منذ أسابيع، تتراكم مؤشرات التصعيد في حرب إيران. المؤشر الأبرز هو الحديث الأميركي والإسرائيلي عن التهديد النووي الإيراني المتمثل بالنشاطات في منشأة “جبل الفأس” القريبة من مجمع نطنز النووي، 225 كيلومتراً جنوب طهران. في بحر الأسبوع الماضي، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نشاطات جديدة في المنشأة، وعن رفضه طلباً من وزير الخزانة الأميركي بتأجيل ضربها، لأن إيران بإمكانها صنع قنبلة نووية خلال شهر فقط.
من الصعب اليوم اعتبار ما يأتي على لسان ترامب، دليلاً على اتجاه سياسي أو عسكري، ذلك أن الرجل صاحب سوابق في التراجع عن تصريحاته ووعوده أو حتى التحدث بعكسها تماماً. لكن كلامه هذه المرة يُحدد تهديداً نووياً وشيكاً، ويتقاطع مع تعهد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو منع إيران من الحصول على قدرات نووية.
ذاك أن نتنياهو حاول في نهاية تموز (يوليو) الماضي إقناع ترامب بجدية التهديد النووي الإيراني، بهدف توجيه ضربة، لكن المحاولة اصطدمت حينها بتردد الرئيس الأميركي. لم يُفلح حينها في إقناع ترامب، تماماً كما فشل في دفعه باتجاه ضرب منشآت المياه والطاقة بهدف تحريض الناس على الانتفاض ضد النظام.
لكن هل بدل ترامب رأيه اليوم؟ اللهجة التي تحدث فيها تُوحي بذلك، وكذلك ما جاء على لسان نتنياهو أمام حائط المبكى قبل يومين، بأن إيران تُحاول مجدداً إعادة بناء قدراتها النووية، وهو يتعهد بعدم تحقيق ذلك ما دام في السلطة. رئيس الحكومة الإسرائيلية نقل عن ترامب تأكيده محاولة إيران إعادة تسليح نفسها نووياً، للإشارة الى الدور الأميركي المرتقب في أي ضربة ضد هذه المنشآت.
أي ضربة لمنشآت إيرانية لن تُؤدي الى نهاية سريعة للحرب، بل الأرجح تمددها لتشهد تصعيداً أوسع نطاقاً، لناحية نوعية الأهداف وأيضاً جغرافيا المعركة، وخصوصاً أن المشاركة الإسرائيلية هذه المرة قد تفتح باباً للتصعيد مجدداً من لبنان، بغض النظر عن الكلفة الهائلة على اللبنانيين و”حزب الله”. هذه حسابات ثانوية في ميزان نظام يخوض حرباً وجودية.
بالنسبة لإسرائيل، سيُوفّر الاستخدام الإيراني الثالث للجبهة اللبنانية (بعد حربي الاسناد والانتقام لخامنئي) فرصة سانحة لتوسيع المنطقة الأمنية “الصفراء” باتجاه خط جديد من البلدات الجنوبية اللبنانية. بعد الاحتلال أو التوغل، بإمكان إسرائيل إما التفاوض مع الجانب اللبناني بهدف إنشاء مناطق تجريبية جديدة وإبعاد أي تهديد عن “المنطقة الصفراء”، أو ببساطة نقل خط التماس بعيداً عنها.
وهذا يُساعد خطة التطهير العرقي الإسرائيلية بوضوح في جنوب لبنان. بحسب مصدر أممي، تُخطط إسرائيل لبناء حوالى عشرين موقعاً عسكرياً على امتداد المنطقة الصفراء، على أن تربطها بنى تحتية جديدة موصولة بالشمال الإسرائيلي. سيُرسّخ هذا البناء احتلالاً طويل الأمد. لكنه مختلف عمّا سبقه في مسألة أساسية: إسرائيل لا تريد مجتمعاً شيعياً على حدودها.
هذا يجعل توسيع المنطقة الصفراء خطوة ضرورية لإبعاد السكان. قد يحصل ذلك من خلال احتلال أو توغل في قرى خارج نطاق السيطرة الاسرائيلية حالياً، أو عبر استهدافات متكررة تزيد من صعوبة الحياة في هذه المناطق، كما يحصل اليوم في بلدة النبطية الفوقا على سبيل المثال لا الحصر.
بعد ثلاث سنوات من اختبار القدرات القتالية لـ”حزب الله” على أرض الجنوب، من الصعب أن نرى تطوراً عسكرياً يُبدل موازين القوى. وإذا كان التنظيم يُراهن على مساعدة إيران، فما عليه إلا أن يتأمل بنتائج الحرب الماضية وجولات مفاوضاتها. حينها انتهت المفاوضات بالإفراج عن ودائع إيرانية نال منها “حزب الله” الفتات.
والأرجح أن النتيجة هذه المرة لن تكون مختلفة، المزيد من الاحتلال والقليل من المال جائزة ترضية لحزب يُراكم الخدمات لطهران والخيبات لأهله المنكوبين.
هل من عاقل يُوقف قطار نكباتنا؟