ليس على المرء أن يكون يمنيّاً ولا خبيراً في شؤون ذلك البلد لكي يفهم التقدم العسكري السريع الذي يحرزه الحوثيون منذ الشهر الماضي (أغسطس/ آب) على حساب مسلحي “قوات تحالف دعم الشرعية”. والتقدم العسكري في المخا وتعز ومأرب وغيرها، نتيجة منطقية لبديهيات لا يفعل إنكارها سوى فتح طرقات إضافية لكي تحكم جماعة الحوثيين سيطرتها على مزيد من المناطق، ولكي يزداد عدد ضحايا طائفيتها وعنصريتها واستبدادها.
أمّ البديهيات أنّ الدولتين الراعيتين للمعسكر المعادي للحوثيين، السعودية والإمارات، لم تعملا، منذ سيطرة الجماعة على صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014، لإسقاط حكمها حقاً عبر إنشاء جيش وطني موحّد ومحترف يتبع لحكومة تحظى بشرعية فعلاً. هاتان الدولتان لم تنشِئا سوى مجموعة مليشيات تكنّ كل منها العداء للأخرى انعكاساً للخلاف بين القوتين الإقليميتين، وصراعاً على النفوذ واستمالة للقبائل واستيلاء على الأصول المتبقية للدولة وتهميشاً لقوى وأفراد شاركوا بصدق في إسقاط نظام علي عبد الله صالح وفي اجتماعات الحوار الوطني وصاغوا مخرجاته حالمين ببناء دولة حديثة. وطيلة السنوات الماضية، قضت الفصائل اليمنية التابعة للرياض وأبوظبي وقتاً في القتال والانقلابات فيما بينها، أكثر مما حاربت الحوثيين، وهو ما لحظه محقاً تقرير صحيفة نيويورك تايمز نقلاً لتصريحات مسؤولين أميركيين الأسبوع الماضي في إطار عرضهم مبرّرات قرار الإدارة عدم الانخراط في الحرب اليمنية. هنا أيضاً، ليس على المرء أن يكون يمنيّاً ولا خبيراً لكي يتنبه إلى أن أسماء جبهات المعاشيق وخور مكسر ومطاري سيئون والريان، ومعارك “المجلس الانتقالي الجنوبي” وقوات “العمالقة” والنخب على أنواعها و”درع الوطن” و”المقاومة الوطنية” و”اليمن السعيد” و”الطوارئ” وغيرها من تنظيمات مسلحة تدين بالولاء لأبوظبي وأخرى مدعومة سعودياً، أشهر بكثير من أسماء جبهات قتال تَواجَه فيها هؤلاء مع حوثيين طيلة 12 عاماً.
في المقابل، عمل الحوثيون منذ سبتمبر 2014 على الأقل، وفق منطق “الجسد الواحد مع إيران” لكي نستعير مصطلحات المستشار في وزارة الدفاع التابعة للحوثيين، العميد عابد محمد الثور، في تصريحات أدلى بها لوكالة فرانس برس قبل أيام، فغابت الانشقاقات الجدّية عن معسكرهم، وتلك ميزة مشتركة لمليشيات ذلك المحور الإيراني في المنطقة العربية، إلى درجة أن الانقسامات داخل السلطة في طهران نفسها، أكبر مما هي في صفوف حلفائها وأتباعها في الخارج. أما الهدنة اليمنية منذ إبريل/نيسان 2022، فقد استغلها الحوثيون تدريباً وتسليحاً، في حين كانت أولويات المعسكر الآخر تتوزع على انقلاب ثم انفصال جنوبيين يرفعون أعلام الإمارات وصور حكامها، وصراعات على المناصب داخل مجلس القيادة. تلك بديهية مكمّلة للأولى تشرح الكثير من زحف حوثي وتقهقر مَن لا تكفيها صفة “الحكومة المعترف بها دولياً” لكي تكون فعلاً سلطة وطنية تستحق اسمها.
وحروب مسلحي معسكري الرياض وأبوظبي، والتي نشاهد نتائجها هذه الأيام تقدماً عسكرياً للحوثيين بلا مقاومة أحياناً، ليست سوى انعكاس للعنوان السياسي الذي يمثل تلك الفصائل المسلحة في “مجلس القيادة الرئاسي” والحكومات المتعاقبة التابعة له، وعدد كبير من وزرائها إما ظلوا ممنوعين من ممارسة أعمالهم في عاصمتهم المؤقتة عدن، أو أنهم فضلوا راحة الإقامة في الرياض على بؤس أحوال اليمن. في الجهة المقابلة، تسيّر جماعة الحوثيين عقيدة طائفية فيها من القمع الكافي لرصّ الصفوف والقضاء استباقياً على أي رأي نقدي أو مشروع تباين قد يظهر في الأفق. والنتيجة أنه منذ قتلهم علي عبد الله صالح وتحييد رجاله في انقلاب ديسمبر/ كانون الأول 2017، لم تظهر ملامح تمرد ضدهم في صفوفهم، في حين كانت معارك أعدائهم من المدعومين سعودياً وإماراتياً تعيش ربيعاً لم يقدّم لليمنيين سوى أسوأ ما يحمله خريف عمر بلد تعيس يسمّونه سعيداً.