الرياض- تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين في اليمن مرحلة أكثر حساسية مع إعلان التحالف الداعم للحكومة اليمنية أن طائرة مسيّرة نسبت إلى الجماعة استهدفت محطة لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة، وهي محطة قال التحالف إنها تغذي الحرم النبوي، في تطور يأتي بعد أيام من إعلان اعتراض مسيّرة أخرى قال إنها كانت متجهة نحو مكة المكرمة.
وقال المتحدث باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن الهجوم على محطة الكهرباء وقع فجر 29 سبتمبر، وإن التحقيقات ومراجعة البيانات العملياتية وفحص حطام الطائرة المسيّرة أظهرت، بحسب الرواية السعودية، تورط الحوثيين في التخطيط والتنفيذ. وأضاف أن الهجوم أدى إلى خروج أحد المحولات من الخدمة، من دون أن تتأثر شبكة الكهرباء بصورة عامة.
وتكتسب الحادثة حساسيتها من موقعها أكثر من حجم أضرارها المباشرة. فخروج محول عن الخدمة لم يؤد، وفق التحالف، إلى انقطاع واسع للكهرباء، لكن استهداف منشأة كهربائية مرتبطة بخدمة المسجد النبوي يضع البنية التحتية المدنية في المدينة المنورة ضمن تداعيات التصعيد، ويضيف بعداً جديداً إلى سلسلة الهجمات التي تقول الرياض إنها طالت أراضيها خلال الأسابيع الأخيرة.
ولم يصدر، وفق المعطيات المتاحة، رد فوري من الحوثيين على الاتهام المتعلق بهجوم المدينة المنورة.
ويأتي التطور بعد حادثة أخرى أكثر حساسية وقعت في منتصف سبتمبر، عندما أعلنت الدفاعات الجوية السعودية اعتراض وتدمير مسيّرة قالت السلطات إنها أطلقت من اليمن باتجاه مكة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة. وقال المالكي حينها إن الحادثة تمثل، وفق الرواية السعودية، المحاولة الثانية لاستهداف مكة بعد هجوم بصاروخ باليستي في يوليو 2017.
أي هجوم جديد قرب مكة أو المدينة أو المنشآت التي تخدمهما سيحمل تداعيات تتجاوز الأضرار المادية، ليصبح جزءاً من معركة أكبر
لكن الحوثيين نفوا في ذلك الوقت استهداف مكة، وقالوا إنهم لا يشكلون تهديداً للمدينة أو للمواقع المقدسة. وبذلك فإن الربط بين الحادثتين لا يعني أن استهداف الحرمين أصبح سياسة معلنة من جانب الجماعة، وإنما يعكس تصاعد المخاوف السعودية من اقتراب الهجمات من أكثر المناطق حساسية داخل المملكة.
وتبرز أهمية هذا التطور أيضاً في سياق عودة القتال إلى اليمن بعد فترة من الهدوء النسبي على الحدود السعودية اليمنية. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً عسكرياً شمل إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه مواقع سعودية، بالتزامن مع اشتداد المعارك بين الحوثيين والقوات الحكومية اليمنية في عدد من الجبهات، خصوصاً في تعز والساحل الغربي.
وهذا التزامن يطرح احتمال أن تكون الهجمات على الأراضي السعودية جزءاً من اتساع رقعة المواجهة بالتوازي مع التصعيد داخل اليمن، وليس بالضرورة مساراً منفصلاً عنه. كما أن إعلان الحوثيين في يوليو فرض حظر بحري على السعودية أضاف بعداً آخر للمواجهة، مع ارتباط التصعيد بأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وتحاول السعودية، في المقابل، إبقاء أمن أراضيها والمنشآت المدنية والحرمين الشريفين في صدارة خطابها بشأن المواجهة. وبعد حادثة مكة، شدد المالكي على أن أمن الحرمين وسلامة زوارهما يمثلان خطاً أحمر بالنسبة للتحالف، فيما تزايدت التحذيرات السعودية من انعكاسات الهجمات الحوثية على السكان والمنشآت المدنية.
وتحمل التطورات الأخيرة كذلك بعداً سياسياً يتجاوز العمليات العسكرية المباشرة. فكل اقتراب للهجمات من مكة أو المدينة يرفع الكلفة السياسية لأي تصعيد جديد، ويجعل هامش المناورة أمام الرياض أضيق، خصوصاً إذا تكررت الهجمات أو أصابت منشآت مدنية ذات أهمية حيوية.
في المقابل، فإن استمرار التصعيد قد يضع الحوثيين أمام معادلة مختلفة أيضاً. فالهجمات التي تصل إلى مناطق بعيدة داخل السعودية يمكن أن توسع نطاق المواجهة، لكنها قد تدفع الرياض كذلك إلى تشديد إجراءاتها الدفاعية والعسكرية، في وقت تتصاعد فيه العمليات على الأرض داخل اليمن.
ولا يعني استهداف محطة الكهرباء في المدينة، وفق المعطيات المتاحة، أن الشبكة الكهربائية تعرضت لاضطراب واسع أو أن المسجد النبوي تعرض لهجوم مباشر؛ فالمعلن هو إصابة منشأة كهربائية وخروج أحد محولاتها من الخدمة من دون تأثر الشبكة العامة. لكن رمزية الموقع تجعل الحادثة مختلفة عن استهداف منشأة عسكرية أو اقتصادية بعيدة عن المدن المقدسة.
وبينما تتواصل المعارك داخل اليمن وتتسع الهجمات العابرة للحدود، تبرز المدينة المنورة ومكة كعنوانين شديدي الحساسية في المرحلة الجديدة من المواجهة. وإذا ثبتت مسؤولية الحوثيين عن هجوم المدينة كما أعلن التحالف، فإن التطور يمثل إضافة مهمة إلى سجل التصعيد الأخير، لكنه لا يكفي وحده للحسم بأن المواجهة دخلت مرحلة تستهدف فيها الجماعة الحرمين بصورة مباشرة.
المؤكد أن دائرة المخاطر اتسعت، وأن أي هجوم جديد قرب مكة أو المدينة أو المنشآت التي تخدمهما سيحمل تداعيات تتجاوز الأضرار المادية، ليصبح جزءاً من معركة أكبر حول حدود التصعيد السعودي الحوثي، ومستقبل الحرب اليمنية، وقدرة الأطراف على منع انتقالها إلى مستويات يصعب احتواؤها.