ليست أصعب لحظات البلاد حين تكون الحرب مشتعلة، بل حين تصمت البنادق ولا يكون جليّاً بعدُ ما الذي انتهى وما الذي بقي. عندها لا تعود الخرائط وحدها بحاجةٍ إلى إعادة رسم؛ تظهر داخل البلاد حدودٌ أخرى، أقل وضوحاً وأكثر رسوخاً: حدودٌ بين جماعاتها، وبين مدنها وأريافها، وبين ذاكرتها ومستقبلها، وبين ما تريده السلطة وما يريده الناس. من هنا تقف سورية اليوم أمام تناقضٍ لافت: الأبواب التي ظلت مغلقة طويلاً بدأت تُفتح واحداً تلو الآخر، فيما تبقى المهمة الأصعب: أن تعيد بناء الدولة لا بوصفها مؤسساتٍ فاعلة فحسب، بل بوصفها مساحةً مشتركة يشعر فيها السوريون بأنهم ينتمون إلى المكان نفسه رغم اختلافاتهم. وتبدو سورية كأنها وصلت إلى عتبة العالم قبل أن تنتهي من ترميم البيت الذي ستدخل إليه.
في السياق، توالت إشارات الانفتاح الدولي على سورية في الشهر المنصرم (سبتمبر/ أيلول). ففي 29 منه، زارت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، دمشق، مؤكدة أنّ نجاح المرحلة الانتقالية يهمّ أوروبا، وأنّ الاتحاد يدعم انتقالاً “شاملاً وسلمياً”. وفي اليوم نفسه، رفعت اليابان إجراءات تجميد الأصول عن 16 جهة سورية، بينها وزارتا الدفاع والداخلية ومؤسّسات مصرفية ونفطية. وفي 30 منه، أعلنت الولايات المتحدة إزالة سورية من قائمة الدول الخاضعة لسياسة المنع الشامل لتصدير الأسلحة، لتُدرس طلبات التصدير إليها على أساس كلّ حالة على حدة.
ليست هذه الخطوات مجرّد تخفيف للعقوبات؛ إنها مؤشّر إلى أنّ سورية بدأت تخرج من موقع العزلة الخانقة إلى موقع الدولة التي يُراد التعامل معها سياسياً واقتصادياً وأمنياً. لكن استعادة المكانة الخارجية تضع أمام الداخل اختباراً موازياً: هل تستطيع الدولة استعادة احتكار السلاح، وسيادتها الفعلية على أراضيها، وثقة مواطنيها، وقدرتها على إدارة اختلافاتهم؟ فالسلام الذي لا تسنده مؤسسات قادرة على حمايته يظل أقرب إلى هدنة منه إلى استقرار. يستطيع العالم أن يرفع عقوبة بقرار، ويرسل وفداً، ويفتح باباً للتعاون، لكن أثر هذا الانفتاح لن يكتمل ما لم يجد في الداخل دولة قادرة على تحويله إلى قوانين عادلة، وحقوق، وشعور مشترك بالانتماء.
ويظهر هذا التحدّي بوضوح في الشمال الشرقي، حيث قطع مسار دمج المؤسّسات والقوى الكردية في الدولة السورية أشواطاً مهمة، وصولاً إلى إعلان قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المنحلة، مظلوم عبدي، في أغسطس/ آب، انتهاء مهمة هذه القوات، وحلّها بما هي قوة عسكرية مستقلة في إطار دمجها ضمن ألوية الجيش السوري. ولكن الدمج يصبح أكثر تعقيداً حين ينتقل من البيانات إلى تفاصيل الحياة اليومية. وقد كشف بدء العام الدراسي حساسية المسألة؛ فبعد سنوات من التعليم بالكردية، أثارت الترتيبات الجديدة اعتراضات ومخاوف، إذ اقتصرت حصص اللغة على ثلاث أسبوعياً، مع إمكان تدريس بعض المواد الإنسانية بها في المرحلة الانتقالية، فيما بقيت العلوم والرياضيات بالعربية. فاللغة هنا ليست تفصيلاً إدارياً، بل جزء من سؤال أوسع عن الاعتراف والحقوق. والدولة لا تكتمل بإخضاع الجغرافيا لسلطتها، وإنما حين يشعر سكانها بأنّ هذه السلطة تمثلهم وتحمي اختلافهم. فالوحدة السياسية شيء والتشابه القسري شيء آخر تماماً. قد تستطيع دمشق أن توحّد الجيش بقرار سياسي، لكنها لا تستطيع أن توحّد الذاكرة بمرسوم، ولا أن تطلب من مجتمع اعتاد إدارة شؤونه بنفسه التخلّي فجأة عن مخاوفه وهويته السياسية.
وفي الجنوب، تتحرّك دمشق دبلوماسياً باتجاه ترتيبات أمنية مع إسرائيل، وتؤكد تمسّكها باتفاق فصل القوات لعام 1974، فيما تستمر التوغلات الإسرائيلية، لا سيّما في القنيطرة ودرعا. المفارقة هنا شديدة الدلالة: في وقتٍ تحاول فيه سورية أن تستعيد صورتها دولة طبيعية في النظام الدولي، لا تزال حدودها الجنوبية تنتج وقائع تقول إنّ السيادة لم تستقر بعد على الأرض، وأنّ مواطنين يعيشون قرب خط لم تعد وظيفته واضحة تماماً بالنسبة إليهم. وهذا يعيدنا إلى الجيش والسلاح. ففي 21 سبتمبر/ أيلول، انفجر مستودع للذخيرة في منطقة العيس بريف حلب، في رابع حادث من هذا النوع خلال الشهر نفسه، من دون أن يتوفر سببٌ جامع يفسر هذه الانفجارات. وبعد أيام، تعرّض خط غاز بين الشولا ودير الزور لانفجار وحريق قالت الشركة السورية للنفط إنه ناجم عن عمل تخريبي، ما أدى إلى توقف تدفق الغاز من حقل الجبسة إلى محطات توليد الكهرباء. وفي 30 من الشهر نفسه، قُتل سبعة أشخاص وأصيب أربعة في إطلاق نار استهدف حافلة على جسر مصياف في ريف حمص، في حادث قيل إنّ دوافعه طائفية، فيما لم تكن هوية المهاجمين أو غاياتهم قد اتضحت في التقارير الأولية.
فعلياً، لا تكمن أهمية هذه الحوادث في أنها أخبارٌ أمنية متفرقة ومعزولة، وإنما في أنها تذكّر بأنّ بناء الدولة يبدأ من تفاصيل تبدو عادية: مستودع محمي، وطريق آمن، وشبكة كهرباء مستدامة، وسلاح منضبط. حين تتعرض هذه الأشياء للاهتزاز، تصبح فكرة الدولة نفسها قيد الاختبار. وفي الوقت الذي بدأت فيه قنوات التعاون الدفاعي الرسمية مع سورية تستعيد حضورها، لا تزال المؤسسة العسكرية تعيد تنظيم بنيتها ودمج قوى كانت تعمل خارج هيكلها. لكن الدولة لا تُبنى بالترتيبات الأمنية وحدها؛ بل بقدرتها على تحويل حضورها إلى حماية، وخدمات، وقواعد واضحة لإدارة الاختلاف. عندها يصبح الاستقرار نتيجةً طبيعية لوجود الدولة، لا مجرّد غياب للفوضى.
أما الاقتصاد، فيضع الاختبار في مكان أكثر حساسية: في مستوى معيشة الناس وقدرتهم على تحمّل كلفة الانتقال. وبحسب تقديرات البنك الدولي المنشورة في 2025، يعيش نحو ثلثي السوريين تحت خط الفقر البالغ 3.65 دولارات يومياً. والدولة التي تسعى إلى جذب الاستثمار والاندماج في الاقتصادين الإقليمي والدولي، لا يمكنها تجاهل أنّ استراتيجيتها الاقتصادية المُعلنة ستترك أثراً مباشراً في مستوى معيشة المواطنين. وقد يكون رفع الدعم أو تغيير أسعار المحروقات جزءاً من إعادة هيكلة اقتصاد أنهكته الحرب، لكن كلفة الانتقال لا تُوزّع بالتساوي. وإذا لم تترافق هذه السياسات مع أمان اجتماعي حقيقي، فقد يتحول الانفتاح الاقتصادي الذي يفترض أن يدعم التعافي إلى مصدر جديد للشعور بالتهميش.
أما الثقافة، فتضع التعافي نفسه أمام سؤال آخر: الهوية. ففي 30 سبتمبر، استعادت سورية 21 قطعة أثرية من الولايات المتحدة وأودعتها في المتحف الوطني بدمشق، استكمالاً لاستعادة التراث السوري المنهوب. قد يبدو هذا الخبر بعيداً عن السياسة، لكنه في الحقيقة يمسّ جوهر المرحلة. والذاكرة في بلد منكوب كسورية ليست ترفاً ثقافياً؛ إنها جزء من إعادة بناء السوريّ نفسه، فهو لا يحتاج فقط إلى سقف يعود إليه، بل إلى قصة يستطيع أن يعيش داخلها من جديد. يحتاج أن يعرف أنّ ماضيه لم يُمحَ، وأنّ المدن واللغات والآثار والأغاني والطقوس كلها أجزاء من ذاكرة مشتركة لا يجوز أن تتحول إلى غنيمة في الصراع على تعريف البلاد.
لهذا كلّه، قد تكون سورية قد قطعت بالفعل مسافة مهمة في طريق العودة إلى العالم. لكن الطريق الآخر، الأكثر بطئاً والأشد عمقاً، لم يبدأ إلا الآن: طريق العودة إلى الذات.