تتحرّك المفاوضات الإيرانية – الأميركية وكأنها تدور في حلقة مفرغة، رغم تسّلم طهران الرّد الأميركيّ على “خطة الأيام السبعة” الذي من المتوقّع أن تجيب عليه خلال 48 ساعة. إذ تحوّلت تفاصيل التكتيك الإجرائي للمفاوضات إلى جدار صلب يصطدم به الوسطاء الإقليميون في كل مرّة يحاولون فيها إحياء هذا المسار. في وقت تُمارس فيه واشنطن استراتيجية الخنق الاقتصادي والملاحقة البحرية، تنشط الدبلوماسية عبر قنوات متعددة لفرض مخرج يُبعد شبح التصعيد المباشر، إلا أنّ مكمن الخلاف الأساسي بات يتلخص في سؤال تقليدي معقد: من يخطو الخطوة الأولى؟
يكشف مصدر إقليمي لـ”أساس” أنّ مقترح “خطة الأيام السبعة” الذي طرحته طهران يواجه انسداداً إجرائياً طغى حتى على الشروط الجوهرية. بحسب المصدر، فإنّ الخلاف الرئيسي يتجلى في تسلسل التنفيذ. إذ تصرّ إيران على أن تبدأ واشنطن بفك الحصار البحري المفروض على موانئها كشرط مسبق تقوم بعده طهران بفتح مضيق هرمز وإتاحة حرية الملاحة. في المقابل، ترفض الإدارة الأميركية منطق الشروط الإيرانية وتطالب بالمعكوس تماماً: فتح مضيق هرمز أولاً وبث خطوات بناء الثقة قبل الحديث عن رفع الحصار أو الإفراج عن الأصول المجمدة. اذ نفى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاثنين، أن يكون قد عرض على إيران تخفيف العقوبات أو الإفراج عن أموالها المجمدة، في إطار الجهود الجارية للتوصل إلى اتفاق.
كما يتمسّك الأميركيّون بربط رفع العقوبات بالبرنامج النّوويّ ونتائج المفاوضات، لكنّهم لم يُغلقوا الباب بالكامل على بحث الإفراج عن الأموال المُجمدة في قطر التي تُقدّر قيمتها بـ12 مليار دولار. وفي الإطار نفسه، كان وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي يحطّ رحاله يومَ الثلاثاء في العاصمة القطريّة حيث تسلّم الرّد الأميركيّ الذي من المتوقّع أن تجيب عليه طهران خلال 48 ساعة. ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول إيرانيّ كبير قوله إنّ الخلاف الرئيسي بين الجانبين يتعلق بترتيب الخطوات وليس بعناصر خطة الأيام السبعة التي قدمتها إيران سابقاً من أجل فتح مضيق هرمز.
على التّوازي، نقلَ موقع “AXIOS” الأميركيّ عن مسؤول في الإدارة أكّد عدم وجود تقدم ملموس في محادثات الاثنين التي توسّطت بها قطر بين الولايات المتحدة وإيران، ولفت إلى أنّ الإيرانيين يطالبون بأمور لا تستطيع واشنطن قبولها. وقال المصدر: “الإيرانيون صرحوا بأنهم لن يقدموا تنازلات إلا بعد موافقة واشنطن على العودة لمذكرة التفاهم”.
بحسب ما توفّر من معطيات، يتضمّن مقترح “الأيام السبعة” الإيراني، الذي طرحته طهران عبر وساطة قطرية بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، النقاط التالية:
– وقف الأعمال القتالية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
– رفع الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.
– الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، والمقدَّرة بنحو 12 مليار دولار.
– استثناءات من العقوبات النفطية المفروضة على طهران.
– في نهاية المهلة (اليوم السابع)، تلتزم إيران بـإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، على أن يعقب ذلك الانتقال إلى مفاوضات شاملة حول برنامجها النووي.
دوافع إيران: خيارات أحلاها مرّ
تأتي “خطة الأيام السبعة” الإيرانية، كانعكاس مباشر للمأزق الحاد الذي يعيشه النظام في طهران. ويشير المصدر لـ”أساس” إلى أن القيادة الإيرانية والحرس الثوري طرحا هذه المبادرة تحت ضغط أربعة عوامل رئيسية:
– الضغط الاقتصادي الحاد: أدى الحصار الأميركي المتواصل والمشدد على حركة الصادرات والواردات المباشرة إلى وضع الاقتصاد الإيراني في حال استنزاف غير مسبوقة.
– الغليان الداخلي والانهيار المالي: تزايدت النقمة الشعبية في الشارع بسبب التردي المعيشي والتراجع القياسي للريال الإيراني، ما رفع منسوب المخاطر الاجتماعية.
– مخاوف الانقسام السياسي والتفكك: بدأت أجهزة القرار تستشعر مخاطر حقيقية لاندلاع نزاعات داخلية في حال طال أمد الحرب، سواء بين الحرس الثوري والجناح السياسي، أو في الأقاليم والمناطق ذات النزعة الانفصالية التاريخية مثل كردستان وسيستان – بلوشستان.
– تآكل “ورقة هرمز” الذهبية: الأهم من ذلك كله أن إيران بدأت تستشعر فقدان أثمن أوراقها التفاوضية. إذ باتت الولايات المتحدة قادرة على حماية وتمرير شحنات النفط عبر مضيق هرمز بمعدلات تقارب ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهات، ما يعني أنّ الحظر الإيراني بدأ يفقد فاعليته، وأنّ النظام بات على وشك خسارة ورقة ضغط استراتيجية على واشنطن والعالم… مع العلم أنّ مقترح “الأيام السبعة” لا يأتي على ذكر مصير باب المندب.
خسارة العاطفة الإقليمية وعزلة الميدان
لا يتصل هذا المأزق الإيراني بالميدان والممر المائي فحسب، بل يمتد إلى العزلة السياسية. يوضح المصدر لـ”أساس” أنّ طهران فقدت التضامن الإقليمي والعربي الذي حظيت به سابقاً خلال مواجهات حزيران 2025. ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى الاعتداءات الإيرانية المباشرة التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب الممارسات والتصعيد المستمر لميليشيا الحوثي واعتداءاتها على الأراضي السعودية، وهو ما ضرب شبكة العلاقات وألغى أي هوامش للمناورة الدبلوماسية الإقليمية لصالح طهران.
تحركات الخليج: كواليس الزيارة السرية وتنسيق الردع
على الضفة الأخرى من الخليج، أسرعت الدول العربية والإقليمية خطواتها لترتيب أوراقها الأمنية والسياسية في مواجهة التهديدات الإيرانية وحالة عدم الاستقرار.
في هذا السياق، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية تفاصيل واسعة عن الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي ولقائه بالرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد.
بحسب ما أفادت به صحيفة “يديعوت أحرونوت” وموقع “Ynet” الإسرائيليان، فإنّ الاجتماع جرى ترتيبه بدعم وتنسيق من رئيس جهاز الموساد رومان غوفمان، وضمّ وفداً أمنياً إسرائيلياً رفيع المستوى تشكّل من رئيس الموساد ورئيس مجلس الأمن القومي والسكرتير العسكري لنتنياهو.
أكدت شبكة i24NEWS وموقع Ynet الإسرائيليان أنّ المحادثات ركزت بشكل أساسي على الملف الإيراني وسبل الحد من نفوذ وتهديدات وكلاء طهران في المنطقة، وعلى رأسهم جماعة الحوثي. ووفق المصادر الإسرائيلية ذاتها، شهدت اللقاءات حضوراً وتنسيقاً ضمّ ممثلين من دول إقليمية. إذ استمع الحاضرون إلى عرض إسرائيلي لتزويد المنطقة بأنظمة دفاع جوي وتكنولوجيا متطورة لصد الصواريخ الباليستية والمسيّرات استكمالاً للدعم الدفاعي الذي قدمته تل أبيب للإمارات في مواجهات سابقة مع طهران.
بين شرط واشنطن بالبدء بفتح هرمز ومطلب طهران بالبدء بفك الحصار، تبقى “خطة الأيام السبعة” معلقة في هواء المبادرات المفخخة بالشكوك. وما بين تعثر الدبلوماسية وتصارع خيارات الردع، تجد إيران نفسها أمام خيارات ضيقة: إما القبول بتراجعات مؤلمة تتجاوز كبرياء الخطوة الأولى، أو مواجهة استنزاف داخلي وخارجي أشد خطورة على بنية نظامها.
