذه المسألة باتت خارج الحسابات تماماً”.
ويرجّح كاتزمان أن يرتبط قصر الزيارة بالاستحقاق الانتخابي القريب في إسرائيل وحاجة نتنياهو إلى تكثيف حملته في الداخل، خصوصاً أن هدفه الأساسي هو إلقاء كلمته أمام الأمم المتحدة وعرض الموقف الإسرائيلي من ملفات غزة و”حزب الله” وإيران.
أما عدم وجود لقاء مرتقب مع ترامب، فيعدّه “أكثر أهمية”، لأن نتنياهو بنى جزءاً كبيراً من صورته السياسية على علاقته الوثيقة المفترضة بالرئيس الأميركي، وعلى قرارات صبّت في مصلحة إسرائيل، بينها الاعتراف بالقدس عاصمة لها وبالسيادة الإسرائيلية على الجولان.
وفي تقديره، فإن “قدوم نتنياهو إلى الولايات المتحدة من دون لقاء ترامب أمر مهم، وقد يضر به أمام الناخبين الإسرائيليين”، معتبراً أن غياب اللقاء يعكس توتراً طرأ على العلاقة بين الرجلين على خلفية الحرب مع إيران.
وبحسب قراءة كاتزمان، يحمّل ترامب نتنياهو مسؤولية تقديم تقديرات “متفائلة أكثر من اللازم” عن هشاشة النظام الإيراني وقدرة الضربات على إضعافه ودفعه نحو الانهيار سريعاً. ويعتقد أن الرئيس الأميركي يرى أنه اندفع نحو الحرب بناءً على تقديرات استخباراتية وحجج لم تتحقق، فيما تحولت المواجهة إلى عبء سياسي عليه.
مع ذلك، يبقى احتمال اللقاء قائماً إذا قرر البيت الأبيض إضافته إلى جدول الرئيس. وعندها، يرجّح كاتزمان أن يسعى نتنياهو إلى تكييف برنامجه لإتمامه.
حضور دولي بكلفة متزايدة
من جهته، يربط الخبير في الشؤون الإسرائيلية ياسر مناع اختصار الزيارة بمحاولة ضبط كلفتها السياسية والإعلامية. ويوضح لـ”النهار” أنه “يمكن قراءة تقليص زيارة نتنياهو باعتباره محاولة للحفاظ على مكسب الظهور أمام الأمم المتحدة مع تقليل كلفة الاحتجاجات والإحراج الإعلامي”.
ويضيف أن نتنياهو “يريد مخاطبة العالم والجمهور الإسرائيلي من موقع رئيس الحكومة الذي يواصل حضوره الدولي، لكن اختصار إقامته إلى ساعات يكشف حدود قدرته على تقديم الزيارة بوصفها دليلاً إلى القبول به وبسياساته”.
وإذا صحّ تقدير المصادر التي ربطت القرار بالخوف من الاحتجاجات، فهذا يعني، بحسب مناع، أن “الاعتراض عليه أصبح عاملاً يؤثر في ترتيبات تحركه. وتضيف مذكرة التوقيف ضغطاً سياسياً على الزيارة، حتى مع إقرار ممداني بأنه لا يملك صلاحية اعتقاله”.
ويقرأ مناع في المشهد “تراجعاً في القبول السياسي بنتنياهو أكثر مما يثبت عزلة شاملة لإسرائيل. فاستمرار الدعم الأميركي، بما يشمل التحرك ضد المحكمة الجنائية الدولية، يوضح أن حكومته تحتفظ بعلاقات مؤثرة رغم الاعتراضات عليها. لكن هذا الدعم لا يضمن له استقبالاً مريحاً أو نجاحاً ديبلوماسياً، وهنا تكمن دلالة الزيارة المختصرة، إذ يستطيع الوصول وإلقاء خطابه، بينما يحاول تقليل احتكاكه بالرفض المحيط به”.