صوفيا الأسعد سوريا.. موقع درج
ما حدث في السويداء يطرح مشكلة تتجاوز الحادثة نفسها، المرة الأولى كانت عندما تعرض الأطفال للاستغلال والاعتداء، والمرة الثانية بدأت عندما خرجت صورهم ومأساتهم من يد التحقيق إلى أيدي الجمهور. في المرة الأولى، كان هناك معتدون، وفي الثانية، لم يعد من السهل تحديد من يؤذي ومن يتفرج ومن يعيد النشر ومن يستخدم المقطع في التحريض، لأن آلاف المشاركات يمكن أن تجعل المسؤولية موزعة على جمهور كامل
لم يكن الفيديو الذي خرج من السويداء وتحوّل إلى “ترند” يحتاج إلى كثير من الشرح. يكفي أن يظهر على شاشة الهاتف حتى يفهم المشاهد أن شيئاً فادحاً وصادماً حدث، وأن أطفالاً قاصرين كانوا داخل مشهد لا ينبغي لطفل أن يكون جزءاً منه، ولا ينبغي لجمهور واسع أن يراه.
لكن الفيديو لم يبقَ طويلاً في المكان الذي يفترض أن يبقى فيه: ملف جريمة يخضع للتحقيق. خلال ساعات، بدأ انتشاره يتسع على منصات التواصل الاجتماعي السورية. صفحات ومؤثرون وناشطون موالون للحكومة السورية، أعادوا نشره، بعضهم قدّمه بوصفه دليلاً على فوضى في السويداء، المنطقة التي لا تخضع لسيطرة الحكومة السورية، وبعضهم ذهب أبعد من ذلك، فحوّل المشاهد إلى مادة للتشهير والشماتة والتعميم.
لم يعد مهماً، بالنسبة إلى كثير من المتداولين، من ارتكب الجريمة، ولا ماذا يقول التحقيق، ولا كيف يمكن حماية الأطفال الذين ظهروا فيها، خصوصاً أمام تكرار هذه الحوادث في سوريا، من قتل وتعنيف وأحياناً تعذيب للأطفال، غاب الحديث عن دور القضاء وفشله في حماية الأطفال، والعلاقات الاجتماعية التي تخبئ هذه الجرائم وتحاول دفنها، أصبح السؤال: ماذا يقول هذا الفيديو عن السويداء؟ وهنا تحديداً تبدأ قصة أخرى، ربما لا تقل خطورة عن الجريمة التي التقطتها الكاميرا.
جريمة في “الخرابة”
وقعت الحادثة داخل بناء حجري مهجور يُعرف محلياً بـ”الخرابة” في السويداء. ويظهر في المقطع رجلان وامرأة وعدد من الأطفال دون الخامسة عشرة، في واقعة تتضمن استغلالاً جنسياً لقاصرين. بعد انتشار الفيديو، أعلنت قيادة الأمن الداخلي، التابعة للحرس الوطني، توقيف أربعة أشخاص على خلفية القضية: رجلان شقيقان، وامرأة، وحدث ظهر في المقطع.
وبحسب البيان الصادر عن قيادة الأمن الداخلي في 27 أيلول/ سبتمبر، أفضى التحقيق إلى تحديد هوية المتورطين وإلقاء القبض عليهم، وقالت القيادة إن الموقوفين اعترفوا بما نُسب إليهم، قبل إحالتهم إلى القضاء المختص. كما أشار البيان إلى أن الرجلين يعانيان من اضطرابات نفسية وعقلية، وأن المرأة من ذوي الاحتياجات الخاصة.
مصدر في قوى الأمن الداخلي تحدث إليه “درج” قائلاً إن التقييم الأولي يشير إلى وجود اضطرابات نفسية لدى المرأة، وإن وضع الرجلين النفسي أيضاً يثير تساؤلات، لكنه شدد على أن تحديد المسؤوليات يبقى من اختصاص القضاء.
وبحسب المصدر، اعترف الرجلان خلال التحقيق باستغلال وضع المرأة، وبأنهما حصلا على أموال من أطفال مقابل استغلالهم جنسياً، وأنهما اقتسما جزءاً من الأموال.
وقال المصدر إن التحقيق يبحث كذلك في احتمال أن تكون الوقائع قد تكررت سابقاً. وأُبلغ ذوو الأطفال، وفق المصدر نفسه، واستُدعوا مع أطفالهم لأخذ الإفادات. هذه هي القضية كما يفترض أن تكون: أطفال ضحايا، مشتبه بهم موقوفون، تحقيق جارٍ، وقضاء يفترض أن يحسم المسؤوليات، لكنها لم تبقَ كذلك.
من جريمة جنائية إلى “إدانة” للسويداء
قبل أن يصل الملف إلى القضاء، وصل إلى فايسبوك. حسابات مؤيدة للحكومة السورية، تداولت الفيديو، لم تتعامل معه باعتباره واقعة جنائية تخص أشخاصاً محددين، وضحايا. ففي منشورات عدة، أُدخلت الحادثة في سياق الصراع السياسي حول السويداء، باعتبارها مثالاً على ما يمكن أن يحدث في منطقة لا تخضع لسلطة دمشق!
وهكذا أُضيف إلى الجريمة شيء لم يكن موجوداً فيها أصلاً: هوية سياسية، إذ لم يعد الفيديو يوثق جريمة ارتكبها أشخاص محددون، بل أصبح، في هذا الخطاب، صورة عن مجتمع كامل.
حين تُستخدم جريمة فردية لإدانة مجتمع، يصبح المكان جزءاً من التهمة، ويصبح سكانه مطالبين بالدفاع عن أنفسهم أمام فعل لم يرتكبوه. وفي الحالة السورية، حيث تحمل الجغرافيا معانيَ سياسية وطائفية وأمنية، يمكن لمقطع واحد أن ينتقل بسرعة من شاشة هاتف إلى معركة سرديات كاملة، وهذا ما حدث.
لم يتوقف الأمر عند نشر الفيديو، فالانتشار لم يكن المشكلة الوحيدة. بعض الناشطين والمقيمين خارج سوريا، وآخرون داخلها، تعاملوا مع المقطع باعتباره مادة متاحة للتداول، ووصل الأمر إلى عرض إمكانية إرساله لمن يطلبه. في هذه النقطة تحديداً يصبح السؤال أخلاقياً وقانونياً في آن: ما الذي يضيفه نشر فيديو يتضمن اعتداءً جنسياً على أطفال إلى معرفة الجمهور؟ لا شيء تقريباً. لكنه يضيف شيئاً آخر إلى حياة الضحايا: جمهوراً جديداً.
ثم ظهرت إدلب. كان يمكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، لولا أن بيان الأمن الداخلي ذكر أن المرأة الموقوفة من إدلب، فدخلت المحافظة، هي الأخرى، إلى السجال. وبدلاً من أن يبقى أصل المرأة تفصيلاً تعريفياً ضمن ملف التحقيق، تحول إلى مادة للوصم والتعميم. وكأن المكان الذي ولدت فيه إحدى الموقوفات يضيف شيئاً إلى طبيعة الجريمة.
الأمر ذاته حصل في حادثة سابقة تعرّض فيها طفل للتحرش، أصبح المتحرش والضحية محط جدل ووصم لسكان محافظة كاملة، هكذا يتحول انتهاك الأطفال إلى جزء من الخطاب السياسي للتدليل على فشل السلطة، أي سلطة كانت، لا جريمة تستحق التحقيق، وإدانة طيف كامل من المتواطئين.
الدفاع عن “سمعة المجتمع”
لم يكن الرد من الطرف الآخر أكثر إنسانية، فبعض الناشطين والمؤثرين من السويداء، في مواجهة الحملة، بدأوا بتداول مقاطع قديمة تتضمن اعتداءات أو تحرشاً بأطفال ووقائع جنسية في مناطق أخرى من سوريا، ولم تكن تلك المقاطع جزءاً من القضية الأصلية، لكنها استُحضرت باعتبارها إجابة عنها.
الفكرة بسيطة بالنسبة الى هؤلاء الناشطين: إذا كانت هناك جريمة في السويداء، فهناك جريمة في مكان آخر، “لديكم” في مقابل “لدينا”، وهنا تصبح مآسي الناس مباراة، لا يعود الطفل في المقطع طفلاً تعرض لانتهاك، إنما يصبح دليلاً على أن الخصم ليس أفضل، ولا تعود الجريمة مناسبة للمطالبة بالمحاسبة، بل فرصة للرد.
المشكلة في هذا المنطق أنه يكرس التعميم بدل أن يواجهه. من يقول إن جريمة في السويداء تمثل السويداء، ومن يرد عليه بجريمة في منطقة أخرى ليقول إن تلك الجريمة تمثل مجتمعاً آخر، يستخدمان القاعدة نفسها: تحويل فعل أفراد إلى صفة جماعية، والاختلاف فقط في اتجاه الاتهام.
حتى العائلات دخلت على الخط
داخل السويداء، وصل الضغط إلى مستوى آخر، إذ أصدرت عائلات آل أبو الحسن وآل الزغير وآل المتني بياناً أعلنت فيه التبرؤ من الرجلين الموقوفين، ونفت وجود صلة قرابة بينهما وبين العائلات أو القرى التي ورد ذكرها في البيان، مشيرة إلى أن أصولهما تعود إلى قريتي الجنينة ولغا. البيان وصف ما حدث بأنه “جريمة فردية”، وحذر من استخدام الحادثة لتشويه صورة السويداء، ودعا وسائل الإعلام وصفحات التواصل إلى عدم تعميم الجريمة وانتظار القضاء.
البيان مفهوم في سياق الدفاع عن مجتمع تعرض لحملة تشهير، لكن وجوده يكشف أيضاً حجم المشكلة. في العادة، عندما يرتكب شخص جريمة، يكون السؤال عن مسؤوليته هو، لكن في هذه الحالة، أصبح مطلوباً من عائلات بكاملها أن تقول: ليسوا منا. ثم صار مطلوباً من قرى أن تقول: ليسوا منا.
وكأن الجريمة أصبحت وصمة تحتاج إلى شهادة براءة جماعية. بهذا الشكل، تتحول الجغرافيا والعائلة والقرية إلى امتدادات للجريمة، تماماً كما تحولت إدلب إلى جزء من النقاش بسبب أصل امرأة موقوفة. وهكذا، خلال أيام قليلة، اتسعت دائرة الانتماءات المرتبطة بالحادثة: السويداء أولاً، ثم إدلب، ثم العائلات والقرى.
سيناريو متكرر
لم يبدأ هذا الصراع المشحون بالكراهية مع الفيديو الأخير، فخلال الصيف الماضي، قُتلت فتاة داخل منزلها في مدينة السويداء بإطلاق نار إثر خلاف بين والدها وابن عمها، الذي قُتل في الحادثة نفسها. كانت الجريمة تحتاج إلى معرفة ما حدث داخل المنزل، وكيف وقع إطلاق النار، ومن يتحمل المسؤولية عنه.
لكنها سرعان ما دخلت إلى المجال السياسي، فظهرت روايات تربط الجريمة بالحرس الوطني، فيما استُخدمت صلة الفتاة بالفنان فهد بلان في تقديم القصة وتوسيع انتشارها، على أنها حفيدته. مرة أخرى، لم يعد السؤال الجنائي كافياً، أصبح مطلوباً أن تقول الجريمة شيئاً عن الصراع السياسي في السويداء.
وقبلها بعام، انتشرت صور خيام وُزعت على مركز إيواء في المحافظة، وبدلاً من أن تفتح الصور نقاشاً حول أوضاع النازحين واحتياجاتهم، دخلت هي الأخرى في سجال على فايسبوك حول من يستحق الخيام ومن لا يستحقها، ومن يحصل على المساعدة ومن يُحرم منها.
قد يبدو من السهل تحميل فايسبوك المسؤولية كلها، لكن المشكلة أعمق من المنصة. السوشال ميديا لا تخلق وحدها هذا النوع من الاستقطاب؛ هي تمنحه سرعة وانتشاراً وشكلاً جديداً. وفي البيئة السورية الحالية، حيث لا تزال خطوط الانقسام السياسي والمناطقي والطائفي حاضرة بقوة، تصبح الجريمة قابلة لإعادة الاستخدام فوراً.
حادثة قتل يمكن أن تصبح دليلاً سياسياً، صورة خيمة يمكن أن تصبح سؤالاً عن الاستحقاق الطائفي، ومقطع اعتداء على أطفال يمكن أن يتحول إلى مادة لإدانة محافظة كاملة. المشكلة ليست أن الناس يتحدثون عن الجرائم، بل إن الحديث عنها يفقد صلته بالجريمة نفسها، يتراجع الضحية إلى الخلف، ويتقدم الانتماء إلى الأمام.
من يحمي الطفل عندما يصبح الفيديو “ترند”؟
في أي قضية تتعلق بالأطفال، يفترض أن تكون الحماية هي نقطة البداية، لكن ما حدث في هذه القضية قلب المعادلة. أصبح الطفل وسيلة لإثبات رواية سياسية، والمقطع وسيلة لرفع الوصول، والصورة وسيلة للتشهير، والجريمة وسيلة للرد على جريمة أخرى، وفي كل مرة، هناك طرف يقول إنه يفعل ذلك دفاعاً عن “الحقيقة”.
ما حصل في السويداء يطرح مشكلة تتجاوز الحادثة نفسها، المرة الأولى كانت عندما تعرض الأطفال للاستغلال والاعتداء، والمرة الثانية بدأت عندما خرجت صورهم ومأساتهم من يد التحقيق إلى أيدي الجمهور. في المرة الأولى، كان هناك معتدون، وفي الثانية، لم يعد من السهل تحديد من يؤذي ومن يتفرج ومن يعيد النشر ومن يستخدم المقطع في التحريض، لأن آلاف المشاركات يمكن أن تجعل المسؤولية موزعة على جمهور كامل.
لكن النتيجة واحدة: الضحية تدفع الثمن مرة أخرى، ربما لهذا السبب تحديداً لا يجوز التعامل مع مثل هذه القضايا بمنطق “لديكم ولدينا”، فلا يوجد “لدينا” في جرائم الأطفال، هناك أطفال تعرضوا للأذى، وهناك بالغون يفترض أن تكون مسؤوليتهم حمايتهم، لا استخدام ما حدث لهم في معاركهم السياسية.
في السويداء، قد تذهب القضية إلى القضاء بعد توقيف المتهمين، وسيكون على التحقيق أن يحدد ما حدث ومن المسؤول عنه. أما على فايسبوك، فقد صدر الحكم منذ الأيام الأولى، لم يحتج أحد إلى محكمة. في المحكمة الرقمية، كانت السويداء متهمة، وإدلب متهمة، والقرى متهمة، والعائلات مطالبة بالتبرؤ، والأطفال وحدهم لم يُسألوا. كان يمكن لهذا الفيديو أن يكون بداية سؤال عن جريمة تحتاج إلى حماية وتحقيق وعدالة. لكنه تحول، في جزء كبير من تداوله، إلى سؤال آخر تماماً: أي مجتمع أسوأ من الآخر؟ وهذا هو السؤال الذي لا ينبغي أن نسمح للجريمة بأن تجيب عنه.