ليس كل ما تقتضيه المالية العامة يحتمله الاجتماع السياسي. هذه قاعدة تبدو بديهية، لكنها تُصبِح شديدة الالتباس في مراحل الانتقال، حيث تكون الحاجة إلى إصلاح الاقتصاد عاجلة، فيما تكون شرعية السلطة الجديدة وقدرتها الإدارية ومعرفتها بالمجتمع كلُّها في طور التشكّل. في هذه اللحظات تحديداً لا يكون السؤال الاقتصادي: ما القرار الصحيح؟ بل، أي قرار تستطيع الدولة أن تحوّله من ضرورة محاسبية إلى عبء اجتماعي مقبول، ومَن يتحمّل ثمن الانتقال بين الاثنين؟

تختصر هذه المسألة جانباً واسعاً من المأزق الاقتصادي في سوريا. فثمةَ اقتصاد مُنهَك يحتاج إلى تحرير موارده التي يستنزفها الدعم، ومصرف مركزي تتم إعادة هيكلته، وقطاع مصرفي فَقدَ جانباً كبيراً من وظيفته، ومالية عامة تُحاول التخلص من إرث التمويل بالعجز، وحكومة تريد استقطاب الاستثمار والقطاع الخاص. لا خلافَ جدي على أن هذا كله يحتاج إلى قرارات مؤلمة. لكن الألم الاقتصادي هنا ليس وحدة قياس مجردة؛ فهو يقع على مجتمع لم يدخل هذه المرحلة حتى من نقطة الصفر، بل بعد خمسة عشر عاماً من تآكل الدخل، والنزوح، وفقدان الأصول، وتراجع الخدمات العامة.

وضعَ قرار رفع أسعار المحروقات في أيلول (سبتمبر) 2026 هذه المعضلة في الشارع مباشرة. إذ رفعت الحكومة أسعار المشتقات النفطية، وعلى رأسها سعر المازوت القياسي بنحو أربعين بالمئة، وعزت الزيادة إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وإلى توقّف مصفاة بانياس للصيانة، في ظرف شهد أصلاً ارتفاعاً حاداً في أسعار الديزل عالمياً. ثم اندلعت احتجاجاتٌ في مناطق مختلفة، قبل أن تُعلِن الحكومة أسعاراً أخفض للمازوت المستخدم في التدفئة والزراعة وبعض الأنشطة الإنتاجية.

ما جرى لا يَصلُح دليلاً بسيطاً على خطأ الزيادة أو صوابها. فقيمته في شيء آخر، ألا وهو كشفُ الفارق بين معرفة الدولة بكلفة السلعة ومعرفتها بكلفة القرار. الأولى كانت حاضرة منذ البداية؛ أمّا الثانية فلم تكتمل إلا حين ظهرت آثارها الاجتماعية في صورة احتجاجات. ولهذا جاءت التعديلات اللاحقة أقل من تراجع عن التسعير وأكثر قرباً إلى الإدراك بأن المازوت ليس سلعة واحدة سياسياً، حتى لو كان سلعة واحدة في جدول الأسعار؛ فهو وقود للتدفئة، ومدخل للزراعة، وعنصر في النقل، وكلفة في الإنتاج، ولذلك تتوزّع صدمته في المجتمع بطرق لا يمكن حصرها بالفارق بين السعر المدعوم والحقيقي. المشكلة، إذاً، ليست في أن الحكومة لم تملك مبرراً للرفع، فبعض مبرراتها قويٌّ فعلاً. لكنها بين الحساب الذي تقوم به الدولة لنفسها والحساب الذي يجب أن تقوم به لما سيقع على الناس.

حتى الأرقام التي عُرضت لاحقاً لتفسير القرار تعكس هذه المعضلة. فقد قدَّم وزير الطاقة أرقاماً عن الإنتاج المحلي والفجوة والاستيراد وكلفة تأمين الخام والمشتقات، لكنها، بصورتها المُعلنة، لم تضع أمام الجمهور ميزاناً متكاملاً يسمح بفهم العلاقة الدقيقة بين الإنتاج والتكرير والاستيراد والطلب النهائي. ولا يعني ذلك أن الأرقام خاطئةٌ بالضرورة، رغم الشك بدقتها؛ لكنه يعني أكثر أن المعلومة التي تُبرِّر عبئاً عاماً تحتاجُ إلى معيار أعلى من مجرد إعلانها. فمن غير الكافي وجود الأرقام لدى وزارة الطاقة، بل لا بد من وسيلة شفافة لتتبّع الطريق الذي يصل بينها وبين النتيجة المفروضة على المجتمع.

وهذه المسألة لا تُعتبر ترفاً في إدارة قطاع الطاقة، لأنها تكشف طبيعة التحوُّل الاقتصادي كله. فالحكومة الجديدة تتحرك باتجاهٍ بدأت تتضح ملامحه؛ ضبط الإنفاق بما تسمح به الموارد، إبعاد المصرف المركزي عن تمويل العجز، زيادة الجباية، إصلاح المصارف، تحسين الإدارة المالية، واستعادة دور الاستثمار الخاص. وهذا هو المسار الذي كشفته وأثنَت عليه بعثات صندوق النقد الدولي إلى دمشق، وليست المصادر الحكومية بطبيعة الحال.

ففي زيارته الأخيرة، رأى الصندوق أن التعافي يتسارع، وأن الإيرادات الضريبية والجمركية وإيرادات المحروقات تتحسّن، لكنه وضع إلى جانب هذه المؤشرات ثلاث حقائق حاسمة: الفقر ما يزال واسعاً، والنمو غير متكافئ جغرافياً، والبيانات الاقتصادية الأساسية لا تزال تعاني فجوات في التوافر والجودة تُعيق التقييم الدقيق. وفي الوقت نفسه دعا إلى استمرار تحسين المالية العامة وتعبئة الإيرادات وخلق حيّز يسمح بتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي.

هذه الملاحظات الثلاث ليست حاشية اجتماعية على برنامج اقتصادي ناجح؛ إنها قلب المسألة. فالدولة التي تريد أن تنتقل من دعم واسع إلى دعم موجّه تحتاج، قبل أيِّ شيء، إلى أن تعرف المجتمع الذي تريد استهدافه. وهذا أصعب كثيراً من معرفة حجم الإنفاق على الدعم. فهي يجب أن تعرف مَن فقد دخله، ومَن عاد من النزوح، ومَن يعمل خارج الاقتصاد الرسمي، ومَن تختلف حاجته إلى الوقود بحكم مكانه أو مهنته، وكيف تتغيّر كلفة المعيشة بين منطقة وأخرى. وكلما ضاقت دائرة المستفيدين المُفترَضين، أصبح الخطأ في تعريفهم أكثر فداحة.

ولكن المعرفة وحدها لا تكفي. فقبول المجتمع بسياسة اقتصادية مؤلمة لا يتحدّد بمقدار الخسارة فقط، بل أيضاً من خلال حكمه على الدولة التي تطلب منه تحمّلها. فالمواطنون لا يفصلون بين سعر الوقود وبين الحوكمة، أيْ بين رفع الدعم وبين ما يرونه من فساد ومحاباة أو غموض في القرار أو ضعف في الخدمات. ولذلك تكتسب مسألة الحوكمة هنا وزناً لا يقل عن مسألة الحماية الاجتماعية.

لذلك بدأت الحكومة الانتقالية تُواجه تصاعداً تدريجياً في تراجع المزاج العام الداعم لها. إذ سبقت الاحتجاجات الأخيرة، والتي كان مركز ثقلها الحاضنة الاجتماعية المفترضة للحكومة، عدة وقفات واعتصامات ناقدة للأداء الاقتصادي والإداري، وحملات على وسائل التواصل الاجتماعي حول التعيينات المرتبطة بالولاء والقرابة، وغياب الشفافية المالية، وشبهات الفساد. وتكشف هذه السلسلة الممتدة من الاعتراضات والنقد أن سوء الإدارة وتفاوت الوصول إلى النفوذ أصبحا جزءاً من الطريقة التي يقيس بها السوريون أداء السلطة الجديدة.

وهذا يُغيّر معنى التضحية الاقتصادية. فالتقشفُ والصبر على الصدمات حين تطلبه إدارةٌ يثق الناس بكفاءتها وعدالة توزيعها، قد يكون مقبولاً، بوصفه جزءاً من عبور جماعي لأزمة. أمّا حين يترافق مع شعور بأن الموارد وإدارتها تتم في ظلِّ غيابٍ تام للشفافية، أو أن فُرص النفاذ إلى الدولة غير متساوية، ويشيع الفساد، تُصبِح الخسارة بالنسبة للشعب قرينةً على أن الدولة تطلب من المجتمع تمويل كلفة لا يملك تأثيراً حقيقياً في كيفية توزيعها.

هنا يبدأ السياسي داخل الاقتصادي. ليس لأن ارتفاع الأسعار يقود آلياً إلى الاحتجاج، بل لأن السعر يتحول إلى مؤشر للحكم على موقع الفرد داخل الدولة. فحين يشعر الناس أن العبء موزّع بصورة عادلة، وأن السلطة نفسها تدفع ثمنَ التقشف في امتيازاتها وإنفاقها، وأن التضحيات مرتبطةٌ بمسار واضح يمكن مساءلته، قد تكون قدرتهم على احتمال الكلفة أعلى بكثير من قدرتهم على احتمال عبء أقل يشعرون بأنه انتقائي أو غير مبرر. العدالة هنا ليست قيمة أخلاقية تُضاف إلى الاقتصاد بعد الانتهاء من رسم سياسته؛ إنها أحد شروط قابلية السياسة الاقتصادية للاستمرار.

لهذا لا قيمة لشبكة أمان تأتي بعد القرار الاقتصادي، إذا كان حجمُ التصحيح يُحدَّد أولاً، ثم تبدأ الدولةُ في البحث عن الفئات التي ينبغي تعويضها، فإن الحماية تظل معالجةً لأثرٍ سبق تقريره. أما حين تدخل خسارة الدخل، وتفاوت المناطق، وهشاشة المهن، وقدرةُ الأسر على الصمود في حساب القرار نفسه، تُصبِح الحماية قيداً على مقدار التصحيح وتوقيته.

هذه، في جوهرها، ليست دعوةً إلى تثبيت الأسعار ولا إلى إعادة بناء الدولة القديمة حول الدعم. فالدعم الشامل مُكلِف ومشوّهٌ وقابلٌ للتسرب. لكن التخلص منه لا يُعفي الدولة من السؤال الذي كان يخفيه: مَن يتحمل المخاطر التي كانت الخزانة تتحمل جزءاً منها؟ فعندما تنسحب الدولة من دعم سعر أو خدمة أو ضمان، لا تختفي المخاطر؛ وإنما تنتقل إلى الأسر والأسواق. وإذا كانت الأسر متفاوتة في قدرتها على امتصاصها، يُصبِح تحرير السعر إعادةَ توزيعٍ للمخاطر بقدر ما هو تصحيح له.

ولسوريا خبرة ثقيلة مع هذا النوع من الاختلال. فالانتقال إلى «اقتصاد السوق الاجتماعي» قبل 2011 لم يقع على مجتمع متجانس. إذ كانت المناطق الشرقية والريفية عموماً أكثر هشاشة، ثم أضاف الجفاف ضغطاً شديداً على الزراعة والدخل والهجرة الداخلية. ولا يُفسِّر ذلك الثورة السورية، ولا يجوز اختزال أسبابها السياسية والاجتماعية في الاقتصاد. لكنه يوضح شيئاً أكثر تحديداً، وهو كيف يُمكن للسياسة الاقتصادية أن تبدو معقولة عند مستوى الدولة، وأن تكون مختلفة جذرياً عند مستوى المنطقة أو المهنة أو الأسرة. ولعلّ من المفيد هنا التذكير بأن خبراء صندوق النقد أثنوا أيضاً على التحول الاقتصادي حينها، واعتبروا الدعم الموجّه الذي انتهجته الحكومة كافياً لعلاج الآثار الاجتماعية للتحول.

لا تكتسب الخسارة الاقتصادية معنىً سياسياً بسبب حجمها وحده، بل بسبب مكان وقوعها وتكرارها. أيْ حين تَدفَع فئاتٌ بعينها كلفة رفع الدعم عن الوقود، وكلفة تراجع الخدمات، وكلفة ضعف فرص العمل، بينما ترى أن ثمار التعافي تتجمّع في مكان آخر، تتحول المسألة من الدخل إلى الاعتراف. ولا يعود الهاجس، لماذا ارتفع السعر؟ بل لماذا يقع العبء علينا بهذا القدر، وما موقعنا أصلاً في الدولة التي تُعيد بناء نفسها؟

وهنا يتحدد معنى «الشرط الاجتماعي» الذي يحتاجه الإصلاح السوري. ليس حزمة تعويضات، ودعم موجّه لفئات بعينها، بل قاعدة تمنع الاقتصاد الكلي من التحول إلى مؤشر وحيد لتعريف النجاح. فإذا تحسنت الإيرادات، واستقرت العملة، وانخفض العجز، بينما ازدادت هشاشة فئات أو مناطق محددة إلى حدٍّ يُهدّد بقاءها الاقتصادي، فمن غير الكافي أن تقول الحسابات المالية الوطنية إن السياسة نجحت. يجب أن توجد مؤسسات قادرة على إظهار هذه الخسارة قبل أن تتحول إلى احتجاج، وقادرة على جعلها سبباً لتعديل السياسة لا مجرد نتيجةٍ تُسجَّل بعدها.

من هذه الزاوية يمكن تتبُّع ملامح علاقة الحكومة الانتقالية مع مؤسسات التمويل الدولية. فالحكومة، بحسب المُعلن، لا تريد أن تجعل الاقتراض الخارجي المشروط هو الإطار الذي يحكم إصلاحها، لكنها تستفيد من المساعدة الفنية والمالية للإصلاح. والمسألة هنا قد تبدو سيادية، وسنمضي في هذا الافتراض، لكن ما يَفوت الحكومة في تصحيحها الاقتصادي بطريقة سيادية، هو أن غياب الدائن لا يُلغي الحاجة إلى القيد. بل يطرح سؤالاً أكثر مباشرة، ما الذي يُقيّد السلطة الاقتصادية من الداخل؟

والإجابة ليست في مزيد من النوايا الحسنة على لسان المسؤولين، وإنما في مؤسسات وقواعد بيانات قادرة على التقدير المسبق للأثر التوزيعي للقرارات الكبرى، وحدودٍ واضحةٍ للإنفاق الاجتماعي، ورقابة تشريعية تسبقُ القرار بدلاً من أن تكتفي بسماع تبريراته بعد نفاذه. عندئذٍ لا تعود السياسة الاجتماعية تعويضاً عن الاقتصاد، بل تُصبِح جزءاً من طريقته في اتخاذ القرار.

وهذا هو الموضع الذي يصبح فيه حديث الرئيس أحمد الشرع عن «الصدمات» التي قد تُرافق المرحلة الانتقالية أكثر إثارة للاهتمام من مجرد كونه دفاعاً عن صعوبة الإصلاح. فقبُول فكرة الصدمة لا يحلُّ مشكلة توزيعها. الصدمة الاقتصادية لا تقع في لحظة واحدة؛ لها زمن. وبين الكلفة الحالية والمنفعة المؤجلة فترة يستطيع البعض تمويلها ولا يستطيعها آخرون. فالأُسر التي تملك مدخرات تستطيع الانتظار؛ أما الأسر التي لا تملكها، فالخسارة قد تمسُّ تعليم أطفالها أو غذاءها أو أصلها المنتج. والمشروع الكبير يستطيع امتصاص سنة سيئة، بينما قد يُغلَق المشروع الصغير قبل أن تصل إليه ثمار التعافي.

عند هذه النقطة تظهر الحاجة إلى «شعرة معاوية». ليس بوصفها حلاً وسطاً بين الدعم والسوق، ولا رمزاً للمرونة والقدرة على التراجع. ولكن هي القدرة على إبقاء الإصلاح داخلَ حدودٍ لا تَقطعُ الصلةَ بين الدولة والمجتمع. أن تعرف الدولة متى يصبح ما توفِّره مالياً يُمثّل خسارة على المستوى الاجتماعي، ومتى تتحول الصدمة من كلفة انتقال إلى كلفة فقدان ثقة، ومتى يصبح الإصرار على القرار دليلاً على الصلابة في الحسابات المالية وضعفاً في السياسة.

فالسيادةُ الاقتصادية لا تُقاس فقط بقدرة الحكومة على رفض شروط الخارج. بل تقاس أيضاً بقدرة المجتمع على فرض شروطه على الدولة؛ في كيفية توزيع العبء، وشفافية المؤسسات المالية، وعدالة زمن انتظار ثمار الإصلاح، والحق في مراجعة القرارات قبل أن تتحول إلى أمر واقع.

وشعرة معاوية المفقودة هنا ليست بين دمشق وصندوق النقد والبنك الدولي. إنها بين الدولة والمجتمع، بين حق الأولى في أن تُغيّر اقتصاداً لم يعُد قابلاً للاستمرار، وحق الثاني في ألا يتحول إلى المادة التي تُختبر عليها كلفة هذا التغيير حتى يثبت، بعد فوات الوقت، إن كان العلاج بالصدمات قد أصلح الاقتصاد أم أعاد توزيع أزمته فقط.