تتقاطع كلّ المعطيات الرسميّة عند التأكيد، أنّه، حتّى الآن، لا جولة تفاوض بين لبنان وإسرائيل الشهر المقبل. يقول مصدر سياسيّ لـ”أساس”: “في آخر جولات التفاوض كادت المفاوضات أن تعلَّق أكثر من مرّة، لكنّ ضغط واشنطن كان يعيد الوفدين اللبنانيّ والإسرائيليّ إلى الطاولة في روما. أمّا الآن فالفيتو مشترك. لبنان لا يريد جولة تفاوض شكليّة، من دون نتائج، وإسرائيل دخلت نفق الانتخابات، وهي تتصرّف وكأنّه ليست هناك مفاوضات أصلاً”!
عقب محطّة نيويورك، من خلال لقاءات رئيس الحكومة نوّاف سلام، على هامش أعمال الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، ثمّ محطّة واشنطن عبر اجتماعه مع وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، لم تتغيّر الصورة حيال ما ينتظر لبنان الشهر المقبل على صعيد مسار التفاوض.
المعطيات الرسميّة تكاد تجزم أنّ جولة التفاوض الثامنة لن تُعقد الشهر المقبل، وسيُرحّل التفاوض برمّته إلى نهاية العام، وربّما بداية العام الجديد، فيما سيبقى مصير التفاوض مرتبطاً بتطوّرات انتخابات الكنيست، وتأليف الحكومة الإسرائيليّة، ومصير بنيامين نتنياهو نفسه، ونتائج الانتخابات النصفيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة.
ليس تفصيلاً رَصد وجود رئيس الوفد اللبنانيّ إلى التفاوض سيمون كرم في الفاتيكان، بدلاً من مقرّ السفارة الأميركيّة في روما. المسافة الفاصلة بين المكانين قصيرة جدّاً، لكنّ ما يمكن أن يَسمح لكرم بأن ينتقل من حاضرة الفاتيكان، حيث يطلق نداء الاستغاثة لإنقاذ مسار التفاوض، إلى “مقرّ السفارة” لاستئناف التفاوض، غير متاح بعد.
لا تفاوض من أجل الصّورة
في المهلة الفاصلة عن رصد نتائج لقاء الرئيس سلام مع وزير الخارجيّة السعوديّ فيصل بن فرحان في نيويورك والوزير روبيو في واشنطن، تشي كلّ المعطيات بأنّ السلطة في لبنان مُكرهةً تؤيّد أيضاً تأجيل التفاوض إذا كان فقط من أجل الصورة، كون انعقاد جولة أخرى من التفاوض من دون نتائج، أو مع استمرار الارتكابات الإسرائيليّة والتقدّم البرّيّ، أسوأ بكثير من تعليق التفاوض.
أكثر من ذلك، يقول مطّلعون إنّ “رئيس الوفد سيمون كرم اقترح أكثر من مرّة تعليق التفاوض، خصوصاً خلال جلسة التفاوض السابعة، بسبب التسويف الإسرائيليّ والمماطلة وعدم الالتزام بالاتّفاق والتشبّث بالرأي والتعاطي بفوقيّة جارحة مع الوفد اللبنانيّ، لكنّ واشنطن كانت تطلب ولبنان يُنَفّذ، ويستمر التفاوض”.
روبيو: نفّذوا اتّفاق الإطار
يقول مطّلعون إنّ “النتيجة الأهمّ التي يُمكن أن يَخرج بها لقاء سلام وروبيو، الذي فصّل رئيس الحكومة محاوره عبر حسابه على منصّة X، هي تلقّي ضمانات أميركيّة، في حال تعليق التفاوض لأشهر، بعدم استمرار إسرائيل في استغلال الوقت الضائع في توسيع المنطقة المحتلّة، وعدم الاستمرار في الإبادة العمرانيّة التي ترتكبها في القرى الجنوبيّة. لكنّ في لبنان شكوكاً كبيرة وجدّيّة في تمكّن واشنطن من فعل ما لم تفعله سابقاً، أو لم ترغب في فعله، وهو الضغط على إسرائيل للالتزام باتّفاق “المناطق التجريبيّة” وحسم آليّة التحقّق، وبدء الانسحاب بالتزامن مع انتشار الجيش اللبنانيّ في المناطق المحدّدة”.
مع ذلك، تقول المصادر المطّلعة إنّ مفاوضات الكواليس والعابرة للقارّات قد تكون البديل مرحليّاً عن تعليق التفاوض، خصوصاً مع رصد تفعيل أكبر للمسعى السعوديّ على خطّ الأزمة اللبنانيّة.
هنا يجدر التوقّف عند التعليق المقتضب لروبيو بعد لقائه سلام، والذي أكّد فيه أمرين أساسيَّين:
– الدعم الأميركيّ “القويّ” للبنان مشروط “بتنفيذه الإطار الثلاثيّ”، مع ما يعني ذلك من التزامات على الحكومة في شأن نزع سلاح “الحزب”، وبسط سيطرتها، وهو الأمر الذي لم يحصل بعدُ بنظر الأميركيّين.
– المسار الوحيد لتحقيق سلام مستدام مع إسرائيل هو اتّفاق الإطار الثلاثيّ. هو الاتّفاق نفسه الذي يسمح لإسرائيل اليوم، بغطاء أميركيّ كامل، بـ”اجتياح” الجنوب، وفرض أمر واقع أمنيّ وعسكريّ وجغرافيّ، بمعزل عن المفاوضات ونموذج “المناطق التجريبيّة”. وهو موقف أميركيّ يقطع أيّ صلة محتملة مع مسار إسلام آباد، أو الاتّفاق الأميركيّ- الإيرانيّ.
ما بعد نيويورك وواشنطن
مع عودة رئيس الحكومة إلى بيروت سيعقد لقاءات مع رئيس الجمهوريّة جوزف عون والرئيس نبيه برّي لوضعهما في أجواء لقاءاته في نيويورك وواشنطن، لا سيما نتيجة لقاءاته مع الوزيرين بن فرحان وروبيو، مع رصد نتائج طلب سلام من وزير الخارجيّة الأميركيّ “تفعيل الإطار الثلاثيّ وترجمة مبدأي التبادليّة والمرحليّة إلى خطوات عمليّة ونتائج ملموسة”، مع وضع “جدول زمنيّ لتنفيذ الالتزامات في اتّفاق الإطار، وإنشاء آليّة تحقّق موثوقة”.
أمس، اعتبر الرئيس برّي أنّ “الإدارة الأميركيّة والرئيس دونالد ترامب هما القادران على الضغط لإلزام إسرائيل بوقف حربها”، مؤكّداً أنّ “حقّ لبنان بملاحقة إسرائيل هو سياديّ ولا يجوز التنازل عنه بأيّ شكل من الأشكال”.
وفق المعطيات المتوافرة لا يتوقّع لبنان الرسميّ أيّ خطوة عمليّة راهناً بهذا الاتّجاه، بفعل العامل الإسرائيليّ، والتي لا يساويها خطورة وتعقيداً سوى المشهد الأميركيّ – الإيرانيّ المتأزّم. يؤكّد المطّلعون أنّ لبنان يواجه عمليّاً أخطر مرحلة منذ الثمانينيّات بفعل واقعين خطيرين:
– مهما بلغ حجم التطمينات الأميركيّة، ومن ضمنها تأكيد روبيو “استمرار دعم واشنطن للبنان ومؤسّساته الشرعيّة، والمضيّ في تنفيذ اتّفاق الإطار”، فإنّ معلومات موثوقة تؤكّد أنّ واشنطن غير قادرة راهناً على فرض مسار التفاوض “المُنتِج” على تل أبيب، ولا تفعيل نموذج “المناطق التجريبيّة” التي باتت تجربة ساقطة بحكم الأمر الواقع.
تعترف أوساط سياسيّة رسميّة بأنّ “اتّفاق الإطار منذ توقيعه في 26 حزيران أنتج حالة تمدّد في الاحتلال، وتهديم قرى وجرفها، بما يتجاوز بكثير الفترة بين تجدّد الحرب في 2 آذار حتّى لحظة توقيع الاتّفاق”، مشيرة إلى أنّه “بعد الرفض القاطع لـ”الحزب” لإجراء حوار حول سلاحه، إلّا وفق شروط يستحيل على الحكومة السير بها، لا يزال الرهان الأكبر على الوساطة الأميركيّة، والضغط السعوديّ الذي بدأت تكبر مساحته في الآونة الماضية. لذلك، نحن عمليّاً أمام حالة احتلال طويلة الأمد، فيما عودة النازحين وإعادة الإعمار قد تشهد عليهما الحكومات المقبلة في عهود مقبلة”.
– كلّ التقديرات تُجمع على أنّ من سيرث “اليونيفيل” في الجنوب هو الفراغ الأمنيّ، لمصلحة العدوّ الإسرائيليّ، وهو الوضع الأكثر خطورة الذي سيواجه الجيش اللبنانيّ منذ 1978، في ظلّ عدم الرهان على أيّ آليّة “ميكانيزم” مهما كان اسمها، أو توقّع قبول إسرائيل بتشكيل قوّة أوروبيّة، غير معروفة الصلاحيّات. يُذكر أنّ مسألة بديل “اليونيفيل” غابت تماماً عن تعليق روبيو بعد لقائه سلام.
