ما جرى في قمرة قيادة الطائرة التابعة لشركة “فلاي دبي” أول أمس، وتحديداً على متن الرحلة رقم FZ1073، المنطلقة من مطار دبي ووجهتها مطار بن غوريون في تل أبيب، يختصر ما يجري في الشرق الأوسط في أيّامنا هذه، بل ربّما منذ عقود.
شجار حادّ، صراخ، إشارات استغاثة متقطّعة، ودماء تسيل على أجهزة التحكّم، لتهوي الطائرة فجأةً في انخفاض حادّ ومفاجئ من ارتفاع أكثر من 30 ألف قدم إلى نحو 16 ألف قدم في ثوانٍ معدودة، ثم هبوط اضطراريّ دراماتيكيّ في مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز في تبوك في المملكة العربيّة السعوديّة، حيث تلقّى المصابون إسعافات أوّليّة.
تضاربت الروايات وكثرت التفاصيل بين مصدر وآخر، لتطرح أسئلة لا حدّ لها ولا إجابات عنها إلى الآن، وهو ما قد يستمرّ طويلاً.
فبينما تحدّثت تقارير عن مشادّة كلاميّة تطوّرت إلى ارتباك واعتداء جسديّ بالآلات الحادّة داخل قمرة القيادة بين الطيّار ومساعده، أشارت مصادر أخرى إلى محاولة المساعد تعطيل الطائرة أو تغيير مسارها بالقوّة قبل أن يتصدّى له الطرف الآخر. أمّا النتيجة النهائيّة، فوصول الركّاب إلى وجهتهم، والمزيد من لحظات الرعب والخوف والتوتّر التي تسيطر على الشرق الأوسط.
7 أكتوبر أو 11 سبتمبر؟
إذا كانت الصدفة وحدها كما تشير المصادر الإسرائيليّة وغيرها مَن أنقذ الركّاب، فقد لا يكون صدفةً توقيت الحادثة: عشيّة الذكرى الثالثة لأحداث 7 أكتوبر/تشرين الأوّل، وفي شهر أيلول، الشهر الذي يرتبط في الذاكرة الجمعية العالمية بأحداث 11 سبتمبر/أيلول.
حملت الدقائق الأولى للحادثة توصيفات كثيرة لها. ساعةً استهداف حوثيّ، وساعةً احتفال بذكرى 7 أكتوبر، وساعات احتفال بذكرى أحداث 11 سبتمبر، ليعود الحديث مجدّداً عن عمليّة منظّمة حيناً، وعن عمليّة فرديّة حيناً آخر، ما يعيد إلى الأذهان ظاهرة “الذئب المنفرد”.
لكنّ بين التواريخ المذكورة والجهات المتّهمة تاريخاً لا يغيب عن بال في الشرق الأوسط اليوم: 27 تشرين الأوّل الجاري موعد إجراء انتخابات الكنيست الإسرائيليّة.
أمّا الجهة المتّهمة (بكسر الهاء ورفعها)، فرئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. يكفي للتدليل على ما سبق، تصريحات زعيم المعارضة الإسرائيليّة يائير لابيد، الذي اتّهم نتنياهو باستغلال حادثة الطائرة ومحاولة “ممارسة ألاعيب سياسيّة ورخيصة على حساب أمن إسرائيل” لخدمة أهداف انتخابيّة.
ماذا بعد الحادثة؟
السؤال اليوم هو: هل تكون لهذه الحادثة تداعيات على دولة الإمارات تشبه ما واجهته السعوديّة بعد أحداث 11 سبتمبر؟
كانت أحداث 11 سبتمبر عمليّة هجوميّة منظّمة عبر أربع طائرات مخطوفة أسفرت عن آلاف الضحايا وغيّرت وجه العالم. أمّا حادثة “فلاي دبي”، فواقعة فرديّة تمّت السيطرة عليها داخل القمرة، وهبطت الطائرة بسلام دون أيّ خسائر في الأرواح.
تشير المعطيات حتّى الساعة إلى أنّ تداعيات الحادثة لن تتعدّى إجراء مراجعات روتينيّة لتقويم السلامة النفسيّة والأمنيّة للطيّارين، وفتح تحقيق فيها، وتوقيف الرحلات لأيّام معدودة من الإمارات إلى إسرائيل، وهو ما تمّ بالفعل.
لكنّها لن تمرّ مرور الكرام وإن تبيّن لاحقاً أنّها مفتعلة، فهي تذكّر بأنّ الخطر قد لا يأتي دائماً من تنظيمات كبيرة وخلايا معقّدة نائمة. ربّما تصدر عن فرد واحد في لحظة اندفاع وانتقام أو ردّ على ما تقوم به إسرائيل منذ عقود من خطف وقتل واحتلال وإبادة.
ذئب منفرد؟
الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها بعد الحادثة، تماماً كما كانت قبلها. لا تحتاج إلى عمليّة أمنيّة منظّمة أو جهات عدّة، ولا أيضاً إلى عمليّة فرديّة أو “ذئب منفرد”.
والأخير مصطلح أطلقه أواخر تسعينيّات القرن الماضي ناشطان من اليمين المتطرّف في الولايات المتّحدة الأميركيّة، هما أليكس كيرتس وتوم ميتزغر، للترويج لفكّ الارتباط بين المنفّذ والتنظيمات المباشرة، بسبب صعوبة التعقّب الاستخباراتيّ.
لكن اليوم، في زمن السوشيل ميديا والهواتف الذكيّة والشاشات الصغيرة، وفي ظلّ تدفّق الأخبار المتواصل من كلّ حدب وصوب، وصور القتل والأشلاء والدماء القادمة من غزّة وغيرها، لا يحتاج أيّ متذمّر أو متبرّم أو معارض أو رافض إلى جهة تنظيميّة تدرّبه وتوجّهه. يتحوّل إلى “ذئب منفرد” دون أن يدخل معسكراً أو يلتقي بموجِّه، يكفي أن يتابع يوميّاً مشاهد الصراع، ليصل إلى حالة من التعبئة الذاتيّة، ويقنع نفسه بأنّ التحرّك الفرديّ المباشر هو الحلّ الوحيد.
مع تسرّب أنباء عن جنسيّة مساعد الطيّار العُمانيّة، يزداد احتمال أن يكون “ذئب منفرد” خلف الحادثة. لكنّه هذه المرّة ذئب من نوع جديد، وربّما من خلفيّة دينيّة لم تنسب إليها من قبل حوادث مماثلة، والمقصود هنا المذهب الإباضيّ السائد في عُمان، وهو من المذاهب الإسلاميّة التاريخيّة والمعترف بها.
غير أنّ الانفعال النفسيّ أو الأيديولوجيّ ظاهرة فرديّة عابرة للأديان والمذاهب، ولا يمكن إسقاط تصرّف فرديّ على مذهب دينيّ أو وطن بأكمله، خاصّةً إذا كانت الجهة المقصودة سلطنة عُمان المعروفة بسعيها إلى السلام وتقريب وجهات النظر بين المختلفين.
لماذا في تبوك؟
لكنّ السؤال الذي يحيّر الجميع اليوم هو لماذا هبطت الطائرة في مطار تبوك في المملكة تحديداً دون غيره من المطارات الكثيرة في المنطقة؟
عندما وقع الشجار داخل قمرة القيادة وتعرّضت الطائرة لانخفاض حادّ ومفاجئ في الارتفاع من مستويات طيران قياسيّة، كانت الطائرة تعبر الأجواء القريبة من شمال غربيّ المملكة العربيّة السعوديّة.
شكّل مطار الأمير سلطان بن عبد العزيز الدوليّ في تبوك الخيار الملاحيّ والهندسيّ المثاليّ. فهو مطار مجهّز بأحدث مدرّجات الهبوط والبنية التحتيّة القادرة على التعامل مع حالات الطوارئ الجوّيّة، بالإضافة إلى قربه الجغرافيّ المباشر من خطّ سير الطائرة وقت وقوع الحادثة.
الخيار إذاً كان مهنيّاً بحتاً، وما يعزّز ذلك رفض المملكة أن تحطّ طائرات إسرائيليّة على أراضيها لنقل الركّاب إلى وجهتهم الأخيرة. وعليه، لا تغيير سياسيّاً في ثوابت المملكة لتُبنى عليه تحليلات وفرضيّات واتّهامات.
لا تبدو الحادثة، بعيداً عن نظريّة المؤامرة، أكثر من حادثة فرديّة تمّت السيطرة عليها في أقصى الاحتمالات، أو عمليّةً مفبركةً للاستثمار الانتخابيّ الإسرائيليّ، وهو ما يدعو إلى دقّ جرس الإنذار المبكر: الشرق الأوسط اليوم هو مسرح انتخابات الكنيست المزمع إجراؤها أواخر الشهر الحاليّ.
هي أيضاً تنبيه للعالم بأسره إلى أنّ تهديدات الأمن الجوّيّ في عصر الحروب الإسرائيليّة التي لا تنتهي، لم تعد تقتصر على تنظيمات إرهابيّة عابرة للحدود، أو دول وأنظمة وجهات بعينها.
بإمكان فرد واحد أن يزعزع الاستقرار العالميّ، وقد يكون طيّاراً أو مساعد طيّار… أو رئيس وزراء إسرائيل نفسه.
