يحصي كريستوفر نيروب في كتابه “القُبلة وتاريخها” (دار الحوار، ترجمة معتز حرامي ــ 2026) نحو 20 نوعًا من القُبل، تتأرجح ما بين الحب والنشوة الحسيّة من جهةٍ، والخضوع والولاء من جهةٍ ثانية، وفي المسافة الفاصلة بينهما يفكّك معنى القبلة ودلالاتها الوظيفية بوصفها خطابًا معقدًا يُعاد إنتاجه عبر التاريخ، سواء كطقٍس ديني قديم، أو ممارسة عشقية سنجد صداها في جحيم دانتي، وأشعار بايرون، وفلسفة سقراط، ومسرحيات شكسبير، وروايات دوستويفسكي، وآخرين. وسوف يختزلها الشاعر يوهانس بورغنسن بعبارة حاسمة “إن ارتطام أمواج البحر بحصى الشاطئ يشبه صوت القُبل الطويلة”.
مفتاح الفردوس وديناميت العاطفة
وينبّه هذا المؤرخ الدانماركي إلى خطورة القبلة كفعل تحريضي، فهي مفتاح الفردوس، كما أنها أشدّ خطرًا من الديناميت، فبحسب المثل الفرنسي “القبلة التي أُعطيت مرّة لا تضيع أبدًا”، و”القبلة أمر يُحسَ ولا يُفسّر”، وتاليًا، فإن القبلة إشارة اخترعها الجسد تعويضًا عمّا تعجز اللغة عن التعبير عنه.
في باب قبلات المودّة نقع على مشاعر أخرى تغيب عنها الشهوانية لمصلحة الامتنان، كقبلات الأم، وقبلات الوداع، وقبلة “الأميرة النائمة”، وقبلة الموت، لاعتقاد قديم بأن الروح قد تُحتبس للحظات وجيزة بتلك القبلة التي سترافق الموتى إلى العالم السفلي. على المقلب الآخر يمنح كريستوفر نيروب القبلة المقدّسة مكانةً عالية لا تقل تأثيرًا عن قبلة العشق، منذ أن دخلت في طقوس الكنيسة بخصوص المعمودية والزواج والجنائز، إلّا أن “قبلة السلام” هذه ستتخذ منحى آخر في المخيال المسيحي إثر قبلة يهوذا التي استخدمها لتحديد هوية المسيح أمام الذين جاؤوا للقبض عليه، لتصبح أشهر قبلة للخيانة في التاريخ. هنالك وقفة إضافية لتوثيق قبلة التبجيل والاحترام التي كانت تؤدى لكل ما هو مقدّس ونبيل. في مقام “واجب الفم واليدين” يورد راسين في مسرحيته “أثاليا” العبارة التالية “ملوك الأمم ساجدون أمامك، ويقبّلون غبار قدميك”. تنتمي هذه الأعراف إلى القرون الوسطى وما قبلها، إلا أن بعضها استمر إلى اليوم، خصوصًا قبلة اليد، كنوع من الطاعة الإقطاعية المتوارثة، وتبجيل الملوك، وصور القديسين، استجابةً لتصوّرات صنعتها الأسطورة أولًا، إذ لطالما شُفي المرضى بتقبيل الذخائر المقدّسة، ولحس التراب الذي وطأته أقدام الملوك والقديسين، وتقبيل الأرض فرحًا بالعودة إلى الوطن بعد غياب طويل في الحروب والمنافي (وقائع عودة أغاممنون ملك إسبارطة من حرب طروادة كما وردت في إلياذة هوميروس).
الحيّز الحميم وهندسة الزمن العاطفي
يرفد المترجم معتز حرامي هذا الكتاب بما ينقصه من تواريخ بقراءة أنثروبولوجية شاملة تضع تاريخ القبلة في مهب الأسئلة الراهنة والتحوّلات الدلالية التي جعلت منها أحد أكثر الأفعال الإنسانية تعقيدًا، إذ تتقاطع البيولوجيا والثقافة والدين واللغة في فضاء واحد، وذلك بمقاربات تكشف كيفية تحوّل فعل جسدي خاطف إلى خطاب ثقافي، وهل القبلة سلوك فطري أم بناء ثقافي؟ فالقبلة في تحديقة أخرى ممارسة طقسية لا تعبّر عن شعور، بل تؤدي وظيفة؛ “إنها تُعيد إنتاج العلاقة بين الإنسان والمقدّس عبر الجسد الذي لا يحمل معناه في ذاته، بل يكتسبه من موقعه داخل شبكة من العلاقات”.
بالاتكاء على أطروحات ميشيل فوكو، ستتموضع أسئلة الجسد في منحى مختلف: مَن يملك حقّ تعريف القبلة، ومن يضع حدودها لجهة الضبط والتهذيب والإخضاع؟ وبهذا المعنى تُفهم القبلة لا كحركة رومانسية بريئة، إنما كفعل يقع داخل شبكة ضبط اجتماعية تحدّد تعريف “الحيّز الحميم”، و”هندسة الزمن العاطفي”، ومتى يصبح الجسد “مسموحًا”، ومتى يصبح “منحرفًا”، وإذا به يؤطر القبلة داخل توقيت شرعي، وما يخرج عنه يُعاقب اجتماعيًا بالفضيحة والوصم والنبذ طالما أنه مخالف لشروط خرائط العلاقات المشروعة والتصنيفات الجاهزة في تسمية الأفعال في ما يخص تدريب الجسد على الطاعة، إذ تتحوّل القبلة إلى آلية داخلية لإعادة إنتاج السلطة.
عندما زلزلت قبلة عن طريق الخطأ كيان عاشق حزين
في مسلك آخر، تتحوّل القبلة إلى “لحظة كثيفة تختزل التوترات الكبرى في التجربة الإنسانية”، ففي مسرحية “روميو وجولييت” لشكسبير تأتي القبلة في لحظة النهاية لا في بداية الحب. سيردّد روميو بلوعة العاشق “وبذاك أموتُ على قبلة” في انعطافة جذرية لوظيفة القبلة، إذ تعاد صياغتها هنا بوصفها فعلًا مقاومًا يقود إلى نهايتها، حيث لا يعود الموت نقيضًا للحب، بل امتدادًا له، كأن الرغبة في الاتحاد الكامل بين عاشقين لا تجد تحققها النهائي إلّا خارج الحياة نفسها. بالطبع، لن نهمل قصة “القبلة” لأنطون تشيخوف، والأثر المدمّر الذي زلزل كيان ضابط المدفعية الشاب ريادوفيتش في أثناء دعوته إلى حفلة، إذ تحتضنه امرأة مجهولة وتهديه قبلة خاطفة في العتمة، لظنها أن هذا الضابط هو حبيبها، وعندما تدرك خطأها تصرخ وتهرب من الغرفة، إلّا أن ريادوفيتش سينشئ أحلامًا وردية طوال أيام وأسابيع لم يختبرها قبلًا بمثل هذه النشوة.
من هامش المجاز إلى قلب الصورة
في أرشيف الشعر العربي القديم سيستنفر شعراء بالجملة عمل الحواس في تأجيج لحظة حميمية، لكنها عصية على التحقّق عمليًا بسبب محرّمات لا تحصى تفرضها الأعراف البيئية الصارمة، ومنظومة الغزل، ووصف المحبوب، في الشعرية العربية، فالقبلة في الشعر العذري تبدو أمرًا مستحيلًا بالمقارنة مع أشعار أبي نوّاس الذي اجتاز بشعره منطقة التلميح إلى منطقة الوصال والظفر باللذة، فهو يذكر القبلة صراحًة “سَأَلتُها قُبلَةً فَفِزتُ بِها/ بَعدَ امتِناعٍ وَشِدَّةِ التَّعَبِ”، وبذلك أعاد صياغة موقع الجسد داخل القول الشعري، ونقله “من هامش المجاز إلى قلب الصورة”، وتحويل التشبيه من “أداة حجب إلى أداة إبراز”، وإعادة الاعتبار إلى الجسد بوصفه مصدرًا مباشرًا للمعنى لا مادة تحتاج إلى تبرير رمزي، إنما واقعة جمالية تكشف عن بعد نقدي أعمق، فالقبلة على وضوحها تظل جزءًا من بناء شعري توازن فيه الجرأة بحسن الصياغة، فلا تعود القبلة عند أبي نواس مجرد علامة داخل سردية الحب، بل تصبح مركزًا للخطاب الشعري ذاته “لحظة يلتقي فيها الجسد باللغة، لا ليُخفى، بل ليُصاغ”. يشير معتز حرامي أخيرًا إلى أن القبلة ليست مجرد تلامس، بل لغًة لا تُنطق، لكنها تُفهم، كتاريخ موازٍ للتوترات الحسيّة الكبرى التي تحكم الوجود الإنساني.
ما لم يوثّقه كريستوفر نيروب في معجم القبلة
أنجز كريستوفر نيروب كتابه في عشرينيات القرن المنصرم، مكتفيًا بتاريخ القبلة في الأشعار والأساطير والملاحم القديمة، وقد أهمل مقترحات الحقول الإبداعية الأخرى في تعزيز إشارات إضافية لا بد من التوقف عندها كحلقة مركزية في ترميم مفردة القبلة وإحالاتها الجمالية، ففي أرشيف الفن التشكيلي والنحت يصعب تجاهل موروث بلاد الرافدين، أو تمثال “القبلة” لأوغوست رودان (1882)، كنسخة موازية لبوابة الجحيم لدى دانتي، ثم ستحضر لوحة القبلة للنمساوي غوستاف كليمت، كأيقونة عابرة للأزمنة، كما لو أنها نسخة من الذهب والرغبة في ترجمة معنى اتحاد جسدين في فضاء واحد، فيما يرسم إدفارد مونك القبلة كمعادل لذوبان العاشقين في كتلٍة مركزية، وذلك بأقصى حالات التوتر والشهوة. وفي حال استعدنا أرشيف القبلة في السينما، سنصطدم عربيًا بصكوك الرقابة الصارمة لجهة المنع، فما كان متاحًا في أفلام الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم تلاشى إلى درجة الصفر، كمحصلة لتحولات الذائقة، ومتطلبات الحشمة ورقابة المتلقي (أحصى النقّاد 54 قبلة في فيلم “أبي فوق الشجرة” تبادلها عبد الحليم حافظ مع نادية لطفي وميرفت أمين)، أما عالميًا فستبقى القبلة التي تبادلها كلارك غيبل وفيفيان لي في فيلم “ذهب مع الريح” هي الأشهر في تاريخ السينما العالمية. ربما علينا أن نستعيد هنا ما قالته إنغريد برغمان في توصيف القبلة: “القبلة حيلة لطيفة ابتكرتها الطبيعة لإيقاف الكلام حين تغدو الكلمات فائضة عن الحاجة”.
في نظرة جانبية أخيرة، سنستدعي قبلة الأنف، أو “بوسة الخشم” لدى المجتمعات البدوية، كتعبير عن الألفة والإجلال والمحبة، فيما تستبدل الأمهات عناق الأبناء الغائبين بالشّم، على الأرجح للتأكد من نقاء حليب ما بعد الفطام!