-
الجمهورية.نت
-
-
-
بدأ العام الدراسي مطلع شهر أيلول (سبتمبر) الجاري، وعاد مئات آلاف الطلاب إلى مدارسهم في مختلف المحافظات. وبعد أن تجاوز عددهم العام الماضي خمسة ملايين طالب وطالبة، توقّع وزير التربية محمد تركو أن يرتفع العدد هذا العام إلى ستة ملايين. لكن خلف هذا الرقم الكبير، يبقى السؤال: كيف يعيش هؤلاء الطلاب يومهم الدراسي؟ وللإجابة، نستعرض في هذا التقرير ثلاثة مشاهد تُلخّص واقع التعليم في سوريا: البنية التحتية المتداعية التي تُعيق انطلاق العام الدراسي؛ وآلية اتخاذ القرارات داخل المدارس من فصلٍ جندري وتوزيعٍ للدوام؛ والبيئة المدرسية نفسها بما تحمله من عنفٍ واكتظاظٍ ونقصٍ في الحماية.
أكثر من ربع المدارس السورية خارج الخدمة
تُشير أحدث بيانات خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية في سوريا لعام 2026 إلى استمرار تدهور الواقع التعليمي؛ فقرابة 30 بالمئة من نحو 8,000 مدرسة ما تزال خارج الخدمة، فيما تعمل المدارس المتبقية بقدرات منقوصة تشمل تعطّل 17 بالمئة من الصفوف الدراسية، وعدم صلاحية 41 بالمئة من المراحيض، وغياب الفصل بين الجنسين في 46 بالمئة من مرافق الصرف الصحي. وتتشابه أوضاع المدارس في المناطق التي شهدت معارك أو قصفاً عنيفاً. وفي لقاءٍ مع مدير أبنية التعليم في وزارة التربية، محمد حنون عبر راديو آرتا، أكّد تجهيز أكثر من 120 مدرسة في دير الزور (شرق النهر) والحسكة والرقة، في حين ما تزال نحو 400 مدرسة أخرى قيد الدراسة لتحديد إمكانية تأهيلها. أمّا في حلب، فيصِل عدد المدارس المحتاجة لأعمال ترميم إلى نحو 1,950 مدرسة بحسب محافظ حلب عزام الغريب.
في الرقة، عاد التعليم الحكومي للمرة الأولى منذ 13 عاماً. وبحسب مديرية التربية، تجاوز عدد الطلاب هذا العام 250 ألفاً، يتولى تعليمهم 5,341 معلماً ومعلمة موزّعين على 1,137 مدرسة. ورغم هذا الإقبال، يبقى عدد كبير من الأطفال خارج العملية التعليمية بسبب الدمار الواسع، إذ تُشير بيانات المديرية إلى وجود 135 مدرسة مدمّرة، فيما جرت صيانة 33 مدرسة فقط، وتحتاج المدارس العاملة إلى نحو 12 ألف مقعد دراسي لسدّ النقص القائم.
وفي الحسكة، لم تكن سوى 30 بالمئة من المدارس جاهزةً لاستقبال الطلاب مع بداية العام، بحسب تقديرات مديرية التربية، بينما تحتاج بقية المدارس إلى صيانة متفاوتة، تشمل الأبنية المتضررة ونقص المقاعد والأبواب والنوافذ والتجهيزات الأساسية، كما تُقدّر حاجة مدارس المحافظة بنحو 20,000 مقعد دراسي. ولا يقف نقص التجهيزات عند هذا الحد، بل يمتدّ إلى تعثّر وصول الكتب المدرسية. ويقول علي، وهو معلّمٌ من القامشلي: «لا توجد حالياً عملية تعليمية فعلية في المدارس، فنحن نكتفي بتسجيل الطلاب فقط. لا توجد كتب، ولا منهاج يمكننا تدريسه».
ولا يقتصر أثرُ هشاشة المنظومة على البنية التحتية، بل يمتدّ إلى قدرة المدارس على الاستمرار في ظلّ التوترات الأمنية. وتُقدّر بيانات قطاع التعليم أن نحو 2.7 مليون طفل-ة غير ملتحقين بالتعليم حالياً، بزيادة عن العام الماضي، مع وجود 1.6 مليون طفل إضافي معرّضين لخطر التسرُّب. وتُشير البيانات نفسها إلى أن الطالب الواحد يفقد في المتوسط 25.5 يوماً دراسياً سنوياً بسبب انعدام الأمن والنزوح وغياب المعلمين والخدمات الأساسية.
وفي الحسكة، أوقفت 9 مدارس على الأقل التعليم، وتحوّلت إلى مراكز إيواء عقب موجة نزوح في الجزيرة السورية مطلع العام، بحسب منظمة إنقاذ الطفل. وفي درعا، تكرّر المشهد على خلفية التوترات الأمنية، إذ امتنع طلاب في بعض المناطق عن الذهاب إلى المدارس. تقول فاطمة الحريري من الصنمين: «الوضع حالياً متوتر، ونحن كأهالٍ نخشى على أولادنا. وعدا الوضع الأمني، حتى الكتب لم تصل كاملة بعد، وما وصل منها ممزّق».
ومثل الحسكة ودرعا، تتصاعد المخاوف أيضاً في القنيطرة وريف دمشق، اللتين تشهدان توغلات إسرائيلية وعمليات قصف متكررة، ما يفاقم هشاشة العملية التعليمية ويزيد من صعوبة توفير بيئة آمنة للطلاب.
من يُقرّر الفصل الجندري في المدارس؟
أكّد وزير التربية، خلال جلسة الاستماع في مجلس الشعب، أن 17 بالمئة من المدارس تعملُ بنظام الفوجين، ما ينعكس على جودة التعليم ويزيد إرهاق الطلاب، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على تخفيف هذا العبء. وفي معظم المحافظات رصدنا نقصاً حادّاً في الأبنية المدرسية والكوادر التعليمية، إضافة إلى سوء توزيع الموارد المتاحة. ورغم هذا الواقع، اتخذت إدارات بعض المدارس قرارات لا تتناسب مع الظروف القائمة، إذ فرضت فصلاً جديداً بين الطلاب الذكور والإناث في صفوف أو مدارس منفصلة.
في المناطق التي كانت تحت سيطرة «الإدارة الذاتية»، كان التعليم مختلطاً في جميع الصفوف. لكن مع عودة المدارس إلى الإدارة الحكومية، عاد الفصل بين الذكور والإناث بصورة تلقائية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، عبر تخصيص مدارس للبنين وأخرى للبنات في عدد من مدن المحافظة. ويأتي ذلك بعد سنوات من التعليم المختلط خلال فترة إدارة المؤسسات التعليمية من قِبل «الإدارة الذاتية»، فيما كانت المدارس منفصلة في السنوات التي سبقتها. وفي الأرياف، تفرض محدودية الأبنية وعدد المدارس الاكتفاء بصفوف منفصلة داخل المدرسة الواحدة.
وبحسب شهادات أهالٍ في الرقة والحسكة، لم يُواجه الإجراء اعتراضاً اجتماعياً، إلا أن تطبيقه يفرض تحدياً عملياً على مدارس تواجه أصلاً نقصاً في الأبنية والمقاعد.
أمّا في شمال غرب سوريا، وخاصةً في إدلب، فقد كان الفصل بين الذكور والإناث مطبّقاً خلال السنوات الماضية في جميع الصفوف. ومع افتتاح المدارس هذا العام، عاد الموضوع إلى الواجهة وطُلب توسيعه. وفي حلب تُخصَّص في بعض الأحياء الشرقية من المدينة صفوف منفصلة للذكور وأخرى للإناث بدءاً من الصف الرابع الابتدائي. وبحسب مدير مدرسة في مدينة حلب تحدّث إلى الجمهورية.نت، لم تُصدِر مديرية التربية والتعليم تعميماً بهذا الخصوص، فيما كان الفصل يُعتمد سابقاً ابتداءً من الصف الخامس.
وفي ريف دمشق، بدأت خلال العامين الماضيين إجراءات للفصل تختلف من مدرسة إلى أخرى بحسب الإمكانيات المتاحة، بين تخصيص مدارس منفصلة واعتماد نظام الفترتين. وتقول فداء.ع، وهي معلمة ابتدائي من حرستا: «الفصل موجود في المدارس منذ حوالي سنتين، لكنه ازداد هذا العام، وغالباً يُطبَّق بناءً على طلب الأهالي أو مجلس الحي، من دون الرجوع للوزارة».
ورغم أن بعض قرارات الفصل الجندري تُتّخذ بطلب من لجان محلية، كما حدث في معهد الحرية (مدرسة اللاييك) في دمشق حين فُصل الذكور عن الإناث، ورغم أن الإجراء قد لا يُواجِه اعتراضاً اجتماعياً واسعاً في بعض المناطق، إلا أنه أثار انتقادات لافتة من الأهالي، خصوصاً لجهة تفريق الأصدقاء والصديقات في مرحلة الطفولة.
كذلك يُطبَّق هذا الفصل غالباً بقرارات محلية مُخالفة للقوانين الناظمة لعمل المؤسسات التربوية، وبشكل مفاجئ للطلاب والأهالي بعد استئناف الدوام، ما يحرمهم حق الاختيار، وفي وقتٍ تبدو فيه معالجة المتطلبات الأكثر إلحاحاً في العملية التعليمية أولويةً بديهية.
المدرسة… بيئة الطفل الآمنة
يُفترض أن تكون المدرسة المكان الآمن والملوّن الذي يتعلّم فيه الطفل مبادئ القراءة والكتابة، ويختبر التواصل مع أقرانه وينمو ليصبح فرداً صالحاً في مجتمعه. لكن هذا التصوّر يصطدم بسلسلة معوّقات تبدأ من البنية التحتية المدمّرة لمدرسته، وتمتدّ إلى قرارات مفاجئة بفصل الطلاب عن زميلاتهم أو زملائهم بناءً على رغبة لجان محلية، قبل أن تتفاقم لتأخذ شكل محاولات لفرض القوة داخل الصفوف.
خلال جلسة الاستماع في مجلس الشعب، أشار أحد الأعضاء إلى ضرورة استخدام الضرب داخل المدارس، ليردّ وزير التربية مستنكراً الفكرة بأن الضرب «يُروّض ولا يُربّي». وفي اليوم التالي، نشرت الوزارة عبر معرفاتها الرسمية تعميماً يؤكد منع الضرب، إلا أن الأيام اللاحقة شهدت انتشار خبر حادثة عنف جديدة، ما أعاد ملف العنف المدرسي إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز التحديات. ورغم تعاميم وزارة التربية المتكررة بمنع العقاب البدني والنفسي، لا تزال الشكاوى تتوالى حول استخدام العصا والضرب على الوجه والرأس.
وخلال الأسبوع الحالي، انتشرت على منصات التواصل شهادة سيدة من إدلب قالت إن ابنها تعرّض للضرب من قبل أحد المدرسين في مدرسة هنانو باستخدام عصا تحوي مسامير، ما أدى إلى إصابة مباشرة في العين.
وما حدث ليس حالة منفردة، بل جزء من سلسلة حوادث تظهر بشكل متكرر. ويؤكد تربويون أن استمرار الضرب مرتبط بثلاثة عوامل رئيسية: نقص التدريب على أساليب الضبط الإيجابي، وغياب آلية شكاوى واضحة للطلاب والأهالي، ويُضاف إليها الاكتظاظ داخل الصفوف الذي يصل أحياناً إلى نحو 50 طالباً. وبحسب الإجراءات الرسمية، يمكن للأهالي، في حال تعرّض أبنائهم للعنف، التواصل مع الرقم 107 الذي يحيل الشكوى إلى مديرية التربية، ثم إلى دائرة الرقابة الداخلية التي تُحقّق وتستمع للطرفين. وفي حال ثبوت الاعتداء الجسدي، تتراوح العقوبات بين التنبيه والنقل التأديبي والإحالة إلى مجلس تأديبي، وقد تصل إلى الفصل المؤقت أو النهائي وفق قانون العاملين.
*****
قدَّرت خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 إجمالي التمويل اللازم لاستعادة قطاع التعليم وتلبية متطلباته في سوريا بنحو 337.2 مليون دولار أميركي، مع تحديد 200.6 مليون دولار كاحتياج ذي أولوية في حال عدم توفّر التمويل الكامل. ويعادل هذا المبلغ نحو 3.21 بالمئة من الموازنة العامة للدولة البالغة 10.5 مليار دولار، ما يطرح أسئلة حول خطة الوزارة والحكومة لتحسين واقع التعليم ومعالجة الفجوات البنيوية في البنية التحتية المدرسية.
وخلال جلسة الاستماع في مجلس الشعب، تساءل وزير التربية عن عدد المدارس التي انتشرت صورها لأطفال يدرسون على الأرض، موضحاً أنه «محدود جداً»، وأن العدد لا يتجاوز خمس مدارس، وربما عشر مدارس مُقابل أعداد المدارس التي تم ترميمها. لكن حتى لو كانت مدرسة واحدة فقط تخلو من المقاعد الدراسية فمن حق كل طالب وطالبة فيها أن يتعلّموا في بيئة آمنة وكريمة، تضمن لهم حمايتهم النفسية والجسدية وتضمن لهم حقهم في التعلّم.
-