أشرت في القسم الأول من هذه المقالة (“ضفة ثالثة”، 9 أيلول/ سبتمبر، 2026) إلى الضجة التي أثارتها مترجمة “أوديسة” هوميروس إلى الإنكليزية الأكاديمية البريطانية إميلي ويلسون، عندما أعلنت أنها ستعيد ترجمة العمل مرَّةً أخرى، رغم النجاح الكبير الذي حصدته تلك الترجمة، وعلى الصعيد التجاري أيضًا، إذ باعت أكثر من مليون نسخة، خلال عشر سنوات. وفي الجزء الثاني من هذه المقالة أناقش بعض ما يتصل بفعل الترجمة، وإشكالاتها، ودواعي إعادة الترجمة، خصوصًا للأعمال الأدبية والفلسفية الكبرى في تاريخ الإنسانية.
على الرغم من غرابة مشروع إميلي ويلسون في إعادة ترجمة عمل نشرت ترجمته الأولى له منذ أقل من عشر سنوات، إلا أن ثمَّة أعمالًا أدبية كبرى تستحق أن يعود إليها المترجمون مرَّّةً ثانيةً وثالثة ورابعة، لا بدوافع تجارية، كما يحصل أحيانًا، بل بغرض تجديد حضور تلك الأعمال في اللغات الهَدَف (أي المترجَم إليها)، ومن أجل تقريب تلك الأعمال من قراء المرحلة التاريخية التي تتمُّ فيها الترجمة. فالترجمات القديمة لنصٍّ قديم، مثل “الأوديسة”، أو “الإلياذة”، أو المسرح الإغريقي، أو “الكوميديا الإلهية” لدانتي، أو “دون كيخوته” لسيرفانتِس، تصبح هي نفسها في حاجة إلى ترجمة، لاختلاف القاموس اللغوي المتداول، وتبدُّل معاني الكلماتِ، واكتسابِها معانيَ جديدة، وحتى بسبب تطورِ النحو، في بعض اللغات، وظهورِ لهجاتٍ وسياقاتٍ لغوية، تجعل الترجمات العتيقة أجنبيَّةً وغريبةً، مثلها مثل النص الأصل. وتدفع هذه السياقات اللغوية، والثقافية، والاجتماعية، المترجمين إلى العودةِ إلى النصوص الكلاسيكية، التي اكتسبت حضورًا، ومارست تأثيرًا، في اللغات والثقافات، المترجَم إليها، وترجمتِها من جديد. فإذا أخذنا في الحسبان أن بعض الترجمات القديمة نَقلتْ تلك الأعمال الكلاسيكية، وصاغتها شعرًا، أو أسقطت في الترجمة القليلَ، أو الكثيرَ من النص الأصلي، أو تصرَّفت، وأعادت صياغة الأصل، بطريقة تناسب قراءَ عصرها، فإن العودة إلى ترجمة تلك الكلاسيكيات تبدو مفهومة، بل ضرورية. يصدق هذا على إعادة ترجمة “الأوديسة”، أو “الإلياذة”، إلى الإنكليزية، كما يصدق على ترجمتهما إلى اللغة العربية. ولا شكَّ في أن ترجمة سليمان البستاني (1856 ــ 1925) لــ”الإلياذة” شعرًا (1904) تبدو غريبةً على القارئ العربي المعاصر، ما دعا أمين سلامة (1956)، وممدوح عدوان (2002)، وأحمد عتمان (2004)، إلى إعادة ترجمتها، بغضِّ النظر عن الدوافع المختلفة التي جعلت هؤلاء المترجمين يعودون إلى نص هوميروس لنقله إلى العربية من جديد. ولا تقتصر إعادة الترجمة على الأعمال الكلاسيكية القديمة، بالطبع، بل تمتدُّ إلى أعمال حديثة، أو حتى معاصرة. فرواية البريطاني ــ البولندي جوزيف كونراد Joseph Conrad (1857 ــ 1924) “قلب الظلام” Heart of Darkness (1899) تمَّت ترجمتها إلى اللغة العربية أربع مرات، وبعناوين مختلفة (قلب الظلام، قلب الظُلمة، قلب الظلمات)، وتعاقب على ترجمتها: صلاح حزيِّن، وهاني سمير يارد، وهدى حبيشة، ورسول درويش.
والأمرُ نفسه يصدق على رواية الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927 ــ 2014) “مائة عام من العزلة” (1967)، التي ترجمت خمس مرات، عن الفرنسية مرة، وعن الإنكليزية، وعن الإسبانية، وتعاقب على ترجمتها: سامي الجندي وإنعام الجندي، ومحمد الحاج خليل، وصالح علماني، وسليمان العطار. ولا شكَّ في أن نجاح العمل يدفع المترجمين إلى إعادة الترجمة، أي أنهم يجدون الترجمات السابقة ناقصةً، أو تفتقر إلى الدقة، أو أنها تتسم بالركاكة (مثل كثيرٍ من الترجمات إلى العربية التي تقذفها المطابع هذه الأيام)، أو أن المترجم يسعى إلى إعادة توكيد حضور ذلك العمل في اللغة التي يترجم إليها.
***
لكن السبب الأساسي الذي يدفع المترجمين إلى إعادة ترجمة عمل سبق أن حققت ترجماته نجاحًا وحضورًا في اللغات الهَدَف (وأنا أستبعد هنا الدوافعَ التجارية التسويقية، والرغبةَ في الربح، لأنها عارضةٌ، وعابرةٌ، ومؤقتةٌ، ولا تقع في دائرة اهتمام المشتغلين في نظرية الترجمة ودراساتها) يعود في صورة أساسية إلى فعل الترجمة نفسه، وإلى الإشكالات التي يولِّدها النقلُ من لغة إلى لغة، ومن ثقافة إلى ثقافة، ومن عصرٍ إلى عصر، بكل ما يتصل بذلك من تحولات اجتماعية وثقافية وحضارية ولغوية، داخل الثقافات نفسها، وفي ما بينها كذلك.
إن نظرية الترجمة، حسب الفيلسوف والناقد الأدبي الفرنسي ــ الأميركي جورج شتاينر George Steiner (1929 ــ 2020) هي نظريةٌ في اللغة، وفي أفعال الكلام، والتواصل. ولا يمكن فهم الإشكالات التي تتولَّد في الترجمة، إلا إذا فهمنا أننا نواجه المشكلات نفسها تقريبًا في استعمالنا للغة، حتى داخل المجموعة اللغوية نفسها، وكذلك في التواصل بين شخصين، في تلك المجموعة اللغوية، وضمن اللهجات الفردية Idiolects. إن الترجمة، حسب شتاينر، هي مظهرٌ أساسيٌّ من مظاهر أيِّ فعلٍ تواصليٍّ… “لكي نفهم علينا أن نفكَّ الرموز. لكي نتوصَّل إلى المعنى علينا أن نترجم. ومن ثمَّ، فإن المعضلات البنيوية والإجرائية الجوهرية الخاصة بفعل الترجمة موجودةٌ، قبل ذلك، في أفعال الكلام، والكتابة… والترجمة بين اللغات المختلفة تستدعي استخدامًا محددًا لنموذج معينٍ وتركيبٍ أساسيٍّ خاصٍّ بالكلام لدى البشر”(1).
| جورج شتاينر: أيُّ نموذجٍ للتواصل هو في الوقت نفسه نموذجٌ خاصٌّ بالترجمة، أي بنقل المعنى، أفقيًّا أو عاموديًّا |
بالمعنى السابق، فإن أيَّ تواصلٍ كلامي، أو حتى من خلال الصور، أو الإشارات، أو غيرها من أشكال التواصل، بين اثنين، أو أكثر من الناس، هو فعلُ ترجمةٍ، وفعلُ تأويلٍ، في الوقت نفسه. ولا سبيل لفكِّ شيفرة الكلام إلا من خلال امتلاك معرفة باللغة، واللهجة، والسياق، والطبقة الاجتماعية، والظلال اللغوية للكلمات، واللهجات الفردية، والمقاصد الفردية للمتكلمين. ومع ذلك، تبقى هنالك فجواتٌ، وإساءاتُ فهم، وبقعٌ غامضةٌ في أفعال التواصل بين البشر. إن اللغة أداةُ غموض، كما هي أداةُ إبانة. وهو ما ينعكس على الترجمة، حين تكون بين اللغات، والثقافات، والحضارات.
يقول شتاينر: “إن دراسة الترجمة هي دراسة للغة”(2)، و”أيُّ نموذجٍ للتواصل هو في الوقت نفسه نموذجٌ خاصٌّ بالترجمة، أي بنقل المعنى، أفقيًّا أو عاموديًّا، فليس هنالك حقبتان تاريخيتان، أو طبقتان اجتماعيتان، أو منطقتان، تستعملان الكلمات والنحو، لتشيرا تمامًا إلى معاني الأشياء نفسها”(3). يصدق هذا على الأفراد، كما يصدق على الجماعات. وبدون هذا الفهم لعملية الترجمة، بوصفها فعلًا تواصليًّا، محفوفًا بالغموض، وسوءِ الفهم، وخطأِ القراءة، يصعب أن ندرك الأسباب الحقيقية التي تدفع المترجمين إلى إعادة ترجمة الأعمال الأدبية، أو النصوص الفلسفية الكبرى، وكذلك النصوص الدينية. فحين نقرأ تلك الأعمال نشعر على الدوام أن هنالك ما تُرِك، ولم يجد له المترجمُ حلًّا في نصه المترجَم. ثمَّة فجواتٌ في النص المنقول، من لغة إلى لغة، تستدعي إعادةَ النظر، والقيامَ بمهمة الترجمة، وتخليق النص في اللغة الهدف من جديد. يرى الفيلسوف الإسباني أورتيغا غاسيت Ortega Y Gasset (1883 ــ 1955) في مقالة له عن الترجمة أن هنالك فجوةً، أو انزياحًا، أو انزلاقًا، يحصل بين التفكير والكلمات(4). وهنا تكمن المعضلة التي تواجهنا في الترجمة. فالكلمات قد لا تعني في أحيان كثيرة ما يرغب المتكلم في توصيله. وهذا صحيحٌ في حالة أيِّ فعلٍ تواصليٍّ بسيط، كما هو في الترجمة من لغة إلى لغة. ثمَّة فجواتٌ، وبقعٌ من الغموض، واهتزازٌ للمعنى، وعدمُ تعيينٍ له، ما يجعل ما بعد البنيويين، وعلى رأسهم الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا Jacques Derrida (1930 ــ 2004)، يتحدثون عن إرجاءِ المعنى وتعليقه.
بسبب من وجود هذه الفجوات، يرى أورتيغا غاسيت أن الترجمة مستحيلة(5). لكن أيَّ فعل تواصلي، ومن ضمنه الترجمةُ، قائمٌ على التأويل. فالمترجمُ يقوم بعملية تأويلٍ مستمرة، للكلمات، والجمل، والصور، والاستعارات، والمجازات، والألعاب اللغوية، والسياقات، وللنصِّ كله، حين يترجم. ومن دون هذه العملية التأويلية (الهرمينوطيقية) تستحيلُ الترجمة، بل يستحيلُ التواصلُ الإنسانيُّ، أصلًا، عبر اللغة، أو عبر أيِّ وسائل تواصل أخرى. يرى شتاينر أن من ينكرون وجود إمكانيَّة للترجمة هم أنفسهم يقومون بعملية التأويل. فـَ”الترجمة ستظلُّ على الدوام صيغةً من صيغ التفكير والفهم”(6). كما أن “إنكار صِحَّة validity الترجمة، لأنها غير ممكنة على الدوام، ولن تتمتع بأيِّ نوعٍ من الدقة والاكتمال، هو عبثٌّ لا معنى له”(7). ومع ذلك، فإن مهمة المترجم هي البحثُ الدائم عن حلول، كما يرى الفيلسوف النمساوي البريطاني لودفيغ فيتغِنشتاين Ludwig Wittgenstein (1889 ــ 1951). وبغضِّ النظر عن نوع الحلول التي يعثر عليها المترجم، في عملية نقل النص من لغة إلى أخرى، فإن الترجمة تظلُّ تجربةً محفوفةً بالنقص وعدم الاكتمال.
يعلِّق جورج شتاينر على مفهوم الأديب الألماني يوهان فولفغانغ غوته Johann Wolfgang Goethe (1749 ــ 1832) للترجمة قائلًا: “إن الترجمة هي تمثيلٌ نموذجيٌّ لعملية التحوُّل (المَسخ) metamorphosis. إنها تعرض لنا عملية التطور العضوية لتحقيق الكمالِ الهارمونيِّ للدائرة المغلقة التي يمجدِّها غوته في عالم الروح والطبيعة. ففي الترجمة المكتملة، المثالية، كما هي الحال في التطور الجينيِّ، ثمَّة مفارقةٌ ضديَّة paradox خاصة بالاندماج والانصهار والشكل الجديد، من دون التضحية بالأجزاء والعناصر المكوِّنة”(8).
***
لكن السؤال الذي شغل المترجمين عبر العصور، في النهاية، هو: هل نترجم الكلمات، أم نترجم المعنى؟ أي: هل نترجم: كلمةً بكلمة، أو معنى بمعنى، أم أن هنالك أرضًا وسطًا بين هذا وذاك. هل هنالك نصٌّ هجينٌ ينشأ في الترجمة؟ وأين تنتهي حدودُ الأمانة للنص، وتبدأ الخيانة؟ هل المحاكاةُ في الترجمة أفضل، خصوصًا في ترجمة الشعر والفلسفة؟ أم أن إنشاءَ نصٍّ غريبٍ في اللغة الهدفِ (المترجَم إليها)، انطلاقًا من اللغة الأصل، أو المصدر (اللغة المترجَم منها)، هو الغايةُ المرجوَّة، والغايةُ النبيلة للترجمة؟ تلك أسئلةٌ كثيرًا ما تطرَّقت إليها نظرياتُ الترجمة، ولم تجد لها حلًّا، حتى هذه اللحظة.
***
على كل حال، لا يبدو أن المترجمَ، الخائنَ، بحسب التعبير الإيطالي Traduttore, traditore، قد أخذ حقه من الاهتمام، وتسليطِ الضوء عليه، على مرِّ العصور، وحتى يومنا هذا. فهو يأتي تاليًا بعد المؤلف، وفي العادة يظهر اسمه على الغلاف الداخلي للكتاب، أو أنه يظهر بحرف أصغر على الغلاف تحت اسم المؤلف، في شكلٍ من أشكال إضفاء تراتبية تغمط المترجمَ حقَّه في الظهور كمؤلفٍ مشاركٍ، وصانعٍ للنص، الذي يترجمه، في لغةٍ أخرى، أو لسانٍ آخر. هذا هو قَدَر المترجم. ومن هنا، يبدو هجومُ إميلي ويلسون، مترجمة “الأوديسة” و”الإلياذة” إلى اللغة الإنكليزية، على كريستوفر نولان صاحب فيلم “الأوديسة”، ولربما قرارُها بإعادة ترجمة “الأوديسة” من جديد، مدفوعًا بالتأكيد على أهمية المترجم، ووقوفِه رأسًا برأس، مع المؤلف، وكذلك المخرج (صانع الفيلم).
هوامش:
- George Steiner, After Babel: Aspects of Language and Translation, Oxford University Press, Oxford, 3rd Edition, 1998, p. xvi.
- المرجع السابق، ص: 49.
- المرجع السابق، ص: 47.
- أوردها شتاينر، المرجع السابق، ص: 236.
- أوردها شتاينر، المرجع السابق، ص: 264.
- المرجع السابق، ص: 264.
- المرجع السابق، ص: 264.
- المرجع السابق، ص: 273.