ماذا يحدث عندما يتحوّل مكان شهد اعتقالاً وتعذيباً واختفاءً قسرياً إلى موقع للذاكرة؟ يبدو هذا السؤال، للوهلة الأولى، متعلقاً بمستقبل المكان نفسه، لكنه يُثير في الواقع مسألة أوسع تتعلّق بالكيفية التي تتعامل بها المجتمعات الخارجة من العنف مع ماضيها. ولهذا، برز تحويل السجون السابقة ومواقع الانتهاكات الجسيمة إلى متاحف أو فضاءات للذاكرة بوصفه إحدى أكثر ممارسات إحياء الذاكرة (practices of memorialization) حضوراً في المجتمعات الخارجة من العنف. وفي سوريا، برز هذا النقاش بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024 مع الدعوات إلى تحويل سجن صيدنايا إلى متحف، باعتباره أحد أبرز رموز الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري. وتزامنت هذه الدعوات مع نقاش أوسع حول إحياء الذاكرة بعد العنف، استند كثير من أطروحاته إلى خبرات دولية في تحويل مواقع الانتهاكات إلى فضاءات للذاكرة.

غير أنّ هذا المقال لا يُناقش ما إذا كان ينبغي تحويل صيدنايا إلى متحفٍ، ولا يسعى إلى الدفاع عن هذا المقترح أو معارضته. وإنما ينطلق من سؤال مختلف: ماذا يمكن أن تُضيف الحالة السورية إلى النقاش حول تحويل أماكن العنف إلى مواقع للذاكرة؟ وإلى أيِّ حدٍّ تُساعدنا التجارب الدولية في إحياء الذاكرة بعد العنف على فهم العلاقة التي يُقيمها المتضررون مع هذه الأماكن داخل سياقهم الاجتماعي والسياسي؟

إن قيمة تجارب دول أخرى لا تكمُن في تقديم نماذج جاهزة للتطبيق، ولا في بناء نماذج توفيقية، بل في إتاحة إمكان المقارنة وطرح الأسئلة. فقد تشكّلت هذه الخبرات في سياقات تاريخية واجتماعية وسياسية مختلفة، واستجابت لأشكال مختلفة من العنف، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن الكيفية التي تُفهم بها هذه الممارسات عندما تُطرح في سياق جديد، بدل افتراض أنها ستكتسب الدلالات نفسها التي اكتسبتها في السياقات التي نشأت فيها.

إذا كان السؤال يتعلق بالكيفية التي تُفهم بها ممارسات إحياء الذاكرة، فإن الإجابة عنه لا يمكن أن تُستمد من النقاشات العامة أو من تجارب الآخرين وحدها، بل تتطلب الإصغاء إلى الأشخاص الذين تشكّلت علاقتهم بهذه الأماكن من خلال تجربة العنف أو التعذيب نفسها. ومن هذا المنطلق، تُمثّل مقابلات أبناء وبنات المفقودين مدخلاً مناسباً لاستكشاف هذا السؤال، لأنّ حياتهم تشكّلت في ظلّ الاختفاء القسري لآبائهم أو أمهاتهم، وفي ظلّ العلاقة المركبة التي نسجوها مع الأماكن المرتبطة بهذه التجربة، وفي مقدمتها سجن صيدنايا.

وللاقتراب من السؤال، يستند هذا التحليل إلى بحث أجريته مع «رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، ونُشرَ بعنوان: ماذا لو كان على قيد الحياة؟. كان الهدف الأساسي منه فهم تجارب أبناء وبنات مفقودين في معتقلات النظام السوري السابق مع الفقد وآثاره في حياتهم اليومية. ولم يكن السؤال عن تحويل صيدنايا إلى متحف جزءاً من أسئلة البحث الأساسية، لكنه برز بصورة متكررة أثناء المقابلات باعتباره امتداداً للطريقة التي يفهم بها المشاركون علاقتهم بالمكان، وبالماضي الذي يُمثّله.

لم يكن أكثرُ ما لفت انتباهي في المقابلات هو معارضة معظمهم لتحويل سجن صيدنايا إلى متحف، بل أنّ هذا الرفض كان مشتركاً بينهم، على الرغم من اختلاف أعمارهم وتجاربهم وظروف فقدهم. ولم يكن هذا الموقف تعبيراً عن رفضٍ لحفظ الذاكرة، أو اعتراضاً على توثيق الانتهاكات، أو إنكاراً لأهمية الاعتراف بالضحايا. فعلى العكس، شدَّد المشاركون، بطرق مختلفة، على أهمية كشف الحقيقة، وحفظ ذاكرة المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. لكنهم لم يتعاملوا مع تحويل صيدنايا إلى متحف بوصفه طريقاً طبيعياً لتخليد ذكرى الضحايا. قادني ذلك إلى التعامل مع هذه المواقف، لا بوصفها مجرد رفض لتحويل صيدنايا إلى متحف، بل بوصفها مدخلاً لفهم سؤال أوسع: كيف تُفهم ممارسات إحياء الذاكرة عندما تُقرأ من داخل الخبرة المعيشة للمتضررين؟

للإجابة عن هذا السؤال، كان لا بد من العودة إلى الكيفية التي عاش بها المشاركون تجربة الاختفاء القسري. وصفت إحدى المشاركات علاقتها بوالدها المفقود بقولها: «هو في الحقيقة لم يكن غائباً؛ كان حاضراً دائماً معي». ولم تكن هذه العبارة استثناءً في المقابلات، بل عبّرت بكثافة عن خبرة تكرّرت لدى كثير من أبناء وبنات المفقودين. فقد أظهرت المقابلات التي استند إليها هذا المقال أن الاختفاء القسري لم يتحول، بالنسبة إليهم، إلى حدث انتهى في الماضي، بل إلى زمن معلّق يستمر في تنظيم الحاضر. ظلَّ المفقود حاضراً في القرارات اليومية، وفي تخيُّل المستقبل، وفي العلاقة بالمكان نفسه. وإذا كان الغياب لم يُعَش بوصفه ماضياً منتهياً، أمكن فهم سبب عدم تعامل كثير من المشاركين مع المكان المرتبط بهذه التجربة بوصفه أثراً تاريخياً جاهزاً للتحول إلى موقع للذاكرة. وبذلك، لا يبدو رفض تحويل صيدنايا إلى متحف رفضاً لفكرة الذاكرة بحدِّ ذاتها، بل تعبيراً عن أن المكان، بالنسبة إلى كثير من المشاركين، لم يغادر بعد الزمن الذي أنتجته تجربة العنف.

غير أن هذا الرفض لم يكن يستند إلى معنىً واحد. فقد عبّر أحد المشاركين عن رفضه لفكرة تحويل صيدنايا إلى متحف بقوله: «كأن تكوي شخص ما بالنار بقطعة من الحديد، ثم تُحضِره لمشاهدتها يومياً!»، لا تصف هذه الاستعارة المتحف بوصفه مكاناً للذاكرة، بل تُعيد تعريفه بوصفه استمراراً لفعل الإيذاء نفسه. فالمشكلة ليست في استحضار الماضي، وإنما في أن المكان لا يزال يحمل، بالنسبة إلى صاحبه، القدرة نفسها على إلحاق الألم. فهنا لا يُقرأ المتحف بوصفه اعترافاً بالضحايا، بل استمراراً لتجربة الإيذاء، بحيث يُصبح الانتقال من السجن إلى المتحف استمراراً للعلاقة نفسها مع المكان، لا قطيعة معها. أمّا لدى مشاركين آخرين، فقد اتَّخذ الرفض معنىً مختلفاً. فلم يكن الاعتراض موجهاً إلى فكرة الذاكرة، وإنما إلى افتراض أن حفظها يقتضي الإبقاء على المكان نفسه. كما قال أحد المشاركين: «هذا المكان يجب أن يُهدَم، ماذا تريدوننا أن نتذكر!» فقد رأى بعض المشاركين أن الذاكرة يمكن أن تُصان بوسائل أخرى؛ من خلال توثيق قصص المفقودين، أو تخليد أسمائهم، أو إنشاء فضاءات تذكارية لا تستدعي العودة إلى المكان الذي ارتبط، بالنسبة إليهم، بالتعذيب والفقد. وبالنسبة لهؤلاء، لم يكن هدم المكان أو إغلاقه نقيضاً للذاكرة، بل أحدَ السُّبل الممكنة لحمايتها من أن تبقى أسيرة فضاء العنف الذي تشكّلت فيه.

أكثر التأويلات حساسيةً لم تظهر أثناء المقابلات المسجلة، بل في عدد محدود من الأحاديث التي استمرت بعد إيقاف التسجيل. ففي تلك اللحظات، لم يعُد الحديث يدور حول العلاقة الشخصية بصيدنايا، بل حول ما قد يُمثّله إذا تحوَّل إلى رمز عام. وفي أحاديث بعض المشاركين، اكتسب المتحف معنى مختلفاً، إذ فُهِم من خلال الانقسامات الاجتماعية والسياسية التي ما تزال تُشكِّل الواقع السوري، بوصفه تكريساً لذاكرة جماعة أو انتصاراً رمزياً لطرف على آخر خلال حكم نظام الأسد. ولا تسمح هذه الأحاديث بالقول إن هذه القراءة تُمثِّل موقفاً عاماً، لكنها تكتسب أهميتها من السياق الذي ظهرت فيه. فالتعبيرات المرتبطة بالانقسامات الاجتماعية والسياسية كثيراً ما تخضع لرقابة ذاتية أثناء المقابلات الرسمية، وقد لا تظهر إلا عندما يُصبح الحديث أقل رسمية. ويكشف ذلك أن انتقال ممارسات إحياء الذاكرة من الخبرة الشخصية إلى المجال العام لا ينقل معها المعنى نفسه، بل يفتح المجال أمام تأويلات جديدة قد تُصبح جزءاً من المعاني الاجتماعية التي ستعمل هذه الممارسات داخلها.

يكشف ذلك أن السؤال لا يتعلق بالمتحف بوصفه مبنى، بل بما قد يُصبح عليه عندما يتحوّل إلى رمز عام. فعندما تنتقل ممارسات إحياء الذاكرة من الخبرة الشخصية إلى المجال العام، لا يعود معناها محكوماً فقط بالمقاصد التي أُنشئت من أجلها، بل أيضاً بالانقسامات والذاكرات التي تدخل إليها. ولذلك، فإن المشكلة لا تكمن فقط في أن تُفهم هذه الممارسات على نحو يختلف عن المقصود منها، بل في أن تكتسب معاني جديدةً تُصبح جزءاً من الواقع الاجتماعي الذي ستعمل داخله. ولهذا، لا يُختزل معنى المكان في ما جرى فيه، بل يتشكّل أيضاً في الكيفية التي يُعاد بها تأويله اجتماعياً.

فإذا كان الاختفاء القسري قد أنتج زمناً معلقاً، بحيث بقي المفقود حاضراً في الحياة اليومية، فإن المكان المرتبط بهذه التجربة قد يبقى هو الآخر معلقاً بين الماضي والحاضر. ومن هذا المنظور، يُمكِن فهم بعض الدعوات إلى هدم المكان أو إغلاقه باعتبارها محاولة لإعادة المكان إلى الماضي – بوصفه ماضياً لا خبرةً مستمرة – لا باعتبارها رغبة في محو الذاكرة أو إنكار ما جرى فيه. وتُشير هذه المواقف إلى أن العلاقة بين الذاكرة والمكان ليست دائماً علاقة حفظ أو إبقاء، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في الافتراض الشائع في أدبيات إحياء الذاكرة بأن الحفاظ على المكان هو الشكل الأفضل لصون الذاكرة. ولا يعني ذلك التقليل من قيمة التجارب الدولية أو الأدبيات المتعلقة بإحياء الذاكرة، بل إعادة التفكير في طبيعة ما ينتقل منها بين السياقات؛ فالحالة السورية تكشف أن ما ينتقل ليس معنى ممارسات إحياء الذاكرة، بل أشكالها. ولذلك، فإن تبنّي نماذج جاهزة للذاكرة أو العدالة الانتقالية، مثل تحويل أماكن الاعتقال إلى متاحف، قد ينطوي على مخاطر إذا نُقلت من سياق إلى آخر من دون فهم المعاني التي يُضفيها المتضررون أنفسهم على هذه الممارسات. وتنسجم هذه النتيجة مع ما كشفه التقرير من أن أبناء وبنات المفقودين لم يبحثوا عن إعادة إنتاج العلاقة مع أماكن العنف، بقدر ما بحثوا عن سُبل مختلفة لتنظيم علاقتهم بالماضي بعد سنوات من استمرار حضوره في حياتهم اليومية، وهو ما يفتح سؤالاً سوسيولوجياً أوسع.

من منظور سوسيولوجي، لا يُمكن فهم ممارسات إحياء الذاكرة من خلال وظائفها المُعلنة وحدها، لأن المتضررين لا يواجهونها بوصفها أفكاراً مجردة، بل من خلال العلاقة التي نسجوها مع المكان، ومع الماضي الذي يُمثّله، ومع ما تركته تجربة العنف في حياتهم. ولذلك، لا يمكن افتراض معنى هذه الممارسات مسبقاً أو استخلاصه من المقاصد التي أُنشئت من أجلها، بل يقتضي فهمه الإصغاء إلى الخبرات المعيشة التي تُقرأ من خلالها. ويشير ذلك إلى أهمية البحوث النوعية، بما فيها الدراسات الأنثروبولوجية، في فهم الكيفية التي يتشكّل بها هذا المعنى، وهي معرفة يصعب أن توفرها تقارير التوثيق أو المقاربات القانونية والمؤسسية وحدها.

ومن ثم، فإن نجاح ممارسة ما في سياقٍ مُعيَّن لا يعني أنها ستُفهم أو تؤدي الدور نفسه في سياق آخر. ولهذا، لا تتمثّل الإضافة التي تُقدِّمها الحالة السورية في تقديم إجابة جديدة عن أفضل ممارسات إحياء الذاكرة، بقدر ما تتمثل في إظهار أن هذا السؤال نفسه لا يُمكن الإجابة عنه قبل فهم الكيفية التي يكتسب بها المتضررون معنى تلك الممارسات داخل خبرتهم الاجتماعية. فمعنى أماكن العنف لا يُحمل إليها من خارجها، ولا تستمده من الوظيفة التي تُسند إليها، بل يتشكّل في العلاقة التي يُقيمها معها من عاشوا آثارها. وفهم هذه العلاقة ليس نتيجة لسياسات الذاكرة، بل هو شرطٌ سابق لتصميمها.