ربّما لم يكن خطاب الرئيس السوريّ أحمد الشرع في نيويورك هو المشهد الأكثر تعبيراً عن مقدار ما تغيّر خلال عام. الصورة الأوضح جاءت من اجتماع دعا إليه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وجمع قادة ومسؤولين من دول الخليج وتركيا والأردن والعراق وسوريا ودول أخرى، لمناقشة الوضع مع إيران وأمن المنطقة ومحاولات خفض التصعيد.
جلس الشرع هذه المرّة إلى طاولة تبحث في أزمات الإقليم، بعدما كانت سوريا نفسها، في زيارته الأولى لنيويورك، أحد الملفّات التي يبحثها الآخرون.
قبيل بدء الاجتماع، انتظر الشرع لحظة التفات رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ إليه، ثمّ وقف وتوجّه نحوه لمصافحته وعناقه، قبل أن يعقدا لاحقاً اجتماعاً ثنائيّاً تناول العلاقات بين دمشق وبغداد والتنسيق السياسيّ والأمنيّ والتعاون الاقتصاديّ.
ليست المبادرة الشخصيّة إلى كسر جمود اللقاءات الحسّاسة جديدة في سلوك الشرع. ففي القمّة العربيّة الطارئة في القاهرة، في 4 آذار 2025، جاء لقاؤه الأوّل مع الرئيس المصريّ عبدالفتّاح السيسي في وقت كانت القاهرة أكثر حذراً من عواصم عربيّة أخرى تجاه القيادة السوريّة الجديدة. وكان التقرّب المباشر من السيسي محاولة لتقصير المسافة السياسيّة قبل أن تزول أسباب التحفّظ كاملة.
لكنّ العراق يحمل ثقلاً مختلفاً. فالعلاقة معه ليست محمّلة بالحذر السياسيّ فقط، وإنّما بإرث الحرب نفسها، بعدما شاركت فصائل عراقيّة موالية لإيران في القتال إلى جانب جيش الأسد.
تنبّه الشرع إلى حساسيّة هذه العلاقة مبكراً، حتّى قبل أن يصل إلى دمشق. ففي5 كانون الأوّل 2024، وبينما كانت عمليّة “ردع العدوان” التي قادها الشرع تتقدّم جنوباً بعد السيطرة على حماة، وجّه، وهو لا يزال يُعرف بـ “أبي محمّد الجولانيّ”، رسالة مباشرة إلى رئيس الوزراء العراقيّ محمّد شياع السودانيّ دعاه فيها إلى منع فصائل “الحشد الشعبيّ” من دخول سوريا لمساندة نظام بشّار الأسد. وفي الوقت نفسه طمأن بغداد إلى أنّ قوّاته لا تريد نقل الحرب إلى العراق، وتحدّث منذ ذلك الوقت عن علاقات سياسيّة واقتصاديّة مستقبليّة بين البلدين.
بين تلك الرسالة ومشهد نيويورك أقلّ من عامين. كان الشرع يقود معركة “ردع العدوان” ويحاول إبقاء العراق خارج الحرب السوريّة، واليوم يجلس رئيساً لسوريا مع رئيس الحكومة العراقيّة في اجتماع دعا إليه الرئيس الأميركيّ لمناقشة أمن المنطقة.
المفارقة هنا لا تتعلّق بتحوّل موقع الشرع وحده. فهي تكشف أيضاً انتقال سوريا من ساحة تتداخل فيها جيوش وفصائل ومحاور إقليميّة، إلى دولة تحاول إعادة بناء علاقاتها مع الجوار على قاعدة المصالح المباشرة بين الحكومات.
من الحذر إلى المبادرة: الشّرع يقصّر مسافات العزلة
كانت الزيارة الأولى لنيويورك مختلفة. حين وصل الشرع إلى هناك في أيلول 2025، كان حضوره إلى الأمم المتّحدة حدثاً بحدّ ذاته. بقيت العلاقة معه ومع السلطة الجديدة في دمشق محاطة بالحذر، حتّى مع تعدّد لقاءاته الثنائيّة.
كان التركيز منصبّاً بدرجة كبيرة على شخصه: ماضيه، انتقاله من قيادة تنظيم مسلّح إلى رئاسة الدولة، وقدرة السلطة الجديدة على الانتقال من منطق الفصائل إلى منطق المؤسّسات. وكانت العقوبات ما تزال قائمة، فيما حضرت أسئلة الحكم وحقوق المكوّنات و”قسد” والمقاتلين الأجانب وإسرائيل في معظم النقاشات المرتبطة بسوريا.
بين الزيارتين تغيّر الكثير. رُفع اسم الشرع من قوائم العقوبات، ودخل البيت الأبيض والتقى ترامب، وأزيلت سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتراجعت أجزاء أساسيّة من منظومة العزلة التي أحاطت بدمشق. لكنّ التحوّل الأوضح ربّما لا يظهر في القرارات وحدها، وإنّما في طبيعة الحركة السياسيّة نفسها.
في الزيارة الأولى كانت العواصم تقيس المسافة التي ينبغي أن تفصلها عن الشرع. وفي الزيارة الثانية يبدو الشرع أكثر انشغالاً بتقصير هذه المسافات بنفسه: مع بغداد التي حملت علاقتها بسوريا إرث الفصائل والحرب، ومع القاهرة التي تعاملت بحذر مع السلطة الجديدة، ومع واشنطن التي انتقلت علاقتها بدمشق خلال عام من رفع القيود إلى اللقاءات المباشرة.
هذه ليست دبلوماسيّة مصافحات ومجاملات فقط، فالمبادرة الشخصيّة لا تلغي خلافات السياسة ولا تمحو ذاكرة الحروب، لكنّها قد تفتح الباب أمام تحويل الخصومة القديمة إلى تفاوض مباشر، والحذر إلى علاقة قابلة للإدارة، خصوصاً إذا كان العراق بحاجة إلى سوريا لتمرير نفطه بعد أزمة إغلاق مضيق هرمز.
حدود تقصير المسافات
مع ذلك، يكشف ملفّ العلاقة مع إسرائيل حدود ما يمكن أن تفعله هذه العودة. قال الشرع في نيويورك إنّ المفاوضات السوريّة الإسرائيليّة وصلت، وفق روايته، إلى نحو 90 في المئة من التفاهم، فيما بقي الخلاف قائماً حول الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط الأسد والعودة إلى خطوط اتّفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، إلى جانب الموقف السوريّ من الجولان السوريّ المحتلّ.
هنا لا تكفي المصافحات ولا العلاقات الجديدة مع واشنطن. فاقتراب دمشق من واشنطن، واتّساع حضورها في الاجتماعات الإقليميّة، لم يتحوّلا حتّى الآن إلى انسحاب إسرائيليّ أو تسوية مستقرّة في الجنوب، كما أنّ الانفتاح السياسيّ الخارجيّ لم ينعكس بعد بالقدر نفسه على الاقتصاد والملفّات الداخليّة. وهذا هو الحدّ الفاصل بين تقصير المسافة السياسيّة وبين تحويلها إلى قدرة فعليّة.
سنة واحدة فصلت بين صورتين: في الأولى كانت العواصم تقيس المسافة التي ينبغي أن تتركها بينها وبين الشرع، وفي الثانية بدا الشرع نفسه منشغلاً بتقصير تلك المسافات.
وقيمة هذا التحوّل ستُقاس بما تستطيع دمشق أن تنتجه من هذه العلاقات داخل سوريا من أمن واقتصاد وسيادة وعلاقات أكثر استقراراً مع جوارها.
