-
حسام جزماتي… الجمهورية .نت
-
-
1.– العدد المزدوج (4-5) تموز وآب (يوليو وأغسطس) 2026.
-
في العدد الأخير من «مجلة الشام»1 التي تصدر عن وزارة الثقافة نُشر حوار مع أنس الدغيم، مدير إدارة المراكز الثقافية في الوزارة، للحديث عن رؤيتها وسياساتها في هذا «العصب التنفيذي»، والمساحة الأقرب من الناس، فمن خلالها «تتحول التوجهات الثقافية إلى برامج» على حدِّ التعبير الدقيق للمجلة.
بدأ الحديث، كالمعتاد، باستعراض التركة الثقيلة للنظام. فقُرابة 65 بالمئة من المنشآت الثقافية التابعة للإدارة (مراكز ومديريات ودور وقصور ونوافذ ومحطات) خارج نطاق الخدمة. إما لأسباب إنشائية بتضرّر المبنى كلياً أو جزئياً، أو لفقدان التجهيزات أو لنقص الكوادر أو عدم أهليتها لطبيعة العمل، ممّا قد يستلزم الترميم هنا والتجهيز هناك ومحاربة «الترهل الإداري» في مكان ثالث.
قال الدغيم إن المراكز الثقافية ستنتظم في نشاطات مركزية تتضمن أسبوعاً من كل شهر؛ تبدأ بأسبوع اللغة العربية وتنتهي بأسبوع النصر، وستُقيم الإدارة مهرجانات مثل «أيام البردة الدولي للمديح النبوي»، و«دمشق الدولي للشعر العربي»، وفي المراكز المحلية مهرجانات تحتفل بخصوصيتها الثقافية، كمهرجان أبي تمام في جاسم، ونزار قباني في دمشق. وذلك في إطار هدفٍ إستراتيجي هو «تعريف السوريين بالسوريين» انطلاقاً من استعادة أبناء كل منطقة لذاكرتهم وثقافتهم المحلية، وصولاً إلى التعرّف إلى ثقافات وعادات المناطق السورية الأخرى.
في مطلع تموز (يوليو) 2025 كُلِّف الدغيم بمنصبه بعد أن عرض عليه وزير الثقافة، محمد ياسين صالح، أن يختار المقعد الذي يروق له فيها، فدرس الوضع ثم ارتأى مديرية المراكز الثقافية لسبب لا نعلمه. فالدغيم لم يشغل عملاً إدارياً سابقاً، فضلاً عن أن يختص بالإدارة الثقافية. والمعروف أنه شاعر يكتب القصائد العمودية في غرضين رئيسيين؛ أولهما المدائح النبوية ودعم التوجه الإسلامي، وثانيهما الثورة التي حاز بين جمهورها مكاناً متميزاً. فضلاً عن انتمائه إلى عائلة شهيرة واسعة النفوذ من جرجناز بريف إدلب، حيث ولد في العام 1979. أمّا دراسياً فهو يحمل بكالوريوس الصيدلة من جامعة فيلادلفيا في الأردن. وعملياً يبدو أن أبا معاوية مشغول بما هو مغرم به شخصياً من نشاطات مركزية؛ المديح والشعر العمودي واللغة العربية والأمويين، والنصر.
المصدر: صفحة محبو الشاعر أنس الدغيم من خلال استعراض الفعاليات التي أقامتها المراكز الثقافية المحلية، التي يُفترض أنه يُشرِف عليها، يبدو أنها تُقدِّم ما تيسّر. ففي آب (أغسطس) الفائت أقامت المنشآت التابعة لإدارة المراكز الثقافية ما يقرب من 550 نشاطاً، تركّز ربعها في العاصمة، وترتفع النسبة إلى 37 بالمئة بإضافة ريفها، رغم أن طرطوس تحتل المرتبة الثانية في عدد النشاطات بين دمشق وريفها، بنسبة تجاوزت 20 بالمئة من العدد الكلي في سوريا. وقد تركت السياسة أثرها بغياب السويداء تماماً، وبحضور الحسكة بنشاط واحد، هو عرض مسرحي بعنوان دالّ بالصدفة هو «تذاكر مؤجلة».
من جهة المضمون بدا أن المراكز تستجيب للمعطيات الزمنية الموسمية أكثر مما تنطلق من خطة مسبقة. فهناك حضور كبير للنشاطات المُخصصة للأطفال بما أن الشهر المذكور يقع في قلب العطلة الصيفية. وقد تجاوزت هذه الفعاليات ما هو مألوف من الثقافة، كنوادي قراءة أو عروض سينمائية، إلى ورشات «للأطفال والشابات»، كما قال الإعلان، في كل من الكروشيه وجزادين الخرز والتصميم بأعواد المخمل.
من ناحية هجرية صادف وقوع ذكرى المولد النبوي مع الشهر الذي ابتدأ بمسابقة أدبية بعنوان «عَقْدُ المديح» قدّمها أصدقاء مركز حيّ كفرسوسة بدمشق، وانتهى بحفل إنشادي بعنوان «لبيك يا رسول الله» أُقيم في المركز الثقافي بحيّ العزيزية بحلب. وبينهما ندوة شعرية يتخللها إنشاد قصائد في المدائح النبوية لفرقة «طيبة» في دار الثقافة بمدينة اللاذقية.
فرض صدور نتائج الثانوية العامة حضورها بندواتٍ وجلساتٍ ومحاضرات بعناوين تدور حول «مفترق الطرق بعد البكالوريا» و«اختيار التخصص الجامعي بذكاء»، لتُضاف إلى خط ثابت يرتبط بالسوق، يتناول «عوامل النجاح في تطور المسار الوظيفي بمجال المبيعات»، و«التسويق الشامل» (MARKETING)، و«الجاهزية لفرص العمل»، تدعمه دورات في بناء القدرات ومحاضرات في تطوير الذات، من نوع «إعداد قائد يافع»، و«صناعة المبادرة»، بل «كيف تجعل من مولدك نقطة تحول في حياتك»، ثم تتحول «من شاب طموح إلى صانع أثر».
من ناحية صحية استجابت المراكز في المحافظات للحملة المركزية للوزارة لمكافحة المخدرات بقرابة ثلاثين عنواناً تناولت أنواعها ومخاطرها الصحية وأسباب الإدمان عليها والعقوبات القانونية على تعاطيها. كما لبّت نداء «أسبوع الرضاعة الطبيعية» العالمي بقرابة عشرين محاضرة وندوة مثل «حضن دافئ وغذاء متكامل»، أو «حليب الأم الهدية الأولى لطفلك»، و«أمومة واعية… رضاعة ناجحة». فضلاً عن محاضرات توعوية طبية متفرقة من نوع «التغذية والبدانة»، و«صحة قلبك»، و«نقص التروية»، و«التصلب اللويحي»، و«داء الكلَب»، و«الطب النفسي».
لكن المديرية، بعد أن أدت دورها كبديل عن وزارات التربية والتعليم العالي والصحة والداخلية والأوقاف، لا تغفل عن وظيفتها الثقافية. وهنا يحضر الشعر محوراً أساسياً للنشاط في أصبوحات وأمسيات تحمل عناوين إنشائية من مثل «على ضفاف القصيدة»، و«ملتقى الشراع»، و«بوح السنابل». فيما يحتفي بعضه بالتغيير الثوري الحاصل: «النصر يزهر أدباً» و«النصر المبين». وتحتفل نشاطات شعرية بجغرافيتها المحلية مثل «أبعدَ الشام حب؟»، و«لأنها دمشق»، و«لأنها حمص» كذلك، و«تراتيل على ضفاف الفرات»، و«الشعر في مشتى الحلوين». فضلاً عن أربع نشاطات زجلية، وأمسية في الشعر النبَطي في المركز الثقافي بمدينة الطبقة.
وتأتي اللغة العربية في المرتبة الثانية، ممزوجة ببلاغة القرآن الكريم وإعرابه أحياناً، ومستقلة في مرات بعناوين مثل «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب»، أو «إشراقات في الشعر العباسي»، و«بيان العربية وجمالها».
من الناحية العملية تميل المراكز الثقافية في العاصمة إلى الاستثمار حتى في المجالات الأدبية. فتُقدِّم، مثلاً، ورشتا عمل كتابيتان بعنوان «تقنيات السرد القصصي»، في أول الشهر ومنتصفه، في مركز أبو رمانة. أمّا مراكز محافظة دير الزور، في الشرق، فقدّمت محاضرة، «تاريخية وأثرية» كما قال العنوان، هي «رحلة إلى الماضي»، وأخرى «فقهية وقانونية» بعنوان «حق الأنثى في الميراث»، ومعرضاً فنياً بعنوان «ألوان فراتية» بطبيعة الحال، في المركز الثقافي بالميادين.
وفي مقابل هذه المحلية يغيب العالم تماماً عن مجمل النشاطات. فلا ترجمات ولا محاضرة عن أديب غربي ولا مناقشة لأي أفكار «مستوردة». فيما يحضر العرب «الذين يشبهوننا» مثل الروائي الأردني أيمن العتوم الذي ألقى محاضرة بعنوان «غايات القراءة والكتابة» في مدرج المركز الثقافي بإدلب، وأخرى بعنوان «من القراءة إلى صناعة الإنسان» في المركز الثقافي بمدينة الباب بريف حلب، ضمن سلسلة نشاطات قام بها في سوريا، شملت مشاركته في «مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي» والعديد من حفلات توقيع كتبه. كما هي حال الكاتب الفلسطيني أدهم الشرقاوي (قس بن ساعدة على منصات التواصل الاجتماعي) الذي قدّم، في قصر الثقافة بحمص، محاضرة بعنوان «على أعتاب الطريق: رسائل إلى الشباب». في فرصة سمحت لهذين المؤلفين، ذائعَي الصيت لدى جمهور الشباب المحافظ، بلقاء قرائهما من السوريين بعد أن كانا لا يستطيعان دخول البلاد بسبب مواقفهما المعارضة.
وهي حال بعض الكتّاب السوريين الذين ربما صعدوا إلى المنابر الثقافية في بلدهم للمرات الأولى بعد سقوط النظام. فقد ألقى فضل عبد الغني [الشقفة]، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، محاضرة بعنوان «أي عدالة انتقالية تحتاجها سوريا»، في مقر مديرية الثقافة في مدينته حماة. وصعد الشاعر الإسلامي مصطفى عكرمة إلى منصة مركز أبو رمانة، والمحاضر بسام بنيّان إلى مركز برزة الدمشقي. وتنقلت الروائية ابتسام شاكوش بين مركز العدوي في العاصمة، حيث تناولت «تقنيات بناء الشخصية الروائية في روايات أدب الثورة»، وبين قاعة الأنشطة بدار الثقافة في اللاذقية التي تنحدر منها.
عند قراءة طبيعة الفعاليات التي نظّمتها أو استضافتها هذه المنشآت الثقافية في المدة المدروسة، كعيّنة حديثة، فإنه لا تنفع مقارنتها بالأنشطة المألوفة التي كانت تُمارسها في سنوات هدوء حكم الأسدين، ولا طبعاً بما آلت إليه الأمور من ترهّل و«تمشاية حال» ومحاضرات تعبويّة متصاعدة في سنوات الثورة. ففي الأولى كان الطابع العام للأنشطة نزّاعاً نحو الحداثة والعلمانية، منفتحاً على العالم الذي كان ينحو إلى أن يكون «تقدمياً» بحكم دراسة كثير من الفاعلين الثقافيين في بلدان ما كان يُسمّى «المعسكر الاشتراكي» وتبنّي بعضهم الشيوعية. أمّا المرحلة الثانية فكانت مجرد استمرار رديء لبعض سمات الأولى، واستعانة بمحاضرين من فضاء «حزب البعث» وأجواء «اتحاد الكتّاب العرب» من دون كبير عناية بالمحتوى الذي وُجد لملء الفراغ فقط.
ومن دون تنسيق أو تخطيط، يبدو الوجه الجديد للمراكز الثقافية السورية أشبه بتجربة «النوادي الأدبية» في السعودية ودول الخليج العربي. وربما يعود ذلك، جزئياً، إلى انتماء وزير الثقافة الحالي إلى ذلك الوعاء الثقافي أكثر بكثير من معرفته بسياق الثقافة السورية؛ وإلى الطبيعة المُحافِظة لمعظم المدراء الجدد للمديريات والمراكز، وعلى رأسهم أنس الدغيم؛ وأخيراً إلى فهم مُعيَّن لطبيعة دور المراكز الثقافية بوصفها منشآت يجب أن توضع «في خدمة المجتمع» وتتكامل وظيفتها مع باقي المؤسسات الحكومية والأهلية، حتى لو أدى ذلك إلى أن ينظّم قصر الثقافة ببانياس «محاضرة توعوية» للمهندسة هيفاء تجّور، بعنوان «الحرائق.. أسبابها وطرق الوقاية».
-