..عمر شبانة… ضفة ثالثة
يتناول الناقد العراقي الدكتور قيس كاظم الجنابي في كتابه “غَريبان في بغداد: جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف” الصادر حديثًا (عن دار جبرا للنشر- عمّان/ الأردن، 2026، ويقع في 246 صفحة)، هذين العلمَين في بابين رئيسين، وفصول عدة، لكلّ منهما. ونحن هنا حيال قامتَين رفيعتَين من قامات الأدب والفكر والفنّ، روائيّين من أصحاب المشاريع الإبداعية المتعددة في الأدب العربي الحديث، أوّلهما الفلسطينيّ الأصل والميلاد، ابن بيت لحم والقدس، الروائي والمترجم والفنّان والناقد التشكيلي جبرا إبراهيم جبرا (1919-1994)، العراقيّ الجنسيّة والإقامة منذ عام 1948. والثاني هو عبد الرحمن منيف (ولد في عمّان، في أيار/ مايو 1933، وتوفّيَ في دمشق، في كانون الثاني/ يناير 2004)، وهو ابن الجزيرة العربية، والأردن والعراق ودمشق التي انتهت حياته فيها.
يحتفي الجنابي بالأديبين الراحلين، ويقسم كتابه على قسمين- سِفرين متساويين تقريبًا في عدد الصفحات، ويوزع اهتمامه على صعيدين متداخلين؛ صعيد أول هو المتعلق بسيرة كلّ منهما، وخصوصًا السيرة “العراقية” حيث عاشا وكتَبا، وإن اختلفت سياقاتهما، وعلى صعيد آخر يتناول إبداع كلّ منهما والمنجز الروائي خصوصًا، مع التأكيد على أن منجز جبرا في غالبيته تمّ إنجازه في العراق، بينما كتب منيف القليل من إبداعاته في بغداد (روايته “أرض السّواد”)، ولم يكتب الكثير عن سيرته العراقية، في حين كتب “سيرة مدينة” عن عمّان التي ولد فيها، وعاش فيها السنوات الأولى من طفولته.
هنا إضاءات على أبرز ملامح الكتاب ومعالمه. وربّما تجدر الإشارة هنا إلى أن المشترَك الأوّل بين جبرا ومنيف هو إقامتهما في بغداد، لكنهما إقامتان مختلفتان لجهة المدة الزمنية، من جهة، ومن جهة أسباب الإقامة وطبيعتها. أما المشترك الثاني بينهما، وهو الأهم، فهو الرواية التي كتَباها معًا “عالم بلا خرائط”، رغم ما يبدو بينهما من اختلاف في الأسلوب الذي عرفناه في روايات كل منهما، وهو ما سيظهر تناوله في ملحق بعنوان “المشترك بين جبرا ومنيف” في نهاية “السِّفر الأوّل”.
جبرا في كتب سيرته ورواياته
يبدأ المؤلّف كتابه بـ”السِّفر الأوّل” المخصص لتجربة جبرا. وفي الباب الأول يبدأ بفصل “سَرديات السِّيرة الذاتية”، ويتناول فيه “سِيرة جبرا إبراهيم جبرا”، خصوصًا كما تَظهر هذه السيرة في كتاب “البئر الأولى”، مع الإشارة إلى ما سبق هذه السيرة من روايات، ثم السيرتين التاليتين: “شارع الأميرات”، وتجليات السيرة الذاتية في حوارات جبرا في كتاب “الاكتشاف والدهشة”. ثم يخصص الفصل الرابع لمتابعة موضوع “السيرة والثقافة” في حياة جبرا، إذ يعتبر أن كتاب الناقد ماجد السامرّائي “الاكتشاف والدهشة”، وهو مجموعة حوارات أجراها السامرائي مع جبرا طوال سنوات، نوعًا من السيرة؛ وهو بمثابة سيرة متشظية، أو ما يمكن اعتباره “كتابَ سيرة ثالثًا، حتى إنّ جبرا نفسَه أشار إلى هذا المعنى في تقديمه للكتاب، وعدّه سيرة ذاتية أخرى”.
وبالانتقال إلى جبرا روائيًّا، يأخذنا الناقد إلى أنّ جبرا كتب، كما نعلم، روايات عدة، أولاها “صيادون في شارع ضيق”، التي كتبها أولًا باللغة الإنكليزية، وترجمها تلميذه الفلسطيني الدكتور محمد عصفور، ثم جاءت روايتاه “السفينة”، و”البحث عن وليد مسعود”، وقصصه القصيرة في مجموعات عدّة، فضلًا عن الشعر الحر، والكتابات النقدية والترجمات من الأدب العالمي أشهرها أعمال شكسبير المسرحية، ونقد تشكيلي ولوحات بريشته هو ذاته.
| المشترَك الأوّل بين جبرا ومنيف هو إقامتهما في بغداد. أما المشترك الثاني بينهما، وهو الأهم، فهو الرواية التي كتَباها معًا “عالم بلا خرائط” |
ويورد الناقد إشارة جبرا إلى أن رواياته وقصصَه لها علاقة وثيقة بسيرته الذاتية، التي جاءت في مجلّدات عدّة أيضًا كما رأينا سالفًا. ويخوض الجنابي في “البئر الأولى” التي تناولت طفولة جبرا في فلسطين، حيث ولد ونشأ في بيت لحم، ثم تعلّم وعمل معلِّمًا في القدس، ويعرض لعلاقته بإخوته وأمه، ما يجعله يتساءل: لماذا أطلق جبرا على طفولته (البئر الأولى)؟ وما علاقته بالبئر وبالحياة/ الطفولة؟ وما الدلالات العلمية والرمزية للماء والبئر، حيث تقترن البئر بالصندوق/ الرحم والذكريات والأسرار والحنين إلى كشف المستور.
ثمّ يستشهد المؤلف بقول جبرا عن سيرته “أردت في البدء أن أكتب سيرة ذاتية كاملة، لا سيما بعد أن طالبت أدباء جيلي أكثر من مرة بكتابة مذكراتهم، وتسجيل تجربة التغيير، والنمو، والصراع، التي تجعل لحياتهم، وحياة كل منّا، بل للحياة في عصرنا كله، مذاقها وبعض معناها… كتابة المذكرات هي محاولة لاختصار حياة الإنسان طيلة خمسين أو ثلاثين عامًا وبإيجاز تام، في اختيار المثير والمهم والنافع، والحبيس بين الأدراج أو الصناديق الخاصة…”. ويوضّح جبرا أن الطفولة تبقى “مبعث سحر يستديم فعله الغامض، ومصدر وهج يعجز عنه التفسير…”.
ويمكن أن نختصر آراء الناقد/ المؤلف بروايات جبرا، بدءًا من “السفينة” كرواية “حوارية، أو رواية أفقية وعمودية في آن واحد، وأفقيتها متأتية من الأحداث السياسية والتاريخية التي تتعرض لها، وعموديتها تبعًا لشخصياتها ورواتها”. وفي قراءته لرواية “البحث عن وليد مسعود”، يبين الناقد وجود علاقة بين جبرا وبطله “وليد” في بحثه عن بلد ومكان وأصدقاء وأحلام، ويرى أن هذه الرواية قريبة من “السفينة”، من حيث اللغة والطابع الحواري وبناء الشخصية. وفي صدد الحديث عن رواية “الغرف الأخرى”، يرى المؤلف أن جبرا يعتمد الورق والرسائل كوسيلة في توظيفه لما وراء السرد في الرواية العربية، في وقت مبكر. كما يخلص الناقد هنا إلى تمييز الدور الفاعل لجبرا في الثقافة العراقيّة، أدبًا وعمارةً وفنًّا تشكيليًّا، وحتى موسيقيًّا… “إنه تنويريّ”.
جبرا ومنيف ورواية مشتركة
وقبل الانتقال إلى عوالم عبد الرحمن منيف، سيرته ورواياته، يتوقف الناقد في كتابه هذا، أمام الرواية المشتركة بين الروائيين “عالم بلا خرائط”، وهي تجربة تكاد تكون فريدة في تاريخ الرواية العربية، وقد “شكلت نوعًا من الإضافة بالنسبة للرواية العربية كما يرى عبد الرحمن منيف”. وقد أثارت حين صدورها، (صدرت طبعتها الأولى عام 1982)، زوبعة نقدية من نواحٍ عدّة. وهنا يشير الناقد إلى أن هذه الرواية “ابتعدت عن النهج الواقعي التقليدي، بانتمائها إلى ما يعرف بما وراء الرواية، عبر اعتماد شخصية علاء الدين نجيب بصفته مؤلّفًا يريد أن يكتب رواية، وبالتالي هي تمثل أنا الكاتب”.
ولكن تحليل الناقد للرواية، والظروف التي جمعت روائيّين من أعمدة الرواية العربية، هذا التحليل لم يتوصّل بتلك الظروف والمشترك بين كاتبين مختلفين، ليكتبا واحدة من أفضل منجزات الرواية العربية! وقد كنّا قرأنا بعض ما نُشر من آراء حول علاقة منيف بجبرا، في بغداد، خصوصًا ما ذكره المترجم والناقد العراقي عبد الواحد لؤلؤة عن علاقته بهما، ومشاويرهم اليوميّة في شوارع بغداد، ومنها شارع الأميرات، وكيف تمّ التخطيط لكتابة الرواية المشتركة.
منيف روائيًّا
بالمنهجية ذاتها التي اتّبعها المؤلف- الناقد الجنابي في السِّفر الأول (مع جبرا)، يبدأ مع سيرة منيف، وهي تتعلق أيضًا بمرحلة الطفولة، وقد جسدها كتاب “سيرة مدينة”، الذي يتحدث عن عمّان في الأربعينيات. إذًا، هي ليست سيرة ذاتية للكاتب، وإن تقاطعت السيرتان، بسرعة، وجزئيًا في بعض المحطات، كما يقول منيف في مقدمته للكتاب. ثم يخصص الناقد أربعة أبواب، بفصول متفاوتة، مخصّصة لمناقشة ثماني روايات، أولاها هي “أم النذور”، الرواية الأولى لمنيف، التي لم تنشر إلا بعد وفاته. ولمنيف رأي في الرواية الأولى للكاتب، سواء نشرها أم لا، فهو يرى أنها بالغة الأهمية والخطورة، لأنها تحدّد ما إذا كانت ستكون روايته هذه هي فعلًا الأولى أم ستكون الوحيدة والأخيرة معًا.
ومع رواية “قصة حب مجوسية” يبدأ الناقد بتأمل العنوان، وهذه واحدة من مميزات التناول النقدي للكتاب، ليتوصل إلى أن عنوان الرواية يدلّ على نوع من المغايرة بين العنوان وهوية الشخصيات – المجتمع. وفي رواية “الأشجار واغتيال مرزوق” يغوص الناقد وراء رمزية الشجر، مستعينًا بما يرد في الرواية من تأويل لها ومن كتب محايثة، منها ما هو فني أو فلسفي. فالأشجار لها بعدها الوجودي الرمزي الذي يحيل على فطرة الإنسان وسلمية التعايش، لذا يعتقد بعض الباحثين أن الإنسان منذ ولادته منذور للنبات. وكأن الرواية، في واحد من مراميها، تقرع، ومنذ وقت مبكر جرس الإنذار لما يحدث في الطبيعة من انتهاكات تتمثل هنا بقطع الأشجار. وهو ما ينسحب أيضًا على رواية “النهايات” التي تبدأ بجملة “إنه القحط”، الذي يجتاح كل شيء فهو لا يترك بيتًا من دون أن يدخله، ولا يترك إنسانًا إلا ويخلّف في قلبه أو جسده أثرًا. وهكذا الحال مع بقيّة روايات منيف.
أخيرًا، وبالتجاوز عن تفاصيل كثيرة لا يتّسع المجال هنا لها، تجدر الإشارة إلى مسألة أساسية في تناول نتاجات عبد الرحمن منيف، كلّها تقريبًا، الرواية والسيرة وغيرهما، مسألة تتعلّق بغياب العمل الروائي الملحميّ الأبرز له، وأعني خماسيّته الشهيرة “مُدن المِلح”، باستثناء جملة وحيدة عابرة تذكر هذه الملحمة في سياق الكتابة عن “عالم بلا خرائط”… فما سرّ هذا التغييب؟!