ملخص
يرفض الكاتب فكرة إضعاف لندن أو نقل الصلاحيات إلى الأقاليم باعتبارها وصفة للنمو، مؤكداً أن ازدهار المناطق لا يتحقق بإعادة توزيع الفقر، بل بسياسات اقتصادية فعالة واستثمارات منتجة. ويرى أن اللامركزية ليست ضمانة للنجاح، وأن “المانشسترية” التي يطرحها رئيس الحكومة آندي بيرنهام تمثل طرحاً شعبوياً يفتقر إلى الأساس الاقتصادي.
في كل مرة أقود فيها سيارتي على الطريق السريع “أي13” A13 في اتجاه شمال شرقي لندن، أجدني دائماً مأخوذاً بمزيج من الحسد والرهبة عند نقطة معينة من الطريق، إذ تبدو ناطحات السحاب والتحف المعمارية في حي المال والأعمال ومنطقة دوكلاندز وكأنها ترتفع فجأة أمامك مثل “مدينة الزمرد” الأسطورية، كل مبنى فيها أشبه بكاتدرائية شُيدت على مذبح التجارة.
إنه مشهد مهيب حقاً، ولا سيما بالنسبة إلى أمثالنا ممن أمضوا وقتاً طويلاً في منطقة كناري وارف خلال ثمانينيات القرن الماضي، ولا يزالون يتذكرون كيف كانت المنطقة آنذاك أرضاً مقفرة وكئيبة، تحولت إلى خراب، تتناثر فيها المستودعات المهجورة ومجمعات الإسكان التي كان سكانها قد وجدوا أنفسهم فجأة في براثن الفقر.
لكننا نشعر أيضاً بالحسد، إزاء الطريقة التي تمكنت لندن من خلالها من إعادة إحياء نفسها، في وقت تراجعت مراكز إقليمية بريطانية كانت مزدهرة ذات يوم، مثل مدينتي ليستر التي أنحدر منها.
مع ذلك، وكما هي الحال دائماً، فإن الحسد ليس نقطة انطلاق جيدة للتحليل. فسحب الثروة والمال من العاصمة لندن لن يجعل بالضرورة مدينة ليستر أو أي أمكنة أخرى عظيمة من جديد. وكذلك لن تفعل بالضرورة سياسة نقل مزيد من الصلاحيات إلى الأقاليم، أو ما بات يُعرف بـ”المانشسترية”، التي نجح عمدة مانشستر الكبرى آندي بيرنهام في تسويقها بحماسة وفاعلية كبيرين.
إن هذا الطرح معيب في جوهره، وهو ما يحرص على توضيحه ستيف ريد الوزير السابق في الحكومة وأحد أنصار رئيس الوزراء السابق كير ستارمر المحبطين.
ليس من الممكن جعل بقية أرجاء البلاد أكثر ثراءً من طريق سحب الموارد من لندن، ولا من منطقة جنوب شرقي إنجلترا. ويرجع ذلك في الواقع إلى سببين. أولاً لأن هناك أشخاصاً يعيشون في الفقر أيضاً في كل من لندن وغيلدفورد وكامبريدج ووكينغ. ولا تزال الحقيقة التي لا تحظى بالتقدير الكافي، أن بعض أكثر المناطق حرماناً في المملكة المتحدة تقع على مسافة خطوات قليلة من المصارف الكبرى، والمحامين ذوي الثروات الطائلة، والأوليغارشيين أصحاب النفوذ الذين يسكنون في أغنى المناطق.
وبالمثل، هناك أحياء ومناطق داخل مدن يُفترض أنها بائسة في ميدلاندز وشمال إنجلترا، تفوح منها رائحة المال والثروة. فليست برمنغهام كلها “جحيماً موبوءاً بالجرذان”، ولا يمكن تحميل مصرفيي الاستثمار في حي المال في لندن مسؤولية ذلك، في أي حال.
ولا يوجد سبب منطقي أو حتمي يجعل زيادة الضرائب المفروضة على هؤلاء تؤدي إلى إثراء بقية البلاد، إذا كان أثرها سيؤدي تدريجاً إلى إضعاف أحد القطاعات القليلة القوية التي لا يزال الاقتصاد البريطاني يفاخر بقدرتها على المنافسة على المستوى الدولي.
وكما حدث مع السياسات الإقليمية في الماضي، فإنك تخاطر بصورة جدية بخسارة القطاع المزدهر القائم من جهة، والمراكز الجديدة المفترضة من جهة أخرى، لأن الأسس الاقتصادية لا تسمح في الأصل بنقل النشاط إليها. وتظل قوى السوق، على رغم ما قد تفرزه من نتائج مجحفة بوضوح، أقل الطرق سوءاً في توزيع الموارد.
أما السبب الثاني الذي يجعل هذه الموجة من “المانشسترية” – أي “نقل الصلاحيات إلى الجميع” – فكرة مضللة إلى هذا الحد، فهو أنها تفتقر إلى أي منطق. فالشعار المتداول هو أن القرارات تكون دائماً أكثر حكمة عندما تتخذ على أقرب مسافة ممكنة من المجتمعات المعنية.
هذا محض هراء. وتعد أحدث نتائج اختبارات “برنامج التقييم الدولي للطلاب” (بيزا) في الرياضيات وإتقان اللغة، مثالاً واضحاً على ذلك. فهي أسوأ في اسكتلندا وويلز – اللتين تديرهما حكومات مفوضة تتمتع بصلاحيات كبيرة في مجال التعليم – مقارنة بإنجلترا. الأمر نفسه ينطبق على النتائج الصحية في ويلز. وبالطبع، يمكن أن يحدث العكس أيضاً. فاسكتلندا تتفوق في مجال التعليم العالي، كما أن ما تجنيه الطبقات المهنية في مدينة إدنبره يجعل دخل الفرد في العاصمة الاسكتلندية أعلى منه في لندن.
إن ما يهم في تحويل النمو الاقتصادي إلى حقيقة واقعة هو طبيعة السياسات والعوامل الاقتصادية المتبعة، وليس المكان الذي تصمم فيه هذه السياسات. فالجغرافيا لا أهمية لها إذا كانت السلطة المفوضة أو الإقليمية أو المحلية المتخصصة، لا تتمتع بالكفاءة في واقع الأمر.
إن انتعاش منطقة “كاناري وارف” في لندن و”آيل أوف دوغز” المحيطة بها، هو مثال صارخ على ذلك. فهذا النجاح الباهر لم يتحقق في المقام الأول بفضل بلدية “تاور هامليتس” في العاصمة، ولا بفضل “مجلس لندن الكبرى” القديم، بل بفضل “مؤسسة تطوير دوكلاندز في لندن”، وهي هيئة مركزية أُنشئت بقرار من الحكومة المركزية بقيادة رئيس الوزراء الراحلة مارغريت تاتشر، وكلفت تحديداً بمهمة استقطاب استثمارات منتجة من القطاع الخاص في مشاريع مستدامة مالياً.
حتى عندما أفلست “مجموعة كاناري وارف” بعد بضعة أعوام، جرت إعادة تمويلها بنجاح، ولا تزال تواصل ازدهارها حتى اليوم (أو كانت ستظل كذلك لو جرى تخفيف قواعد التخطيط العمراني). والمفارقة هنا أن آندي بيرنهام الذي كان عمدة “مانشستر الكبرى”، هو نفسه استخدم نموذجاً شبيهاً بهذا لإعادة إحياء مدينة مانشستر.
الخلاصة مرة أخرى هي أن المسألة لا تتعلق بالمكان الذي تُبتكر فيه السياسة أو تُدار منه بقدر ما تتعلق بما إذا كانت تنجح أم لا. فليس هناك ما هو مقدر من الله يجعل عملية صنع القرارات اللامركزية والمفوضة أفضل من التفكير المركزي، كما أن قلة من الدول – إن وجدت أصلاً – اكتشفت أن مفتاح النمو الاقتصادي يكمن في إنشاء مجالس إقليمية أو بلدية، أو حتى الانفصال الكامل.
إنها فكرة تشوبها عيوب عميقة، وغالباً ما يروج السياسيون الشعبويون لها عندما لا يكون لديهم ما هو أفضل ليقولوه. ولعل أكثر الأمثلة كارثية في الأعوام الأخيرة على مثل هذه المحاولات لـ”استعادة السيطرة” – بحجة أن القرارات تكون أفضل عندما تتخذ محلياً – هي التجربة التي نعرفها باسم “بريكست”.
وسواء كانت الجهة التي تروج لهذه الفكرة هي حزب “ريفورم” أو “الحزب القومي الاسكتلندي” أو آندي بيرنهام، فإن الأمر كله لا يعدو كونه مجرد انطباعات ومشاعر عامة. إنها طريقة خاطئة تماماً للنظر إلى تحدي تحقيق النمو. فلا توجد دراسات اقتصادية تثبت أن تفويض السلطات يرفع معدل تكوين رأس المال المحلي الإجمالي – أي الاستثمار – على المدى الطويل في أي دولة، لأنه لا يفعل ذلك بالضرورة.
إن النزعة الإقليمية – وأحدث تجلياتها وأكثرها رواجاً “المانشسترية” – هي هراء اقتصادي يفتقر إلى أدنى مقدار من المعرفة الاقتصادية، فضلاً عن كونها نهجاً انقسامياً وخطراً.
© The Independent
