علي حسين… المصدر جريدة المدى
إذا كان جنابك من الذين يتابعون أخبار بلاد الرافدين، فأتمنى عليك أن تتذكر معي أننا احتفلنا بيوم السيادة قبل سبعة عشر عاماً بالتمام والكمال، في ذلك الوقت أعلن السيد نوري المالكي أن القوات الأجنبية غادرت مدن العراق، وطالبنا “فخامته” أن نسمي هذا اليوم يوم الوفاء، بعدها بعامين خرج علينا السيد نوري المالكي في بث تلفزيوني مباشر ليخاطبنا بأخواتي وإخواني قائلاً: “أبناء الشعب العراقي الكريم أعلن هذا اليوم الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول الذي يصادف انتهاء عملية سحب القوات الأجنبية من العراق.. يوماً وطنياً.. إنه يوم العراق”. وأخبرنا السيد المالكي أن يوم السيادة سيكون يوماً للتنمية والنهوض والمستقبل، ولأننا شعب طيب صدقنا أن هذه البلاد ستتحول إلى ورشة عمل، وأن أيام العوز والطائفية والانتهازية ستنتهي، فقررنا أن نرفع شعارات “الاستقلال والسيادة والوفاء”، بعدها اكتشفنا أن هناك سيادة جديدة “كاملة الدسم” علينا أن نحتفل بها وكانت المناسبة خروج هذه البلاد من أحكام الفصل السابع. ولأننا قوم نحب المرح، وجدت الحكومة أن يوم الثالث من تشرين الأول عام 1932 يجب أن ينضم إلى أيام السرور والسيادة. وبعد ان شبعنا سيادة وامتلات حياتنا بالسعادة، قررنا أن نطلب من القوات الأجنبية العودة إلى الديار بعد أن استفحلت عصابات داعش.
ولأننا نحب مشاهدة أفلام “الأكشن” قررنا أن نواصل مشاهدة الفيلم الممتع “ليلة البحث عن السيادة”، فقد قرر عدد من النواب أن يصرخوا داخل قبة البرلمان “الله أكبر.. أمريكا الشيطان الأكبر”. بعدها شاهدنا القائم بالأعمال الأمريكي يزور قادة الكتل السياسية ويتسامر معهم، ثم ما هي إلا أيام حتى هبطت طائرة السيد توم باراك في مطار بغداد وهو يحمل ورقة بها شروط وضعها ترامب لقادة الكتل لكي يعيشوا بـ “سيادة كاملة”. بعدها وجد العراقي نفسه أمام تصريحات إيرانية تطالبه بأن يفهم جيداً أن لا سيادة من دون موافقة طهران، فيما أعلن السلطان أردوغان أن بعض الأراضي العراقية هي جزء من تركيا العثمانية، وعلى العراقيين أن يتعايشوا جيداً مع الجيش التركي الذي يقوم بنزهة في أراضيهم.
إياك عزيزي القارئ من أن تظنّ أنّ “جنابي” يهدف إلى السخرية من السيادة التي يريد لنا قادة البلاد أن نعيشها، فالديمقراطية العراقية تقضي بأن يبقى المواطن العراقي متفرجاً، فيما جميع الساسة شركاء، يضمن كلّ منهم مصالح الآخر، حامياً له، مترفّقاً بزميله الذي يتقاسم معه الكعكة العراقية في السرّاء والضرّاء.
عندما تتكرر أمامك عزيزي القارئ مفردة السيادة، تذكر أن العراق تحول إلى بلاد للخطباء وللصواريخ والمسيرات، تتكرر فيه إملاءات واشنطن وطهران اللتان تعتقدان أن العراق عليه أن يتبع سيده أينما حل، منذ سنوات ونحن نعيش فاصلاً كوميدياً عن “السيادة وأخواتها”، والجميع يتنافس باسم السيادة على نهب ثروات البلاد، لكنكم تضعون رؤوسكم في الرمال أمام تغريدة علي ولايتي، ومزاج ترامب المتقلب.