أُغلقت سينما الكندي وتحولت إلى مركز ثقافي تابع لمديرية أوقاف دمشق، لكنّ أبو نبيل، عارض الأفلام، لم يبرح مكانه؛ ما زال يحضر إلى غرفة العرض الضيقة المظلمة، المليئة بأشرطة أفلام من قياس 35 ملم، ويتذكر كيف كان ينبعث منها الضوء وتفتح أمام الجمهور عالماً هائلاً من الحكايات على الشاشة الكبيرة.
على جدار الغرفة التي قضى فيها الجزء الأكبر من حياته، يعلّق صورة معلّمه نزيه الشهبندر، شيخ كار السينما السورية. حين نسأله عن الأيام التي قضاها برفقته، يستعيد تنقّلات الشهبندر بين صالات دمشق على دراجته الهوائية التي يحمل عليها عدّته: “كان خبيراً في ميكانيك الآلات وأجهزة الصوت والإضاءة، تستدعيه الصالات كلما وقع عطل استعصى على العاملين فيها”. يطول حديثه عن المعلّم الذي ترك في تلامذته شيئاً من افتتانه بالسينما وبعضاً من معارفه: “كان يشدني إلى جانبه ويعلمني بعضاً من خفايا آلة العرض”.
لكن الشهبندر احتفظ ببعض أسرار صنعته لنفسه؛ فحين يدخل غرفة عرض لإصلاح آلة معطّلة، كان يطلب من العارض أن يحضر له كأس ماء أو فنجان قهوة، وما إن يعود حتى يكون قد انتهى من إصلاحها. يتذكر أبو نبيل أنه طرح عليه، بعد نحو سبع سنوات من دخوله المهنة، بضعة أسئلة تقنية، فأجابه الشهبندر ضاحكاً: “يا عفريت، بكّير عليك لسه”. كان أبو نبيل آنذاك في مطلع العشرينات من العمر، ولم يكن يعرف أنه سيصبح لاحقاً واحداً من آخر حَمَلة تلك المعرفة.
في ذلك الوقت، كانوا يسمونه باسمه الأول: رفيق، قبل أن يتزوج وينجب ابنه الأكبر نبيل، لكن هذا الاسم صار منسياً مع الوقت، نسأله: “متى بدأ الناس ينسون أنك رفيق زبداني، وأصبحت أبو نبيل؟”. يجيب ضاحكاً: “صرت العم أبو نبيل دفعة واحدة… بعد خمسين سنة قضيتها في عرض الأفلام”.
بدأ تعلّم العرض السينمائي قبل التحاقه بالمؤسسة العامة للسينما، حين كان يتردد إلى سينما كوزموغراف في منطقة البحصة، التي أصبحت لاحقاً سينما أمية. كان بعض أصدقائه يعملون فيها عارضين، فعلّموه تركيب الشريط وتشغيل آلة العرض، إلى أن طلب منه أحدهم أن يحلّ محلّه لبضعة أيام، فصار يأتي عند السادسة مساءً، ويتولى عرض حفلتَي السادسة والتاسعة، مقابل أربع ليرات عن الليلة.
أحبّ عالم السينما، فقصد في أواخر الستينيات مكتباً خاصاً لتوزيع الأفلام في شارع 29 أيار، كان أصحابه يستوردون الأفلام التجارية المصرية واللبنانية والأجنبية ويوزّعونها على الصالات السورية، بعد أن تشاهدها لجنة تابعة لوزارة الثقافة وتقرر إجازتها أو حذف بعض مشاهدها أو منعها، أُسندت إليه مهمة نقل بكرات الأفلام التي أجازتها الرقابة إلى سينما الكندي، التي خُصصت آنذاك لعرض الأفلام السوفييتية. وكان الفيلم يصل موزّعاً على أربع أو خمس بكرات، تحمل كلٌّ منها فصلاً منه.
كان رواد السينما يقفون قرب الباب، وما إن يروه يحمل بكرة حتى يلحقوا به، محاولين معرفة الفيلم الذي سيُعرض. ولأن مدير الصالة كان يحرص على إبقاء أحد الأبواب مقفلاً، كان أبو نبيل يطرق من الخارج وينادي: “يا عمي أبو مروان، يا عمي أبو زهير”، فيطلّ عليه العارضان ويتسلّمان البكرة عبر النافذة. وكان أبو مروان عكاوي، والد المونتير مروان عكاوي، أحد معلّمي المهنة.
بدأت علاقة أبو نبيل بصالة الكندي قبل أن تحمل هذا الاسم. كانت في بدايتها سينما صيفية مكشوفة تُعرف باسم سينما أدونيس، لا تعمل إلا في الأشهر التي يسمح فيها الطقس بإقامة العروض. وحين ازداد إقبال الجمهور عليها، أُغلقت فترةً لإجراء تعديلات، ثم سُقّفت وأُعيد افتتاحها باسم سينما بلقيس. يومها عرفها رفيق زبداني متفرجاً، وصار من روّادها الدائمين، بعدما أغرته بمشاهدة فيلمين بتذكرة واحدة. وحين أصبحت لاحقاً سينما الكندي، المملوكة للقطاع العام، عاد إليها عاملاً في غرفة العرض.
احتفظ المبنى، رغم تبدّل اسمه وشكله، ببقايا من ماضيه. فخلال أعمال أُجريت في الصالة، دخل أبو نبيل مع أحد زملائه إلى سقيفة شاسعة تمتد فوق الممرات ودورات المياه، وجدا ألواحاً خشبية ورسوماً قديمة تحمل توقيع عبد اللطيف فتحي، الممثل الذي اشتهر بشخصية أبو كلبشة في مسلسل “صح النوم”، وعرفا أن المكان استُخدم في مرحلة أسبق مسرحاً. وما زال أبو نبيل، وهو يتنقّل في المبنى، يشير إلى منافذه القديمة وإلى نافذة كانت تطلّ على شارع شيكاغو. يقول: “لو امتلك هذا الباب فماً، لحكى عن تلك الأيام وعن ذكريات هذه الصالة وحيواتنا التي قضيناها فيها”.
كانت سينما الكندي تشغّل 17 عاملاً يتوزعون بين العرض والتذاكر والخدمات
كانت الكندي تشغّل، بحسب ما يتذكره، 17 عاملاً يتوزّعون بين قطع التذاكر ومراقبة الباب وإرشاد الجمهور إلى مقاعده، إلى جانب العمل في غرفة العرض والبوفيه. كان لكلٍّ منهم دوره في طقس الذهاب إلى السينما، في زمن قلّت فيه وسائل الفرجة. يقول: “كان أي فيلم يعرض يجلب إلى السينما جمهوراً… كانت السينما وسيلة الترفيه الوحيدة”.
وكان حينها يتطلّب عرض الفيلم عارضاً رئيسياً ومعاوناً، يتناوبان على تشغيل آلتَي العرض والانتقال بين البكرات. وقبيل انتهاء الفصل المعروض، يبدأ أحدهما تشغيل البكرة التالية على الآلة الثانية.
السينما هي العالم العجيب الذي دخله أبو نبيل في مطلع شبابه، ولم يفلت منه حتى تجاوز الخامسة والسبعين. قلّما يخطر على بال الجمهور ذاك الشخص الخفي الذي يدير الفيلم من خلف الجمهور؛ فلا يشعرون بوجوده إلا حين ينقطع الشريط، فتغيب الصورة وتتعالى الصرخات والصفارات، مطالبةً إياه بالتدخل السريع، لمواصلة المشاهدة.
نادراً ما يصير العارض محور العرض: “حدثت معي مرةً واحدة”، يقول أبو نبيل، متابعاً: “كنت أعرض جريدة سينمائية توثّق إحدى زيارات حافظ الأسد، فشغّلت بطاقات الاستراحة بالخطأ، اختفت صورة الأسد فجأة، وحلّت محلّها أسعار القهوة والشاي والمشروبات في بوفيه السينما، وتعالت ضحكات مكتومة وهمهمات في الصالة، وكان بين الحضور رجل من المخابرات أغضبه ضحك المتفرجين، فصعد إلى غرفة العرض واقتحمها بغية اعتقالي، صار الموضوع يكبر وتعطل العرض، إلى أن تدخّل أحد روّاد السينما الدائمين، وكان ضابط مخابرات، وخلّصني من بين يديه. بالطبع، سمعت بعض الإهانات يومها، لكنني نجوت”.
ولنا أن نتصور كم من الأفلام التي شاهدها أبو نبيل، إلا أنه ما زال يدندن موسيقى الفيلم الفرنسي “رجل وامرأة” (A Man and a Woman)، الذي استهلّ به مسيرته في العرض السينمائي، وعرضه مراراً آنذاك. تتّقد ذاكرته حين يتحدث عن السينما وعن هذا الفيلم تحديدًا. نسأله: “هل أعدت مشاهدة رجل وامرأة حديثاً؟”، فيجيب بأنه لم يشاهده منذ عروضه الأولى عام 1966. بقيت منه لحظات لا تُنسى، ووجه أنوك إيميه على الشاشة الكبيرة.
حين تزوّج، لم يكن راتبه في المؤسسة يتجاوز 180 ليرة شهرياً، يدفع منها مئة ليرة إيجاراً لبيت عربي استأجره في جادة المهاجرين. أراد أن يستقلّ عن أسرته ويؤسّس بيتاً وينفق على زوجته، فاضطر إلى الجمع بين أكثر من عمل.
عمل تسعة أشهر في سينما دمشق، التي أصبحت لاحقاً سينما سيتي، وكان يتابع عمله في الكندي بعد انتهاء دوامه هناك. وحين طلب زيادةً على أجره ولم يحصل عليها، انتقل إلى سينما الزهراء. وجد فيها غرفة عرض مختلفة عمّا عرفه في الصالات الأخرى؛ واسعة إلى حدّ بدت الآلات صغيرةً داخلها، ولها مدخل مستقلّ عن مدخل الجمهور.
كان فيها هاتف أرضي يستخدمه في أحاديث طويلة مع عروسه، يحكي لها عن الأفلام التي تعرضها السينما ويسرد قصصها. كان قد تزوّج حديثاً، ولم يكن يريد أن يتركها وحيدةً طوال النهار في البيت الكبير، فاصطحبها أحياناً إلى الصالة.
يتذكر: “كانت من عشاق صوت وردة الجزائرية، وحين عُرض فيلم حكايتي مع الزمان في سينما الزهراء، قلت لها: تجهزي لشهر العسل، وذهبنا معاً إلى السينما”. قرب غرفة العرض، كانت مساحة إسمنتية تمتدّ فوق جزء من الشرفة؛ هناك كانت تجلس، في فسحة مرتفعة، وتشاهد الفيلم بعيداً عن الجمهور.
من غرفته، شهد أبو نبيل تراجع الإقبال على السينما، حتى صارت الصالة بالكاد تجمع بضع عشرات من المتفرجين في بعض العروض. يقول إن معظم أجهزة العرض القديمة لم تعد صالحة للعمل؛ تحوّلت إلى قطع مفكّكة يعلوها الغبار، فيما تستطيع آلة رقمية صغيرة اليوم أن تعرض فيلماً كاملاً، من دون بكرات أو فحم أو فريق من العارضين.
صار العمل الذي دخله لتأمين معيشة أسرته عادة لا يستطيع التخلّي عنها. يقول: “صارت السينما سوستي”. لم تعد الصالة تعرض الأفلام؛ صارت مقرّاً للمحاضرات الدينية، لكن الأمكنة حافظة للذكريات، وصالة الكندي تعج بذكريات زملائه الذين رحلوا، أسأله إن كانت ذكرياته لا تزال تحمله إلى السينما، فيوافق من دون أن يسترسل في وصف ما يعنيه له المكان.
حين نسأله إن كان آخر عارض أفلام في سورية، يقول إن الصالات أُغلقت، وإن معظم زملائه ماتوا، ولم يبقَ تقريباً من يعمل على آلات الشريط القديمة. ثم ينظر إلى الغرفة التي أمضى فيها القسم الأكبر من حياته، ويقول: “يمكن ما تطلع روحنا إلا من هالغرفة”.