ثمّة خطأ يتكرر في الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود: كلما اقترب النقاش من جوهر الأزمة، أُديرت البوصلة نحو معركة جانبية. وكلما طُرح سؤال الدولة، استُبدل بسؤال الوصاية. وكلما اقترب اللبنانيون من مواجهة الأسباب الحقيقية لانهيار بلدهم، جرى البحث عن خصم خارجي يُحمَّل أوزار الداخل.
تكشف الحملات أزمة في جزء من العقل السياسي اللبناني نفسه. عقلٌ لم يعتد النظر إلى الدولة بوصفها المرجعية النهائية، بقدر ما اعتاد العيش في المنطقة الرمادية الفاصلة بين الدولة واللادولة، وبين الشرعية وموازين القوى، وبين المؤسسات الرسمية والسلطات الموازية… حتى اختلطت الحدود بين ما للدولة وما عليها، وبين ما هو شرعي وما هو أمر واقع مدمّر..
سجال يخفي أزمة الدولة اللبنانية
في هذا السياق، يتم تداول اسم المبعوث السعودي إلى لبنان، الأمير يزيد بن فرحان في السجال بين حين وآخر، فيُحشر في كل نقاش يتصل بمسار البلد نحو الخروج من أزمته.
السجال الدائر مضلِّلٌ في جوهره. فالقضية ليست دور السعودية، بقدر ما هي في السؤال الذي يقف لبنان أمامه ولم يعد ممكناً تأجيله: هل يريد أن يكون دولة طبيعية، أم أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات المنطقة؟
الكلام الموجّه للدور السعودي يبدأ دائماً من النتيجة ولا يعود إلى السبب. فهو يتحدث كثيراً عن النفوذ السعودي “الموهوم” أو “المفترض”، لكنه يتجاوز السؤال الذي يسبق كل الأسئلة: هل السعودية هي التي أسّست ازدواجية السلطة في لبنان؟ هل هي التي كرّست فكرة أنّ قرار الحرب والسلم يمكن أن يكون خارج المؤسسات الدستورية؟ هل هي التي جعلت لبنان جزءاً من شبكة الصراعات الإقليمية الممتدة من الخليج إلى المتوسط؟ هل هي التي أقنعت اللبنانيين، طوال سنوات، بأنّ الدولة ليست المرجع النهائي في القضايا المصيرية؟
مدرسة دبلوماسية
لم يكن حضور السعودية في لبنان عابراً يوماً. فهي “صانعة الطائف”، ومهندسة السلم الأهلي، وراعية الإعمار، وصاحبة مبادرة بيروت الشهيرة للسلام في محاولة لتغيير الصورة العربية بعد الاعتداء الجوّي للتطرف الإسلامي على نيويورك وواشنطن. من هنا فإنّ تحويل كل حضور سعودي إلى عنوان للوصاية يختصر تاريخاً أكثر تعقيداً مما يسمح به الشعار. فالخلاف على الدور شيء، والاختزال المتعمد للدور كله في تهمة واحدة شيء آخر.
المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان لم يظهر في لبنان إلا في الملفات الساخنة، بعيداً عن الإعلام والصخب. فهو ينتمي إلى جيل – جديد قديم من الدبلوماسية السعودية، يعمل برؤية واضحة، وبعزم الرياض وثقلها، من دون أن يُثقِل حضوره بالاستعراض. وبلغةٍ هادئة، ودراية بالتوازنات المحلية والإقليمية والدولية، يذكّر القاصي والداني بالأساسيات التي يفترض أن تقوم عليها الدولة ومؤسساتها، وحتمية عودتها إلى حضنها العربي. وهو، في أسلوبه وسلوكه، يعكس تاريخاً من دعم المملكة لهذا البلد الصغير، وتقليداً من الدبلوماسية السعودية الصامتة.
جردة حساب
أصدقاء الأمير كثرٌ، أولّهم رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، الأعزّ إليه. ويُعرف الرجل باثنين: صديقه وخصمه. أما الدولة العميقة، فلا علاقة له بها، لا من قريب ولا من بعيد. فمنذ زمن، نأت المملكة عن دعم الزعامات والوظائف بوصفها بوابات إلزامية إلى لبنان.
لن نتخلّى عنكم، قالت المملكة مراراً وفعلت من خلال الدولة ومؤسساتها لا عبر إدارة التوازنات من خارجها.
قبل اغتيال الأمين العام الأسبق لـ”الحزب” السيد حسن نصر الله، كان الأمير يزيد من الذين بادروا ونصحوا. وبعد الاغتيال، كان من أوائل من تحركوا لمحاولة احتواء التأزم الشيعي، حتى بدا وكأنّ الشيعة في لبنان حلفاؤه. وكُتب يومها الكثير عن “النمر الجريح”، وعن مداواته واحتوائه وإعادته إلى الحضن العربي، بعد الإسناد الذي أقحم لبنان فيه.
لعلّ ما لم يُقَل في المقابل لا يقل دلالة عمّا قيل. يكفي أنه لم يصدر عن الأمين العام الحالي لـ”الحزب” نعيم قاسم، ولا عن نوابه ومسؤوليه أو الدائرين في فلكه، تصريح يتعرض للأمير يزيد أو المملكة. ولعلّ في هذا دلالة بالغة على الدور الذي يقوم به الرجل مبعوثاً للمملكة في لبنان وبخاصة الأزمة الشيعية وهو مما يُحسب له.
مصالح لبنان العليا
لم يخُض الأمير يزيد – وهذه عادة سعودية محمودة – في زواريب السياسة اللبنانية بقدر ما ركز اهتمامه على مصالح لبنان العليا.
في كانون الثاني 2025، قاد وساطة انتهت إلى التوافق على انتخاب رئيس للجمهورية وعودة المؤسسات الدستورية إلى الانتظام بما سميّ في حينه باعادة تكوين السلطة بعد تشكيل الحكومة.
في حزيران 2026، ساهم في إطلاق المبادرة الخماسية والتسوية الاقتصادية، لدعم التفاوض ووقف التصعيد العسكري، ورفع الحظر المالي وفتح الأسواق السعودية أمام الصادرات اللبنانية.
في الشهر نفسه، لعب دوراً في تقريب وجهات النظر بين بعبدا وعين التينة، ونجح في كسر القطيعة بين الرئيسين تمهيداً لتوحيد الموقف اللبناني في المفاوضات.
في آب الماضي، جال على باريس وواشنطن وروما والرياض بهدف تأمين مظلة دولية لدعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية. وعاد في أيلول الى روما وباريس وواشنطن ونيويورك مشاركاً في الوفد السعودي برئاسة وزير الخارجية بحثاً عن معالجة لمسألة انتهاء مهمة قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب “اليونيفيل”، وما يمكن أن يحل محلها.
في كل ما سبق، لا زواريب ولا بحث عن نفوذ فئوي، بل حرص سعودي على السلم الأهلي اللبناني، واستعادة هيبة الدولة وسيادتها على كامل أراضيها وحصر السلاح في يدها والنأي عن الحروب، وتذكير الأفرقاء اللبنانيين بأنّ مفتاح الحل يبدأ من بيروت، عبر احترام الدستور، والالتزام بالشرعية الدولية والعربية.
المسألة، إذاً، ليست في مقدار النفوذ الذي تمارسه السعودية – ونفوذ الدول الكبرى في محيطها ليس استثناءً في العلاقات الدولية – بل في الوجهة التي يتخذها هذا النفوذ. وهنا يصبح الفارق مهماً بين التدخل في الدولة، وبين الدفع بها إلى استعادة وظيفتها.
الصمت إذ ينطق
لكن الدبلوماسية الهادئة لا تصنع معجزات من دون شركاء محليين. والشريك الوحيد الذي مدّت له المملكة يد العون هو الدولة اللبنانية نفسها. وحلفاء المملكة، بهذا المعنى، هم المنادون بعودة الدولة إلى لبنان وبسطها سيادتها على كامل أراضيها. والمفارقة هنا أنّ خصومها ليسوا بالضرورة خصوماً للمبعوث السعودي. فهو لم يقطع خطوط التواصل معهم يوماً. لكنه حين يتحدث إليهم، بهدوئه وحزمه، يستمعون بجدّية. ولعلّ في ذلك ما يفسّر فاعلية الهدوء السعودي حين يتحول إلى موقف.
لم يفقد لبنان مناعته بسبب الدبلوماسية السعودية، ولا بسبب الحضور العربي فيه. ما أضعف هذه المناعة هو تحوله التدريجي إلى ساحة تتعدد فيها مراكز القوى، وتتراجع فيها سلطة المؤسسات الشرعية، وتتحول فيه الاستثناءات مع الوقت إلى قواعد. ولهذا، يبدو تحميل الخارج العربي مسؤولية أزمة أسّست بعض النخب اللبنانية نفسها إنتاجها وتكريسها، قراءة ناقصة للمشكلة. فالدولة الضعيفة تستدعي التدخلات، والساحات المفتوحة لا تصنعها الدبلوماسية، بل ينتجها الفراغ السيادي.
خطأ سردية «الوصاية السعودية»
ثمة خلل منهجي في سردية «الوصاية السعودية». ولا يقتصر الخلل في هذا الخطاب على السياسة، بل يمتد إلى النهج نفسه. فهو يفترض مسبقاً أنّ كل علاقة بين لبنان والسعودية هي علاقة تبعية، ويبني استنتاجاته على هذه الفرضية. وبذلك، يتحول كل لقاء إلى وصاية، وكل موقف إلى إملاء، وكل تواصل إلى تدخل.
لكن السياسة لا تُقرأ بهذه الطريقة. إذا كان مجرد امتلاك دولة ما حضوراً في بلد آخر يجعلها وصية عليه، فإن العالم كله يعيش تحت الوصايات. الحضور جزء طبيعي وأساسي في العلاقات الدولية. أما الوصاية فأمر مختلف تماماً، إذ إنها تعني مصادرة القرار الوطني وإدارة الدولة من الخارج بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
هنا تكمن المفارقة. فمن يتحدثون عن وصاية سعودية، عاجزون عن تقديم مثال واحد على إدارة سعودية مباشرة أو غير مباشرة للدولة اللبنانية، التي عرف تاريخها الحديث أشكالاً مختلفة من النفوذ والتدخل والوصاية، تدخّل في الأمن والسياسة والحياة العامة بصورة مباشرة. ومن هنا يبدو الخلط بين النفوذ والوصاية أقرب إلى شعار تعبوي منه إلى تحليل سياسي جدي.
الرجل أم المرحلة؟
أحد أوجه الضعف في الكلام الذي يتناول الدور السعودي في محاولة اختزال ظاهرة سياسية في شخص المبعوث السعودي في حين أنه ليس ظاهرة شخصية بقدر ما هو تعبير عن تحوّل سعودي أوسع بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. الأمير يزيد يمثّل السعودية الجديدة التي خرجت من مرحلة الشيكات المفتوحة إلى مرحلة الشراكة المشروطة بالإصلاح. وهي السعودية التي لم تعد مستعدة لتمويل الفوضى السياسية، والتي تريد أن تكون الدولة شريكها الأساسي وأن تكون المؤسسات قابلة للمساءلة بدلاً من شبكات النفوذ التي لا تُحاسب.
اعتاد كثيرون في لبنان، طويلاً، نموذجاً عربياً يقوم على الدعم من دون شروط، وعلى التمويل من دون مساءلة. غير أن المملكة انتقلت، في السنوات الأخيرة، إلى نموذج مختلف: الدعم مقابل الإصلاح، والاستثمار مقابل الاستقرار، والشراكة مقابل بناء المؤسسات. وهذا تحديداً ما يزعج جهة سياسية تفصيلية معنية أو شريكة لما يسمى بالممانعة أكثر مما يزعجها المبعوث السعودي نفسه، لأن الرجل، بالنسبة إليها، لا يُمثل دبلوماسياً سعودياً فقط، بل يُمثل نهاية مرحلة كاملة من العلاقات السياسية التي كانت تسمح للجميع بالاستفادة من الدولة من دون أن يبنوا دولة.
في الأساس، ليس الخوف الحقيقي من الدور السعودي..
الخوف الحقيقي هو من الفكرة التي يمثلها المبعوث الديبلوماسي للمملكة: فكرة أن يعود لبنان إلى الدولة، وأن يصبح قرار الحرب والسلم قراراً وطنياً، وأن تستعيد المؤسسات دورها، وأن تُقاس الشرعية بالدستور لا بموازين القوى.
لهذا لا يُتناول الرجل بسبب ما يقوم به من مهام، بل بسبب ما يرمز إليه من مرحلة عربية جديدة لم تعد تقبل تمويل الأزمات إلى ما لا نهاية، ولم تعد ترى في لبنان ساحةً مفتوحةً، بل دولة يفترض أن تتحمل مسؤولية نفسها. ولهذا أيضاً، فإنّ المعركة الدائرة حوله ليست معركة بين السعودية وخصوم “مفتعلين ” لدورها ، بل بين منطقين متناقضين: منطق الدولة ومنطق الساحة.
السؤال الذي سيبقى مطروحاً على اللبنانيين جميعاً، ليس ماذا تريد السعودية من لبنان، بل ماذا يريد لبنان من نفسه؟ فالأوطان لا تُبنى بالدبلوماسيين، ولا تسقط بسببهم، بل تنهار عندما تعجز عن أن تصبح دولاً.