ملخص
اتسم خطاب بنيامين نتنياهو أمام الأمم المتحدة بنبرة تحدٍ وهجوم على منتقديه، فيما رافقه انسحاب عشرات المندوبين وسط تراجع التأييد الدولي لإسرائيل وحربها في غزة. ويأتي المشهد عشية انتخابات إسرائيلية حاسمة، بينما يواجه نتنياهو تدقيقاً متزايداً في صورته بوصفه حامي أمن إسرائيل وفي قدرة ائتلافه اليميني على البقاء في السلطة.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يعتلي فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منبر الأمم المتحدة ليتحدث بلهجة صاخبة عن حروب بلاده، لكن هل تكون الأخيرة؟
وكما هي الحال في معظم إطلالاته الأخيرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، كان التحدي السمة الطاغية على خطابه. فقد قال إن إسرائيل لا خيار أمامها سوى المضي قدماً، ونفى بشدة الاتهامات بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ودافع عن الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران باعتبارها تحركاً يصب في أمن العالم بأسره.
وهاجم كل دولة أو زعيم عالمي انتقده أو انتقد أفعال إسرائيل، متمسكاً بالنهج الهجومي المألوف في الأسلوب السياسي لدونالد ترمب. فاتهم فرنسا وبريطانيا بالنفاق بسبب اتهامهما إسرائيل بالاستعمار، ووصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه “طاغية”، متهماً إياه بدعم حركة “حماس”. كذلك طاولت انتقاداته عمدة نيويورك زهران ممداني.
واكتملت صورة رجل يصارع أفول نجمه السياسي مع انسحاب عدد من مندوبي الأمم المتحدة من القاعة. صحيح أن مثل هذا المشهد ليس غريباً خلال خطابات نتنياهو، إذ اعتاد مسؤولون فلسطينيون وإسرائيليون مغادرة القاعة أثناء كلمات الطرف الآخر على مدى أعوام، لكن الانسحاب هذه المرة كان أوسع نطاقاً. فقد نهض عشرات المندوبين وغادروا بينما وصفهم نتنياهو بـ”الجبناء أخلاقياً”. وكان المشهد لافتاً: زعيم يتحدى الجميع، فيما يبدو أن العالم يزداد عزوفاً عن الإصغاء إليه.
في الواقع، كان خطاب نتنياهو موجهاً أساساً إلى الداخل الإسرائيلي وإلى الولايات المتحدة. فمع تراجع التأييد الدولي له، بات يعتمد بصورة متزايدة على أوثق حلفاء إسرائيل، وهو ما يفسر إشادته اللافتة بترمب وبالحرب على إيران، مقدماً نفسه والرئيس الأميركي بوصفهما زعيمين مستعدين للدفاع عما يريان أنه الصواب.
أما بالنسبة إلى جمهوره في الداخل، فقد بدا الخطاب مصمماً ليُستخدم في إعلانات وفعاليات الحملة الانتخابية قبيل الانتخابات المقررة الشهر المقبل. فلم يكن هناك حديث يُذكر عن السلام، ولم يأتِ على ذكر حل الدولتين في غزة. وكان نتنياهو يعزز الصورة التي بناها لنفسه طوال مسيرته السياسية، بوصفه حامي إسرائيل والرجل الذي سيصمد حتى لو بقي وحيداً.
لكن نتنياهو بات في هذه المرحلة في مواجهة مع العالم. فقد أثبت قدرة كبيرة على البقاء سياسياً، وهذه إحدى الأسباب التي مكنته من الهيمنة على السياسة الإسرائيلية طوال هذه المدة، وقد يتمكن من النجاة مجدداً. غير أن صورته التي كانت راسخة يوماً بوصفه “السيد أمن” أصبحت موضع تدقيق متزايد، في أول انتخابات تشهدها إسرائيل منذ هجمات “حماس” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وما أعقبها من رد عسكري إسرائيلي في غزة.
ويواجه ائتلافه اليميني المتشدد معركة صعبة في هذه الانتخابات، فيما يُرجح أن تترك صور المندوبين وهم يغادرون قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثراً، سواء في الداخل الإسرائيلي أو على الساحة الدولية.
