بغداد/ تميم الحسن…جريدة المدى
في بغداد، أُعلن أمس انتهاء مهمة التحالف الدولي ضد “داعش” بقيادة الولايات المتحدة، فيما بقي التعامل مع سلاح الفصائل معلقاً.
وللمرة الأولى منذ سنوات، تجد الحكومة والقوى الشيعية نفسيهما أمام اختبار هذا الملف من دون ذريعة الوجود العسكري الأميركي، الذي استخدمته الفصائل طويلاً لتبرير احتفاظها بالسلاح. والسؤال الآن كيف ستتعامل بغداد مع هذا الملف بعد انتهاء المهمة؟
كان يفترض أن يكون 30 أيلول، الذي سمته الحكومة “يوم السيادة”، محطة نهائية لمعالجة ملف السلاح. لكن الموعد انتهى إلى أن يكون تاريخاً لخروج قوات التحالف، بينما تحرك ملف السلاح إلى 30 حزيران 2027، وفق التفاهمات التي أعلنتها الحكومة. المشكلة أن أحداً لا يملك، حتى الآن، ضمانة واضحة بأن السلاح سيصل فعلاً إلى نهاية الطريق. بل إن بعض الفصائل لم تعلن أصلاً أنها ستسلم سلاحها في النهاية.
وهنا قد تبدأ بغداد بالدوران في حلقة مفرغة: تنتهي مهمة التحالف، يبقى السلاح، ثم تبدأ الجماعات المسلحة في البحث عن مبررات جديدة لتأجيل التعامل معه.
انسحاب لا ينهي الوجود
لم يكن الانسحاب الأميركي، حتى في الرواية الأميركية، يعني اختفاء كل الأميركيين من العراق. عشية خروج آخر جندي أجنبي، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريراً نقلت فيه عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين أن بعض قوات المارينز ستبقى لحماية البعثات الدبلوماسية، إلى جانب متعاقدين يتولون صيانة مقاتلات “أف-16” والدبابات أميركية الصنع. وقال المسؤولون إن الجيش الأميركي سحب بالفعل منظومة الدفاع الجوي “باتريوت” التي كانت متمركزة في أربيل.
ومع استمرار الهجمات الإيرانية وهجمات الفصائل المسلحة، ستتركز الدفاعات الجوية الأميركية الأخرى، وفق المسؤولين، على حماية السفارة في بغداد والقنصلية في أربيل.
وهذا التفصيل قد يصبح مهماً في المعركة المقبلة حول السلاح. فالفصائل التي كانت تريد اختبار حقيقة الانسحاب ستجد نفسها أمام وجود أميركي أصغر، لكنه لم يختف تماماً، بحسب محللين وسياسيين.
السلاح الذي بقى بعد الانسحاب
وقبل ساعات من الانسحاب، لم تكن الفصائل تودع القوات الأميركية كانت تراقبها.
قالت إنها ستراقب السماء والحدود للتأكد من أن الأميركيين غادروا فعلاً، وهددت بإسقاط الحكومة إذا لم تنفذ ما تعتبره مطالبها.
كان ذلك اختباراً مبكراً لما سيأتي بعد 30 أيلول.
فالفصائل كانت قد وضعت في وقت سابق قائمة من الشروط للتعامل مع ملف السلاح، لكنها لم تقدم، في المقابل، تعهداً واضحاً بأن تنفيذ هذه الشروط سيقود إلى تسليم السلاح.
يقول محللون وسياسيون إن الجماعات المسلحة قد تجد مبررات لإبقاء سلاحها سواء نفذت الحكومة مطالبها أم لم تنفذها.
وهذا ليس جديداً تماماً فقد رفضت الفصائل المسلحة خلال السنوات الماضية تسليم سلاحها، ووصل بعضها إلى القول إن السلاح لن يسلّم إلا إلى “الإمام الغائب”. ومع تعثر المفاوضات، بدأت داخل القوى الشيعية تبحث عن مخرج أقل كلفة، وبتدخل طهران للمساعدة في إنتاج تسوية تجنب بغداد عقوبات واشنطن. ومن بين المقترحات التي ظهرت إبقاء السلاح، لكن تخزينه بعيداً عن يد الحكومة. وأُعلن لاحقاً عن تفاهم ينتهي بموجبه ملف السلاح في 30 حزيران 2027، من دون نشر تفاصيل الاتفاق كاملة أو آلية التفاوض التي أفضت إليه.
كان ذلك الموعد قد جاء بعد تحريك الموعد السابق، 30 أيلول، الذي انتهى به الأمر إلى أن يصبح تاريخاً لسحب القوات الأميركية والتحالف، لا تاريخاً لنزع سلاح الفصائل.
ولا توجد حتى الآن ضمانات واضحة بأن الفصائل ستنزعه عندما يحين الموعد الجديد.
بل إن الحكومة نفسها، التي لوحت في مراحل سابقة بإجراءات أكثر صرامة، تراجعت عن بعضها، وهي تقترب الآن من تمرير قانون الحشد الشعبي، وهي خطوة ينظر إليها بوصفها مكافأة للفصائل في إطار التسوية.
في المقابل، أعاد مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، فتح الملف في يوم الانسحاب، داعياً إلى حصر السلاح عبر “برنامج علني مدروس”، ومطالباً القيادات السياسية بالاستقالة وإفساح المجال أمام وجوه جديدة.
“البساط الأخير”
لكن كفاح محمود، الباحث والكاتب في الشأن السياسي، ينظر إلى الانسحاب الأميركي من زاوية مختلفة.
يقول لـ(المدى) إن خروج القوات الأميركية قد يتحول إلى “عامل ضغط أكبر مما كان عليه وجودها”، لأن الفصائل لن تعود قادرة على استخدام الوجود العسكري الأميركي وحده كذريعة دائمة للاحتفاظ بالسلاح.
ويضع محمود، مع ذلك، كلمتي “القوات الأميركية” و”الانسحاب” بين قوسين، مستعيداً توصيفاً سابقاً لهوشيار زيباري، وزير الخارجية السابق، بأن ما جرى “ليس احتلالاً، وليس هناك انسحاب أيضاً” بالمعنى التقليدي للكلمتين. فالقصة، بحسب محمود، بدأت باتفاق بين بغداد وواشنطن، حدد مهام مجموعات عسكرية بقيت في العراق بعد عام 2011، بطلب من الحكومة الاتحادية، في ظل تداعيات ظهور تنظيم “داعش”. وإلى جانب القوات، بقي فنيون وخبراء لتدريب الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب وقوات البيشمركة. لكن محمود يعتقد أن واشنطن ربما أرادت، من خلال إنهاء هذا الوجود، “سحب آخر بساط من تحت أقدام الميليشيات أو الفصائل”.
واشنطن لا تريد صداماً
لا يتوقع محمود، في المقابل، أن يؤدي الانسحاب إلى زيادة خطر الفصائل المسلحة بالضرورة.
ويرى أن الأميركيين قد يتعاونون مع خطة الزيدي المرنة لتجنب الصدام، خصوصاً بعد التحذيرات التي أطلقها مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، من أن الوصول إلى التصفية أو الاقتتال سيدفع المواطن العراقي ثمنه، وقد يقود إلى حرب داخلية. بالنسبة إلى محمود، هذه هي النتيجة التي تريد واشنطن تجنبها. لكن ذلك، في تقديره، لا يعني أن الولايات المتحدة ستسمح للفصائل المسلحة بـ”التغول” أو اكتساب قوة أكبر. ويضع ذلك في سياق أوسع، مرتبطاً بإيران التي يقول إنها تواجه ضغوطاً متزايدة بفعل العقوبات والضربات التي طالت منشآت عسكرية وصناعية إيرانية. ومن هنا، يرى محمود أن وضع الجماعات المسلحة المرتبطة بالمجال الحيوي الإيراني، من اليمن إلى لبنان والعراق، يمر، بحسب تقديره، بمرحلة تراجع وليس تصاعداً.
ويشكك كذلك في قدرة الطائرات المسيرة أو التهديدات الإعلامية على حسم مواجهة واسعة، منتقداً ما يصفه بالخطاب التصعيدي الذي رافق تهديدات بعض الفصائل بإسقاط الحكومة أو مواجهة الولايات المتحدة.
“عن أي سيادة نتحدث؟”
من جهته يضع باسل حسين، الأكاديمي ورئيس مركز كلواذا للداراسات، إصبعه على مفارقة أخرى، خلال حديثه مع (المدى).
فإذا كانت قوات التحالف قد جاءت إلى العراق بطلب رسمي من الحكومة العراقية، وتغادر اليوم باتفاق معها، فماذا يعني أن يسمى يوم خروجها “يوم السيادة”؟
يقارن حسين ذلك بعام 2011، عندما كان خروج القوات الأميركية مرتبطاً بحرب واحتلال استمرا سنوات، وكان الجانب الأميركي نفسه يصف خروجه بأنه نهاية الحرب في العراق.
أما اليوم، فإن المشهد مختلف.
القوة الأجنبية لم تدخل العراق، في توصيفه، بوصفها قوة احتلال جديدة، وإنما جاءت بطلب الحكومة لمساعدتها في الحرب على داعش.
لذلك يرى أن السيادة لا يمكن اختزالها في عدد الجنود الأجانب الذين يغادرون المطارات والقواعد. المعيار الحقيقي، بحسب حسين، هو قدرة الدولة على فرض قرارها داخل حدودها واحتكار السلاح ومنع أي قوة من العمل خارج سلطتها. ويقول إن “يوم السيادة الحقيقي” هو اليوم الذي تملك فيه الدولة وحدها قرار الحرب والسلم، وتكون السلطة الأمنية والعسكرية بيد مؤسساتها، ولا يعلو على قرارها سلاح أو تنظيم أو ولاء عابر للحدود.
“لا مبرر لبقاء الجماعات المسلحة”
لكن التحالف الدولي لم يترك نهاية مهمته بلا رسالة إلى الفصائل.
في احتفالية بغداد، أكد التحالف الدولي المناهض لـ”داعش” أنه لا يرى مبرراً لبقاء الجماعات المسلحة في ظل انتهاء مهمته وانسحابه من العراق.
وقال إنه “أنجز مهمته”، وإن آخر عملية انسحاب تمت من أربيل، قبل أن يعلن أن العلاقة بين جيوش دول التحالف ستدخل مرحلة أخرى من التعاون. وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” رسمياً اختتام الولايات المتحدة وشركائها في التحالف الدولي عملية “العزم الصلب” في العراق.
في الاحتفال الذي أطلقت عليه الحكومة “يوم السيادة”، قال رئيس الوزراء علي الزيدي إن العراق دخل مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره.