د. أمجد السوّاد.. جريدة المدى
في البداية يعلم الجميع أن أميركا في صراعاتها لم تكن عادلة، ولا تؤمن بشرف الخصومة، فهذه مفاهيم خارج إطار استراتيجياتها لقيادة العالم والسيطرة على مراكز الطاقة التي تعني القوة، وعلى حد تعبير نيتشه: «حفنة من القوة خير من كيس من الحق». ولهذا، في الحديث عن مثل هذه المعارك، يكون دهاء معاوية هو الحاكم بالنسبة للأمريكان.
مهما تكن الادعاءات في شن هذه الحرب، إلا أن الخطوات الأميركية تتجه، منذ بدايتها، إلى تطويق إيران بحصار متعدد الجوانب. وفي كل فترة يظهر قرار جديد يضيف حلقة إلى هذا الطوق، حتى أصبح تعداد هذه الإجراءات يطول بصورة لافتة. ولو أردنا أن نضعها في سياقها التاريخي، فقد ينكشف لنا مخطط ظل خافياً عن الكثير، ولكن ليس عن الجميع.
والسؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل تريد الولايات المتحدة، من خلال تضييق الخناق على إيران، أن تدفعها تدريجياً إلى الرد على دول إقليمية لم تدخل الحرب معها بصورة مباشرة، ثم تستخدم هذا الرد لتوسيع دائرة المواجهة واستحصال غطاء إقليمي ودولي، وربما قرار جديد من مجلس الأمن ضد طهران؟
لا أطرح هذا السؤال باعتباره حقيقة ثابتة؛ فلا توجد وثيقة معلنة تثبت أن واشنطن وضعت هذا السيناريو حرفياً. لكن السياسة الدولية لا تُقرأ دائماً من التصريحات وحدها، وإنما يمكن أحياناً قراءة الاتجاه من خلال تسلسل الإجراءات والنتائج التي تترتب عليها.
25 شباط 2026: البداية الاقتصادية
في 25 شباط، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على أكثر من ثلاثين شخصاً وكياناً وسفينة مرتبطة بمبيعات النفط الإيرانية وببرامج الصواريخ والأسلحة المتقدمة. وبذلك لم يعد الضغط يستهدف الحكومة الإيرانية بصورة عامة فقط، بل شبكات النفط والنقل والتمويل وسلاسل التوريد التي تساعد إيران على الحصول على الإيرادات والمعدات.
28 شباط: انتقال الصراع إلى الإقليم
مع اندلاع الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران في 28 شباط، دخلت المواجهة مرحلة مختلفة، إذ تعرضت دول خليجية وإقليمية لهجمات إيرانية، من بينها البحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات والأردن (على اعتبارها منطلق للعدوان من القواعد الأمريكية على أراضيها). وهنا اتسعت دائرة الدول المتأثرة بالصراع، ولم يعد الأمر مواجهة أميركية ـ إيرانية فقط.
11 آذار: أول قرار أممي
بعد الهجمات الإيرانية على دول المنطقة، أصدر مجلس الأمن القرار 2817 في 11 آذار، مديناً الهجمات على البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات والأردن، وصدر القرار بأغلبية 13 صوتاً مقابل امتناع روسيا والصين.
هذه محطة مهمة في تسلسل الأحداث؛ لأن إيران أصبحت، نتيجة تطور الحرب والهجمات الإقليمية، موضوع قرار صريح من مجلس الأمن.
13 نيسان: الحصار البحري
في 13 نيسان بدأت الولايات المتحدة تنفيذ حصار على حركة الملاحة الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها. واستمر التطبيق الأول حتى 18 حزيران، قبل أن تعلن واشنطن استئنافه في 14 تموز.
وبذلك انتقل الضغط من العقوبات الاقتصادية إلى محاولة خنق أحد أهم منافذ إيران التجارية والاقتصادية: البحر.
الأشهر التالية: النفط والمصارف والشحن
تواصلت العقوبات على شبكات النفط والشحن والتمويل والجهات التي تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات، واتسع نطاقها ليشمل أطرافاً مرتبطة بالتجارة والتمويل خارج إيران نفسها.
وفي 24 آب أطلقت وزارة الخزانة الأميركية ما سمته «Operation Economic Outcast»، وهي حملة قالت واشنطن إن هدفها قطع الروابط الاقتصادية التي تسمح لإيران بالوصول إلى النظام المالي العالمي وعزلها عن مصادر التمويل الخارجية.
وهكذا أصبحت المسألة أكبر من مجرد عقوبات على إيران؛ إذ بدأت الجهات والشركات والدول التي تتعامل مع الاقتصاد الإيراني تجد نفسها أمام مخاطر العقوبات الأميركية.
8 أيلول: الطيران يدخل دائرة الحصار
في 8 أيلول فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على 36 جهة مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، في خطوة شملت شركات ووسطاء وشبكات توريد مرتبطة بالطائرات والتكنولوجيا والنقل الجوي.
وهكذا أصبحت حلقات الضغط تشمل النفط، والمصارف، والشحن البحري، والموانئ، والتسليح، والطيران، إلى جانب قطاعات التكنولوجيا والتمويل.
25 أيلول: الطيران يتحول إلى نقطة مواجهة إقليمية
وهنا حدث تطور يستحق التوقف عنده.
بعد تصاعد القيود على شركات الطيران الإيرانية وتعليق الرحلات من وإلى إيران في عدد من المطارات الإقليمية، ومنها مطارات عراقية، خرج محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، في 25 أيلول بتصريح لافت، قائلاً إن الاستراتيجية الإيرانية واضحة: «إما أن يكون السفر جواً في المنطقة متاحاً للجميع أو ألا يكون متاحاً لأحد»، وأضاف أن إيران إذا مُنعت من الطيران والحصول على الخدمات المطارّية، فلن تتمكن أي دولة في المنطقة من ذلك أيضاً.
وجاء هذا التصريح في وقت كانت فيه قيود جديدة تطال الرحلات الإيرانية في العراق والإمارات، على خلفية الضغوط والعقوبات الأميركية. وأفادت رويترز بأن مطارات عراقية أوقفت رحلات إيرانية، بينما تحدثت تقارير عن إجراءات مماثلة في الإمارات.
وهنا تكمن أهمية التصريح سياسياً: فالضغط على قطاع الطيران لم يعد مجرد إجراء اقتصادي ضد إيران، بل بدأ ينتج رداً إيرانياً يهدد بتوسيع نطاق المواجهة ليشمل حركة الطيران في المنطقة كلها.
وبذلك نقترب من السيناريو الذي يثير التساؤل منذ البداية: هل يمكن أن تؤدي كل حلقة جديدة من الحصار إلى دفع إيران إلى ردود فعل تجعل دولاً أخرى طرفاً مباشراً في الصراع؟
وماذا لو انتقل الحصار إلى البر؟
هذه الحلقة لم تحدث بعد باعتبارها قراراً أميركياً معلناً، لكنها تمثل احتمالاً يستحق النظر.
إذا انتقلت واشنطن إلى فرض عقوبات على شركات النقل البري، أو على الشاحنات التي تنقل البضائع الإيرانية، أو على الجهات التي توفر خدمات النقل والتمويل والتأمين، فإن إيران ستجد نفسها أمام تضييق على منفذ مهم نحو العراق وتركيا وأذربيجان وأرمينيا وغيرها من دول الجوار.
وعندها ستجد الدول المجاورة نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً: السماح باستمرار حركة التجارة مع إيران مع احتمال التعرض للعقوبات الأميركية، أو تشديد القيود على الحدود والمنافذ البرية، والمشاركة بذلك بصورة غير مباشرة في تضييق الخناق الاقتصادي على طهران.
وقد تصبح النتيجة أخطر إذا اعتبرت إيران أن هذه الدول تشارك في حصارها. فهل يمكن أن يدفع ذلك إلى ردود إيرانية تستهدف المعابر أو شركات النقل أو المصالح المرتبطة بالدول التي تغلق حدودها؟
إذا حدث ذلك، فستكون المواجهة قد انتقلت من البحر والجو إلى الحدود البرية، وستتحول دول الجوار إلى أطراف أكثر مباشرة في الصراع. وعندها يمكن أن تظهر شكاوى جديدة أمام مجلس الأمن، وربما مطالبات بإجراءات دولية إضافية.
هل نحن أمام فخ؟
إذا جمعنا هذه الحلقات معاً، نجد أن الضغط لم يعد محصوراً في العقوبات الاقتصادية التقليدية. هناك النفط، والمال، والمصارف، والسفن، والموانئ، والتسليح، والطيران، ثم احتمال انتقال القيود إلى النقل البري.
لكن السؤال ليس فقط: هل تستطيع هذه الإجراءات إضعاف الاقتصاد الإيراني؟
السؤال الأكثر إثارة للانتباه هو: ماذا يحدث إذا أدت هذه الإجراءات إلى دفع إيران للرد على الدول التي أصبحت جزءاً من منظومة الحصار؟
عندها يمكن أن يتغير المشهد جذرياً. فبدلاً من أن تبقى المواجهة بين واشنطن وطهران، قد تجد دولاً عربية وإقليمية نفسها في مواجهة مباشرة مع إيران، وتصبح هي التي ترفع شكاوى إلى مجلس الأمن وتطالب المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات ضدها.
وهنا تصبح المقارنة مع العراق عام 1990 جديرة بالتأمل.
في 2 آب 1990 غزا العراق الكويت واحتلها، وفي اليوم نفسه أصدر مجلس الأمن القرار 660 الذي أدان الغزو وطالب بانسحاب القوات العراقية فوراً. ثم توالت القرارات والعقوبات، إلى أن صدر القرار 678 في 29 تشرين الثاني 1990، مانحاً العراق مهلة حتى 15 كانون الثاني 1991، وبعدها أجاز للدول المتعاونة مع الكويت استخدام «كل الوسائل اللازمة» لتنفيذ قرارات مجلس الأمن.
لكن المقارنة هنا ليست بين الحالتين من حيث طبيعة الحدث؛ فالعراق احتل الكويت فعلياً، بينما السيناريو الإيراني الذي نتحدث عنه افتراضي، ويتعلق باحتمال أن تؤدي الضغوط والحصار إلى توسيع دائرة الرد الإيراني.
إنما وجه الشبه هو في المسار السياسي المحتمل: تبدأ المواجهة بين أطراف محددة، ثم تتوسع دائرة المتضررين، ثم تنتقل القضية إلى مجلس الأمن، وبعدها يمكن أن تتحول الإجراءات الدولية إلى غطاء أوسع للتعامل مع الطرف الذي أصبح موضع إدانة دولية.
واللافت أن هذا المسار ليس افتراضاً كاملاً في الحالة الإيرانية؛ فقد صدر بالفعل القرار 2817 في آذار 2026 بعد الهجمات الإيرانية على عدد من دول المنطقة.
فهل يكون الحصار الأميركي الحالي مجرد محاولة لإضعاف إيران اقتصادياً وعسكرياً وإجبارها على التفاوض؟
أم أن اتساع الحصار من النفط إلى المال والموانئ والنقل البحري والطيران، وربما مستقبلاً النقل البري، يمكن أن يكون جزءاً من استراتيجية أوسع لدفع إيران إلى ردود فعل توسع دائرة خصومها، بحيث تنتقل القضية من حصار أميركي على إيران إلى قضية إقليمية تبحث في مجلس الأمن عن قرار دولي جديد؟
قد يكون هذا مجرد قراءة لمسار لم يكتمل بعد، وقد يكون الإفراط في الربط بين أحداث متفرقة. لكن المؤكد أن الحصار، كلما اتسع، لم يعد يضغط على إيران وحدها؛ بل يضع دول الجوار أمام خيارات صعبة.
وإذا تحولت هذه الخيارات إلى مواجهات مباشرة، فقد تكون الحلقة التالية ليست قراراً أميركياً جديداً، بل قراراً أممياً.