لا تقع المخا على الحدود اللبنانية، ولا تطل جزيرة ميون على شرق المتوسط، لكن سيطرة الحوثيين عليهما قد تترك تداعيات مباشرة على لبنان. فانتقال الجماعةِ من قوة مسلحة لاشرعية تسيطر على مناطق مهمة من اليمن، لا يغير موازين الحرب اليمنية وحدها، بل يعيد ترتيب الأدوار داخل المحور الإيراني، ويطرح سؤالاً حول موقع «حزب الله» فيه بعد خسائره: هل وجدت إيران في الحوثيين وكيلاً أساسياً بديلاً أم تعيد توزيع وظائف أذرعها لتعويض تراجع إحداها بتقدم أخرى؟
استغلت إيران المنهكة حربها مع الولايات المتحدة لتوسيع النفوذ العسكري والاستراتيجي لحليفها الحوثي. فهاجم الحوثي المملكة العربية السعودية، وتجرأ على المقدسات في وقت تسعى فيه المملكة إلى الموازنة بين متطلبات الأمن الوطني، والحاجة إلى احتواء التهديدات العابرة للحدود، والرغبة في تحقيق تسوية سياسية مشرفة تنهي الحرب اليمنية، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة. تقدم الحوثيون على ساحل البحر الأحمر على محيط باب المندب، وأضافت هذه السيطرة بُعداً إقليمياً للصراع، لما لها من أثر في أمن المضيق وحركة التجارة والطاقة.
يتكامل التقدم الحوثي عند باب المندب مع قدرة إيران على الضغط في مضيق هرمز، بما يضع اثنين من أهم ممرات الطاقة والتجارة تحت تهديد محور واحد. ولا تعني السيطرة على مواقع المضيق القدرةَ على إغلاقه بالكامل، لكنَّها تتيح رفع مخاطر الملاحة وتكلفتها واستخدامها ورقة ابتزاز تفاوضية. وتزداد أهمية هذه الورقة مع تردد واشنطن في فتح جبهة جديدة، وتراوح خياراتها، وفق التقارير، بين الامتناع عن التدخل، وتفاهم يضمن عدم استهداف السفن الأميركية وللعجب الإسرائيلية. وبذلك، لا يوسع الحوثيون نفوذ إيران الجيوسياسي فحسب، بل يرفعون مكانتهم داخل شبكة أذرعها، ويفرضون إعادة النظر في موقع «حزب الله» فيها.
في هذا السياق، لا يعني ارتفاع القيمة الاستراتيجية للحوثيين أنهم حلوا مكان «حزب الله»، فلكل منهما وظيفته: الحزب يؤدي مهمة لا يستطيعون أداءها بحكم وجوده على حدود إسرائيل ونفوذه داخل النظام اللبناني، فيما يمتلك الحوثيون ورقة تهديد ممر بحري دولي تمس سلامته مصالح قوى كبرى. لذلك، المرجح أن تكون إيران قد انتقلت من الاعتماد على «حزب الله» بوصفه ذراعها الإقليمية الأبرز، إلى توزيع الوظائف بين وكلاء يتمتع كل منهم بقيمة جغرافية وعسكرية مختلفة.
ولا تقتصر الفوارق بين الطرفين على وظائفهما، بل تشمل الظروف التي يعملان فيها. فالحوثيون يسيطرون على أرض واسعة ومؤسسات حكم وموانئ ومواقع بحرية استراتيجية، بينما يتحرك «حزب الله» داخل دولة تعددية، ويواجه قرارات حكومية نزعت شرعيته، واعتراضاً داخلياً كبيراً على سلاحه، وضغطاً إسرائيلياً على بيئته. لذلك قد يمنحه التقدم الحوثي دعماً سياسياً ومعنوياً، لكنَّه لا يعالج أزمته اللبنانية، ولا يعيد بناء قدراته أو شرعيته الميليشياوية، ولا يتيح له استنساخ النموذج اليمني في لبنان.
مع ذلك، قد يستخلص «حزب الله» من التجربة الحوثية درساً يشجعه على التشدد. فإذا انتهى امتناع واشنطن عن المواجهة إلى تفاهم يحمي السفن الأميركية من دون المساس بسلاح الحوثيين أو سيطرتهم، فقد يقرأ الحزب ذلك دليلاً على أن امتلاك القدرة على رفع التكلفة يفرض الاعتراف والتفاوض. وعندها يصبح التقدم الحوثي حجة إضافية للتمسك بسلاحه والتشدد في العلاقة مع الجيش وفي المفاوضات مع إسرائيل، مراهناً على أن الضغوط قد تنتهي بالتعامل معه بوصفه شريكاً لا يمكن تجاوزه.
في المقابل، قد يقلل صعود الحوثيين اعتماد إيران على «حزب الله»، واستعدادها لتحمل تكلفة حمايته أو إعادة بناء قوته بالشروط السابقة. فالوكيل الذي كان رأس حربة المشروع الإيراني، أصبح من أذرع متعددة، فيما يملك الحوثيون قدرة على تهديد دول المنطقة والملاحة الدولية. وذلك لا يحمي لبنان بل يزيد احتمال استخدامه ورقة في تفاوض أوسع، أو تركه تحت الضغط الإسرائيلي ما دامت طهران تحتفظ بأوراق أكثر فاعلية في ساحات أخرى.
تكشف التطورات اليمنية أيضاً حدود التعويل اللبناني على دعم أميركي حاسم. فإذا أحجمت واشنطن عن ردع تمدد الحوثيين، رغم وصول هجماتهم إلى مناطق حيوية وأماكن مقدسة، وفضلت التعايش مع نفوذهم أو التفاوض معهم تجنباً لحرب جديدة، فليس مضموناً أن تتدخل لحسم أزمة السلاح في لبنان أو لردع إسرائيل. وقد يجد اللبنانيون أنفسهم بين التعنت الإيراني والحزبي والضغط الإسرائيلي، فيما تكتفي الولايات المتحدة بإدارة الأزمات ما دامت لا تهدد مصالحها المباشرة.
لا يملك لبنان ترف انتظار نتيجة المواجهة أو المفاوضات الأميركية – الإيرانية، أو نتائج الانتخابات في كل من أميركا وإسرائيل. فصعود الحوثيين لن يقلل تكلفة إبقاء لبنان ساحة ضغط قابلة للمساومة. ويقتضي ذلك من السلطة خطوات خارج المعتاد والتردد والمراوحة في المفاوضات وتنفيذ قرارات الحكومة، وبناء شبكة دعم عربية ودولية. فالدولة التي لا تستعيد قرارها يُحدد مستقبلها في تفاوض لا تشارك فيه.
