ستّ قيم لهويّة واحدة رُفعت في ذكرى اليوم الوطنيّ السعوديّ الـ96: عزّنا بجودنا، عزّنا بكرمنا، عزّنا بأصالتنا، عزّنا بشجاعتنا، عزّنا برؤيتنا، وعزّنا بهمّتنا.
بهذه القيم الستّ، صُنعت الهويّة السعوديّة لمملكة، بقيادتها وشعبها ورسالتها. وهي هويّة لم تولد في يوم واحد، ولم تكن نتاج طفرة اقتصاديّة أو ثروة نفطيّة فحسب، بل تشكّلت عبر مسار تاريخيّ طويل بدأ بالتوحيد، وترسّخ ببناء الدولة ومؤسّساتها، ثمّ تطوّر مع التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وصولاً إلى “رؤية السعوديّة 2030”.
عزّنا بشجاعتنا
في 14 كانون الثاني 1902، استعاد الملك الراحل عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الرياض، لتبدأ رحلة توحيد استمرّت نحو ثلاثة عقود. وفي 23 أيلول 1932، دخل الأمر الملكيّ بتوحيد البلاد وتسميتها “المملكة العربيّة السعوديّة” حيّز التنفيذ، بعد مسار استمرّ نحو 30 عاماً. ومنذ ذلك التاريخ أصبح 23 أيلول اليوم الوطنيّ للمملكة.
لم تكن عمليّة التوحيد مجرّد جمع للجغرافيا، بل كانت بداية صناعة هويّة وطنيّة تجمع مناطق وقبائل ومدناً تحت دولة واحدة. وهنا تبرز قيمة “عزّنا بشجاعتنا”، إذ ارتبط تأسيس المملكة بالقدرة على الانتقال من مرحلة الصراعات والتشتّت إلى بناء دولة مركزيّة ومؤسّسات ونظام سياسيّ.
بعد التوحيد، بدأت معركة أخرى لا تقلّ أهميّة: تثبيت الدولة وبناء اقتصادها وفتح أبواب التعليم والخدمات وإقامة البنى الأساسيّة التي تربط مساحاتها الشاسعة.
عزّنا برؤيتنا… “بئر الخير” غيّرت الاقتصاد
بعد أشهر فقط من إعلان المملكة، وقّع الملك عبدالعزيز في 29 أيّار 1933 اتّفاقيّة امتياز للتنقيب عن النفط مع شركة “ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا”. وبعد سنوات من التنقيب، جاء التحوّل الكبير في آذار 1938 عندما بدأ إنتاج النفط بكميّات تجاريّة من بئر الدمّام رقم 7، التي عُرفت لاحقاً باسم “بئر الخير”.
غيّر النفط وجه الاقتصاد السعوديّ، لكنّه لم يُلغِ السمات التي سبقت اكتشافه. فالدولة سبقت البئر، ومشروع التوحيد سبق الثروة، ثمّ تحوّلت العائدات النفطيّة إلى أداة لبناء الطرق والمدارس والمستشفيات والمطارات والمدن والبنية التحتيّة.
بمرور العقود، أصبحت السعوديّة أحد أبرز الفاعلين في سوق الطاقة العالميّة، لكنّ الرؤية الاقتصاديّة لم تتوقّف عند النفط. ففي عام 2016، أُطلقت “رؤية السعوديّة 2030” بهدف توسيع القاعدة الاقتصاديّة وتعزيز القطاعات غير النفطيّة والاستثمار والسياحة والصناعة والتكنولوجيا.
الأرقام تعكس حجم التحوّل. ففي عام 2025، بلغ الناتج المحلّيّ الإجماليّ السعوديّ بالأسعار الجارية نحو 4.789 تريليونات ريال، وسجّل الاقتصاد الحقيقيّ نموّاً بنسبة 4.5 في المئة، فيما نمت الأنشطة غير النفطيّة بنسبة 4.9 في المئة.
عزّنا بهمّتنا… السّعوديّ في قلب التّحوّل
لم تكن صناعة الهويّة السعوديّة اقتصاديّة فقط، بل كان الإنسان عنصراً مركزيّاً فيها. فمن نشر التعليم إلى تأسيس الجامعات، ومن بناء القطاع الصحّيّ إلى تأهيل الكفاءات، تراكم الاستثمار في الإنسان السعوديّ جيلاً بعد جيل.
في السنوات الأخيرة، ظهرت نتائج تحوّلات سوق العمل بصورة واضحة. فبحسب التقرير السنويّ لـ”رؤية السعوديّة 2030″ لعام 2025، بلغ معدّل البطالة بين السعوديّين 7.2 في المئة، مقارنة بـ12.3 في المئة عام 2016. كما وصلت مشاركة المرأة السعوديّة في سوق العمل إلى 35.5 في المئة عام 2025، بعدما تجاوزت أصلاً المستهدَف الذي وضعته الرؤية للمرحلة الأولى. ووصل عدد السعوديّين العاملين في القطاع الخاصّ إلى نحو 2.6 مليون شخص.
هنا يصبح “عزّنا بهمّتنا” توصيفاً لمسار انتقلت فيه التنمية من الاعتماد على الموارد وحدها إلى الرهان المتزايد على الكفاءات البشريّة.
عزّنا بأصالتنا… الحداثة لا تلغي الجذور
وسط الأبراج والمدن الجديدة والمشروعات العملاقة، بقيت الهويّة السعوديّة مرتبطة بجذورها العربيّة والإسلاميّة. فمكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة تمنحان المملكة مكانة دينيّة خاصّة، فيما تشكّل العادات والتراث واللغة والعمارة والفنون المحليّة عناصر راسخة في الشخصيّة الوطنيّة.
لهذا لم يكن الانفتاح على السياحة والثقافة منفصلاً عن إعادة تقديم التراث السعوديّ إلى العالم. العُلا والدرعيّة وجدّة التاريخيّة والأحساء وغيرها لم تعد مجرّد شواهد من الماضي، بل أصبحت جزءاً من صناعة الحاضر السياحيّ والثقافيّ.
الأرقام هنا لافتة أيضاً. فقد سجّلت المملكة نحو 123 مليون سائح محلّيّ ودوليّ خلال 2025، بينهم أكثر من 30 مليون زائر دوليّ، بعدما كانت “رؤية 2030” قد وضعت في بدايتها هدف الوصول إلى 100 مليون زيارة سنويّاً، وهو هدف تحقّق قبل موعده، لترفع المملكة طموحها إلى 150 مليون زيارة بحلول 2030.
عزّنا بجودنا وكرمنا… قيمة اجتماعيّة تتجاوز الحدود
أمّا “الجود” و”الكرم” فهما من القيم المتجذّرة في المجتمع السعوديّ: من تقاليد الضيافة العربيّة إلى خدمة ملايين الحجاج والمعتمرين الآتين سنويّاً من مختلف أنحاء العالم.
مع تطوّر الدولة، انتقلت هذه القيم أيضاً من المبادرات الفرديّة والاجتماعيّة إلى العمل المؤسّسيّ والإغاثيّ والتطوّعيّ. وفي عام 2025، أظهرت بيانات الهيئة العامّة للإحصاء أنّ نسبة من مارسوا العمل التطوّعيّ بين السكّان بعمر 15 عاماً فأكثر خلال فترة الاثني عشر شهراً بلغت 19 في المئة.
ستّ قيم… ومملكة تتغيّر من دون أن تفقد هويّتها
من الرياض عام 1902 إلى إعلان المملكة عام 1932، ومن “بئر الخير” عام 1938 إلى “رؤية 2030″، تمتدّ رحلة طويلة صنعت خلالها السعوديّة نموذجها الخاصّ في الجمع بين التاريخ والتحديث.
لقد تغيّرت المملكة كثيراً: اقتصادها أصبح أكثر تنوّعاً، مدنها توسّعت، حضور المرأة في سوق العمل ازداد، والسياحة والترفيه والثقافة تحوّلت إلى قطاعات اقتصاديّة، فيما تتّجه الرياض لاستضافة “إكسبو 2030” وتستعدّ المملكة لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2034.
لكن خلف كلّ هذه التحوّلات بقي السؤال واحداً: كيف تتقدّم الدولة من دون أن تفقد الشخصيّة التي صنعتها؟
ربّما تختصر القيم الستّ الجواب: شجاعة صنعت الوحدة، ورؤية تخطّط للمستقبل، وهمّة تبني، وأصالة تحفظ الجذور، وجود وكرم يعبّران عن المجتمع.
بين المملكة التي أعلن توحيدها الملك عبدالعزيز قبل أكثر من تسعة عقود، والمملكة التي تقود اليوم مشروع تحوّل واسع تحت قيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز ووليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، بقيت الهويّة السعوديّة مشروعاً يتراكم ولا يبدأ من جديد.
لهذا، في اليوم الوطني، لا تكون الحكاية مجرّد استذكار لتاريخ إعلان دولة، بل قراءة لمسيرة وطن صنع هويّته مرحلة بعد أخرى. ستّ قيم لهويّة واحدة..
