طالب عبد العزيز….جريدة المدى
لن يفهم الامريكان طبيعة العراقيين في علاقتهم بالسلاح، مثلما لن يتوصلوا الى فهم طبيعة التعالق والتشابك القائم بين الفرد والعشيرة والحشد والفصائل والحزب الديني الشيعي بالذات، ولن يعوا المخاوف التي تعتمل داخل النفس العراقية الشيعية؛ أيضاً من احتمال انسلاخ الحكم عنهم، ومن بقاء الفرد فيهم عارياً، أعزلَ أمام المهدِّد القاطن في ارواحهم منذ قرون طويلة، لذلك لن يكون يوم 30 أيلول 2026 ولن يكون أيُّ يوم من أيام العام 2027 ولا أيُّ يوم آخر موعداً جديداً ما لم تتغير طبيعة التفكير عند العراقيين وتفهم عند غيرهم .
تتوغل عميقةً في قلوبهم قضيةُ التحكيم الخاسرة بين علي ومعاوية، والهزيمة المريعة تلك، واللحظة المفصلية التي أضاعوا الحكم فيها، وتنتصب قلةُ جيش الحسين ومصرعه الدامي موجعة في قلوبهم، فهم يستحضرونها ومعها عشرات الثورات الخاسرة والاسماء المقتولة؛ كلما احتدمت في رأسهم فكرة السلطة، فالشيعي يبكي لحظته المفقودة عندما يبكي على الحسين. وفي روحه ثأرٌ راسخٌ وممضٌّ مع السلطة لم يستوفَ بعد، والعراقي الشيعي غير مطمئن لحاكمه الشيعي أيضاً، والضعيف بخاصة، هو يتطلع دائماً الى حاكم قويٍّ، كثير السلاح، وجيوشه متعددة، حتى إذا خسر جيشاً انتفض، وقام بآخر، وهكذا ستكون كل محاولات نزع سلاحه شبه مستحيلة، لأنَّ العملية هذه تقع خارج التكافآت والضمانات، هو ينتصر لإيران لا لأنه يحبّها أو المخلص لها إنما لأنه يرى فيها الضمانة والذخر والملاذ، الذي يهرع اليه كلما ضامه حاكم خارج طائفته.
بعد أكثر من ربع قرن؛ لم تعمل الدولة العراقية والى اليوم على كيفية تأهيل النفس العراقية، وتمكينها من فكرة إمكانية التعايش خارج منطق البندقية، التي ظلت مهيمنة في حياته، فهو حين يتظاهر ضد السلطة يفكر بالبندقية كحل أخير، وحين يتخاصم مع جاره يهرع لها، ويرفعها بوجه سائق الشفل الذي يزيح الأرض التي تجاوز عليها بالبندقية أيضاً، وهو يجعلها بأيدي مندفعة خارج بيت الشَّعَر الذي يقيم مجلس الصلح فيه، حتى إذا عزَّ السلام رفعها وقتل بها، ولا يني يرفعها بوجه أخيه، وابن عمه، وشيخه إذا اقتضى الامر، ولم يجد حلّاً لقضيته، وبخلاصة فأن العراقي مخلوق على هيئة بندقية، لذا، فهو يختلق السبل والحجج، وينتمي ويخلص الى هذا وذاك، الى هذه وتلك إذا وجد فيهم من يمنحه بندقية وإن كانت بندقية صيد.
في دولة لا يخضع الإنسان فيها الى القانون، ولا تُحترم المؤسسات، ويعجز الفرد عن حماية نفسه، وعائلته، وماله من أرذل متجبّر في جماعة، أو عضو نافر في حزب، أو متهور في عشيرة، وفي دولة لم تقم قائمتها الحقيقية بعد، وينخر الفساد أدق مفاصلها، ومستقبلها مرهون بيد الغيب، وخصومها في كل مكان، وينقسم مجتمعها طولياً وعرضياً لا يمكن الحديث فيها عن نزع السلاح! هناك فجوة عميقة بين فرض القوة والحاجة المضادة لها. قد يتساهل العراقي في تسليم سلاحه الى الدولة، وقد يتخلى عن حزمة(المكاوير)التي يضعها قرب باب بيته الخارجي وقد وقد .. لكن متى؟ هو يفعل ذلك إذا إطمئن بأنْ لا أحد سيضربه في غفلة منه، ولن يكون بحاجة الى السكن في عرين العشيرة، ومع حزمة الاخوان والعمام، وإذا تيقن بأنَّ حقّه مضمون عند الدولة إذا ما جار عليه مخلوقٌ؛ أيَّ مخلوق على الأرض.