ينتمي الفنان والأكاديمي التونسي خليل قويعة إلى فئة قليلة من الأكاديميين العرب الذين يؤمنون بقيمة الفن ودوره البلوري في تفكيك المفاهيم الفكرية، ومحاولة منحها حياة جديدة في سيرة اللوحة التشكيلية ومفازاتها ومتخيلها. إذ حرص قويعة في مشروعه الفكري على جعل الفن بمثابة البراديغم الذي منه تنبثق المفاهيم، وتتبلور الرؤى، وفق آلية تقوم على تملّك العمل التشكيلي، وجعله أفقًا للتفكير. كل هذا في مقابل حالات الارتباك التي باتت تطبع الدرس الأكاديمي العربي في علاقته بالفن، إذ أصبح من النادر العثور مغاربيًا على مؤلفات علمية تتناول بالدرس والتحليل مجال التخييل الفني، انطلاقًا من الصورة بكل أنماطها الفنية والفوتوغرافية والسينمائية. ورغم وجود مختبرات تنتمي في مجملها إلى حقل الأدب، فإن ذلك لم ينعكس إيجابًا على البحث في مجال فنون الصورة، لا باعتبارها أشكالًا تعبيرية، أو وسائل بصرية يتوسلها الفنان والسينمائي والفوتوغرافي للتعبير عن هواجسه وأحلامه، بل إنها غدت تمثل في الزمن المعاصر مختبرًا للتفكير والتأمل والحلم. وفي الوقت الذي نعثر فيه على نجاحات مفكرين غربيين من قبيل ميشيل فوكو، وجيل دولوز، وريجيس دوبريه، وناتالي إينيك، فإننا لا نعثر على مفكرين عرب جعلوا من “الصورة” خطوة منهجية لبناء علاقة جديدة مع عالم الفكري، سيما وأن الأسماء المذكورة حرّرت الفكر الغربي المعاصر من خلال قدرتها على تجاوز الفكر النسقي الموروث في تاريخ الفلسفة عبر إدخال الفن في حيّز المقاربات الفكرية والتاريخيّة، ومحاولة بناء علاقة آسرة مع المفاهيم والنظريات والسياقات. من هنا، تأتي قيمة خليل قويعة الفائز بعدد من الجوائز العربية الأصيلة حول دراساته الأكاديمية في مجال البحث الفني، حيث أرسى من خلالها صاحب “مسار التحديث في الفنون التشكيلية: من الأرسومة إلى اللوحة” تقليدًا أكاديميًا يقوم على الحفر في تاريخ الفن العربي، وإبراز فكره وملامحه الفنية وميكانيزماته الجمالية، لكنه لا يتعامل هنا مع التجارب الفنية بوصفها أشكالًا إبداعية، بل مختبرات بصرية تُضمر فكرًا، وتكثف رؤية، وتقوم على محاولة الانسلال من مركزية اللحظة الإنسانية إلى هامشيتها كنوع من إعادة بناء نظرة جديدة للتاريخ الذي ننتمي إليه كأفراد.
هنا نص الحوار:
(*) تعرفتُ عليكم من خلال مشاركتنا في الندوة العربيّة حول “تاريخ الفنون العربيّة” التي نُظّمت في مدينة مسقط بسلطنة عمان. منذ تلك اللحظة، إلى الآن، أصدرت عددًا من المؤلفات النقدية أثارني فيها هو حرصك الدائم على الإعلاء من منسوب التفكير الفلسفي على حساب الخطاب النقدي. ألا تعتقد أن الرهان على الإفراط في الفكر المجرّد قد يكون عائقًا تواصليًا داخل ساحة فنية عربية تقليدية مازالت تحبو على عتبات النقد الفني؟
الفلسفة هي أوّل مؤسسة للفكر النقدي والمفهَمة التجريديّة… وعبثًا نحاول إن بحثنا عن ناقد حقيقي للفن لم يدرس الفلسفة، أو على الأقل لا يتعامل مع مفرداتها ومرجعيّاتها. لماذا نحصر التفكير الفلسفي في الميتافيزيقا والأنطولوجيا، وفي الماوراء، وفي نظريات الوجود، فقط؟ الفلسفة باقية ما بقي العقل المفكّر، حتى في عزّ طفرات الرّقمنة والذكاء الاصطناعي. كان أفلاطون أوّل “ناقد” للفن، وإن كان نقده للفن والشعر من خارج القيم الفنيّة ذاتها، وبالاعتماد على رؤية في المعرفة تسمو بالموجودات إلى ما فوق المحاكاة، أي إلى تفكير ماهوي سقراطي، أو مثالي. فقد أخضع أفلاطون تعامله مع الفن إلى مشروعه المعرفي، وورّطه في سلّم معياري من خارج ماهيّة الفن نفسها. ونذكر أرسطو، وإخوان الصفاء، والتوحيدي… وفي الحداثة، نذكر دنيس ديدرو، وهو من مفكري الأنوار، وصولًا إلى مدرسة فرانكفورت النقدية مع بنجامين، وماركوز. وفي فكر ما بعد الحداثة، هنالك جاك دريدا ناقدًا للفن والمعمار، من دون أن نغفل، مثلًا، عن الكتابات الدّولوزيّة في الفن… ومن خلال ذلك، لا أقول إنّ النّقد مدارس، وأنني مع مدرسة النّقد الفلسفي، بل إن اللحظة الفلسفيّة المؤسِّسة لهي من الضرورة بمكان لصناعة المعنى، وإلاّ كانت مقاربتنا للأثر الفني مجرّد توصيف، أو وقوفًا على ما نراه فيه من مقوّمات تقنيّة وجزئيّة. وذلك لا يكفي. إذ الخبرة التّقنيّة، وإن كانت مشروطة، أساسيّة، مثل الخبرة بتاريخ الفن، والقدرة على تنزيل الأثر في سياقه، إلاّ أنها ليست كلّ الفن، وليس كلّ المطلب النّقدي، تمامًا مثل حصر الاهتمام في مسائل مخصوصة، مثل البعد النفسي، أو الاجتماعي… والنّاقد المسهم في بناء المعنى هو من يتمتّع بمعارف بينيّة ومواكب للتّحولات القيميّة والإبستميّة قدر الإمكان.
لا بدّ من تحويل النّظر “إلى” الأثر الفني، أي النظر البصري الفيزيائي، إلى نظر “في” هذا الأثر، أي تدبّر ما يمكن أن يُخصب المقاربة عبر مسار التّأمّل والاستشكال المعرفي بقيم نقدية أخرى هي ضمانة لسيرورة الأثر داخل نظام الفكر، وداخل فضاء المراكمة، وهو فضاء متنام من جيل إلى آخر، وليس مغلقًا. إذ الفن ليس زينة في جدران الشقق والمتاحف، إنه دفاع عن الحياة. الفنّ فكر وليس مجرّد صناعة تقنيّة، أو براعة يدويّة. اليوم، نشهد لتجارب واعدة في الفن المخبري، حيث المسار الإبداعي في الفن يتقاطع مع المسار البيولوجي في الطبيعة. وهذا المثال يؤكّد صراحة كيف أن الفن معرفة، ومواقف نقديّة من أجل معاضدة ديمومة الحياة، والإحاطة بالمنظومات الحيويّة على الأرض، وغير ذلك من القيم الإيكولوجيّة التي تناولتها في كتابي “الطّبيعة في الفن، الصّورة والمادّة/ La Nature dan l’art” (باريس ــ 2024). يتناول هذا الكتاب مواضيع الفن والطبيعة، والرّهان الإيكولوجي، والإيكوصوفي، ويقدم نقدًا للحداثة التي أدّت إلى تيه الإنسانية واغترابها في المنظومات الاستهلاكيّة، واختلال توازنها، بل وابتعادها عن جوهرها الأصيل. ويرتكز كل هذا على منهج إنشائي يتجلى بين الفعل والفكر في دينامية متبادلة تحوّل مجال الاهتمام الفني من الفضاء، بوصفه إنشائيّة ذهنيّة، إلى الزّمن بوصفه سيرورة من العمليات والأحداث. إذ الأثر الفني اليوم لم يعد “تحفة جميلة”، بل حدثًا في التاريخ المعيش يمكن أن يندرج في تصوّرات الدّيمومة الطبيعيّة وإيقاع الحياة…
ليس الفن زينة في القاعات المغلقة. لقد خرج بعدُ إلى الفضاء العمومي، واليومي. ثمّ إن “الجميل” و”الجمال” لم يعودا محورين أوحدين للعمليّة الإبداعية في الفن. بل الفنون الجميلة نفسها لم تعد جميلة، في معترك الفن المعاصر الذي يقوم على الإثارة النقديّة والتّحسيس والسّخرية والفضح ووضع البديهيّات موضع سؤال مستمر، خدمةً لقيم السّلم والبيئة والحريّة على الأرض.
(*) أصدرت قبل شهور كتابًا جديدًا بعنوان “الإنشائية المفتوحة: مسار الإبداع من ورشة الفنان إلى الفضاء الثقافي” (2026). ما الذي تقوله لنا عن مفهوم “الإنشائية” باعتبارها منهجًا يقوم بدراسة مختلف أنماط الإبداع؟
الإنشائيّة (Poïétique) هي فرع معرفي في الإنسانيات يدرس مسار العمليّة الإبداعية ومراحلها، وقد استمدت مفاهيمها الأساسية من فلسفة أفلاطون في موضوع الخلق والصّناعة… وهي تعود إلى ما اقترحه الشاعر الفرنسي بول فاليري في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث أكّد على وجوبيّتها لدراسة مراحل الإبداع ما بين المبدع وعمله. ثمّ في أواخر ثمانينيات القرن الماضي عمل الأستاذ روناي باسرون صحبة رفاقه من المؤسّسين، مثل الأساتذة رشيدة التريكي، وريشارد كونت، وإدموند نوغاكي، وغيرهم، على إنشاء مؤتمر تأسيسي في باريس للجمعية الدولية للإنشائية سنة 1989، ثم بعد سنة في قرطاج.
لكنّ الإنشائيّة لم تتجاوز مجال العلاقة بين المبدع وعمله، داخل ورشته المغلقة، بما أراه لا يستجيب لتطوّرات المقاربات النّقدية والتّأويلية، وخاصّة في الفن المعاصر، حيث وقع تجاوز مركزيّة المبدع الأصلي، تلك المقاربات التي شرّكت فاعلين أُخر في مسار الإبداع، وإخراج العمل الفني، وتأكيد وجوده، مثل الجمهور والقارئ والمنظّر… لذلك، وفي سياق إنشائيّة النّظر، اقترحتُ من خلال كتاب “الإنشائيّة المفتوحة، من ورشة الفنان إلى الفضاء الثقافي” (الشارقة ــ 2025) توسعة المسار الإنشائي، وتمرحله في الزّمن الإبداعي والتراكم المعرفي، ليستفيد من جمالية التلقي الألمانيّة، من جهة، ومن الفلسفة التحليلية الأنغلوسكسونية، من جهة أخرى، تلك التي حوّلت الأعمال الفنيّة إلى قضايا للتداول التحليلي والمنطقي من خلال اللغة، وهو عين ما قصدته من فتح مسار الإبداع ليشمل إبداعيّة الأثر داخل النّصوص بعد انتهاء دور مؤلّفه الأصلي، أو رحيله…. هذه النقلة أراها تجرّ وراءها مسائل جوهرية وهامشيّة أخرى ذات علاقة براهن الفن اليوم وقراءاته والترويج لثقافته… أمّا إنشائيّة النّظر، فهو شغل بدأته سنة 2000، وأخرجته في كتابي الرّابع “العمل الفني وتحوّلاته بين النّظر والنّظريّة ــ محاولة في إنشائيّة النّظر” (الدّوحة ــ بيروت ــ 2018).
إنّ ما أسميته بـ”الإنشائيّة المفتوحة” هي دراسة للفعل الإبداعيّ المنتج لا تقتصر على مواكبة لصيقة للمحطات التي يمرّ بها الفنّان في ورشته، وهو بصدد إنجازه لعمله الفنّي. بل هي مشروع إنتاج متواصل لمسار الإبداع يستمرّ ويثمر خارج حيز هذه الورشة، ليتسلّل إلى الفضاء الثقافي، أين تُصنع القراءات والأفاهيم وتتراكم الرّؤى وتتعدّد لتشارك في صياغته وتنشيطه. إذ هي إنشائيّة تنفتح على فُتوح الفنّ نفسه في علاقته بالزّمن وإيقاع الحياة في الشكل الفنّي، وهو يرتجّ ويعتمل وينمو ما بين الفكر والمادّة، الإدراك والعالم… إنّها طريقة في النّظر والتفكير والإنتاج، وهي من الخصوبة بمكان، بحيث تلقي بظلالها على عدد من الشواغل البحثيّة المتّصلة، ومن ذلك علاقة الفكر النّقدي باللّغة، وتكوينيّة الصّورة داخل القشرة الإبصاريّة، ثم فرزها وترقيمها…
لقد عزّزت كونيّة الفن المعاصر منذ ستينيات القرن الماضي (وإدراجه كموضوع للدراسة والبحث في الجامعات) مفهومًا جادًا للفن، بل وصارِمًا، يستمد قيمته من قدرته على إخصاب الفكر التأويلي والمعارف المتناسجة التي يستحضرها الفنّانون أنفسهم في ممارساتهم وتصريحاتهم. ومنذ ذلك الحين، أصبح الفن، بمعنى ما، واجهة للمُراكمات المعرفية والقيميّة ذات الخصوصيّة البينيّة، حيث تتعاضد جملة من الفروع المعرفيّة، في الإنسانيّات، كما في العلوم التجريبية والذّهنيّة.
أجل، نحن في حاجة ماسة إلى مناهج متعددة التخصّصات. لكن يجب علينا دراسة العلاقة بين الفن والعلم دراسةً متأنية، وتحديدًا الروابط التي تربط الفن بالعلم، وتلك التي لا تربطهما. وبعبارة أخرى، الحدود الجوهرية التي يفرضها كلٌّ منهما على مجاله قبل الخوض في إمكانية فتح آفاق جديدة أمام هذه الشمولية. وليس الأدب أيضًا في منأى عن هذا التساؤل، لا سيما في عصر البنيوية، وما بعد البنيويّة، وبالأخص في عصر الخيال العلمي. بالطبع، لا وجود لنوافذ أو أبواب بلا حدود وجدران! أدلي بهذه الملاحظات وأنا أُدرك أن الفن المعاصر إبداعيٌّ بطبيعته، مكاشفة للذات واكتشاف لنبض العالم، بطبيعته. يكفي الوعي القصدي بأن أيّة ظاهرة أي عنصر مكوّن لهذا العالم، أيّ مكوّن طبيعي أصيل، يمكن أن يصبح موضوعًا للفن. ولئن ركّزت الحداثة في الفن على طرائق التّمثل الذاتي للعالم (représentation)، زمن هيمنة الذاتية، وخاصة منذ القرن الثامن عشر، وظهور الكانطيّة في الحكم الجمالي، إلى الانطباعية مع كلود مونيه ورفاقه، فإنّ المعاصرة ردّت الاعتبار إلى المُثول (présentation)، وانفتحت على الأغراض والأمكنة والكيانات الطبيعيّة كما هي.
وكما لدى روبرت سميثسون رائد فنّ الأرض: قد لا تحتاج الطبيعة إلى عمليّة تغيير وإعادة تشكيل حتى تتحوّل إلى فن! في هذا المثول، لم يعد الفعل الإبداعي قائمًا على الجماليّة ــ وفي الأصل الإحساسيّة الذاتيّة أي الأستطيقا ــ بل أصبح قابلًا لعقد جسور مع النّظر العلمي للموضوع الفني والاستئناس بالتكنولوجيات الجديدة في التعبير عن مقصديّة الفنان والانفتاح على مقصديّات المشاهدين الذين لم يعودوا شاهدين بل “فاعلين” في المسار الإبداعي.
(*) ما مدى حدود التقاطع الفكري والتلاقي الجمالي على مستوى مفهوم “الإنشائية” بين العمل الفني ونظيره الأدبي؟
“الإنشائيّة Poïétique” هي منهج يدرّس في الجامعات الفرانكوفونيّة خاصة، في أوروبا، وكندا، وشمال أفريقيا، والسنغال. لذلك، ليس غريبًا أن أجد زملائي وأصدقائي الأساتذة في الشرق الأوسط لا يتعاملون مع هذا المنهج نظرًا لاعتمادهم على مرجعيات غير فرانكوفونيّة، رغم أن بعض المنظّرين الأنغلوسكسونيّين، مثل نالسون غودمان، كان قد أدلى بدلوه في هذا المنهج، كما في كتابه “الفن في النظريّة والممارسة”، الذي ترجمه من الإنكليزية إلى الفرنسية جون بيار كومتي، وروجاي بويفاي. ولنا أن نذكّر بإنّ الإنشائيّة ليست تمامًا ما يتعلّق بـ”الشعريّة” كمنهج للدّراسات الأدبية، عُرف مع الأساتذة ريمان جاكوبسون، وتزافيتان تودوروف… ثمّ مع توفيق بكّار، وحمّادي صمّود، وغيرهم…
(*) كُنتَ دائمًا من الأقلام البحثية التي ترى أن قيمة العمل الفني لا تتأتى من العمل الفني الذي يُنجزه الفنان في محترفه، بل هنالك معايير أخرى تلعب دور الوساطة، وتُدخل اللوحة في عالم لامتناهٍ من العلاقات بين المؤسسة والناقد. إلى أي حد في نظرك ساهمت مفاهيم الفن المعاصر في تغيير ملامح الفن العربي في علاقته بالمؤسسة الفنية؟
نعم، يموت الفنّان بموت النّاقد. هذا مؤكّد. فبفضل النّقاد والمؤرّخين والكتّاب وصنّاع الصورة السمعيّة البصريّة، يواصل المبدعون لعبة الحياة بعد موتهم. إنّهم يتحوّلون إلى ديناميّة معرفية وقيميّة مستمرّة في بطون الكتب، ومتون الإعلام، وغرف المتاحف، ليكونوا مسهمين في بناء الضمير الثقافي، والرأسمال الرّمزي، في المجتمع الإنساني.
وإذا كان وجود الفنّان مرتهنًا بوجود العمل الفنّي (والعكس غير صحيح)، إذ الفنّان هو ابن العمل الفنّي (والعكس غير صحيح)، فإنّ لا قيام لهذا الأخير، أي العمل الفنّي، إلاّ بوجود النّاقد. إنّ النّاقد ليس مجرّد وسيط بين مبدع ومتلقّ، كما يحلو للبعض أن يسمّيه في سياق منظومة مفاهيميّة بالية ومهترئة، بل وساذجة. فالوساطة مسافة، والمسافة يمكن الاستغناء عنها. إنّه بالأحرى، أي النّاقد الفنّي، باعث أنطولوجي لكيان الأثر الفنّي، وهو من بفضله يوجد العمل الفنّي في الفضاء الثقافي والقيمي والتّاريخي.
لا غاية من وجود العمل الفنّي إلاّ ليُعرض أمام النّاس. فالمعرض، أو العرض، هو المكان الذي يولد فيه العمل الفنّي، وليس ورشة الفنّان. لذلك قال الفلاسفة التّحليليّون والمناطقة الذين أخصبوا نظريات الفن المعاصر، إنّ الفنّ جوهر افتعالي (artefact) لا يتجلّى إلاّ عند العرض. فليس المهم ما ننتج، بل المهمّ كيف نعرض للناس ما ننتج. وهكذا، فالعمل الفنّي الذي يظل في الورشة عقودًا من الزّمن من دون أن يُعرض، أي من دون أن يصبح موضوعًا للنّظر التّأمّلي والنّقدي، ليس بعمل فنّي. إنّه كيان حسّي ماديّ لا أكثر. فهو قماشة مطليّة بالدّهن، إذا كان لوحة، وهو مجموعة أصوات إذا كان يراد به أن يكون قطعة موسيقيّة، وهو مجموعة أجساد تتحرّك، إذا كان يراد به أن يكون عملًا كوريغرافيّا، إذ أن علاقته بالفن تتحدّد من داخل الوجود بالقوة، وليس الوجود بالفعل. أمّا التّفعيل هَهُنا فليس شيئًا آخر سوى العَرْض أمام جمهور، وقس على ذلك… ما هي منزلة الناقد في هذا المسار؟
إنّ النّاقد هو ضمانة أساسيّة من ضمانات ما أسميته بـ”الإنشائيّة المفتوحة”، حيث لا يقتصر مسار الإنشاء على ما ينجزه الفنّان وحيدًا في ورشته، في ركن قصيّ من العالم، بل يستمرّ من قبل فاعلين آخرين، أي المتلقّي الفاعل، والمشارك، والمؤوّل، والنّاقد، والمنظّر… وذلك في شكل نصوص هي قراءات نقديّة وتطبيقيّة وتنظيريّة وتأويليّة، أي كلّ ما “يتحوّل” فيه/ من خلاله العمل الفنّي إلى صيرورة نصّية. إذ أن العمل الفنّي يحيا ويستمرّ في شكل نصوص نقديّة هي مجال للمفهمة، ومراكمة للمواقف والقراءات والمقترحات. ومن خلال ذلك يستمرّ حضور العمل الفنّي في الفضاء الثقافي ليسهم في تنشيط الضمير التاريخي العام للمجتمع. فقد لا يحتاج اليوم الواحد منّا إلى النّظر “إلى” لوحة “الجوكندة”، أو إلى “غرنيكا”، وهما تقبعان في المتحف، ولكنّنا نحتاج فعلًا إلى النّظر “في” هذا العمل أو ذاك من خلال المراكمات النّصيّة التي حيكت حولها من قبل النقاد والمؤرّخين…
لكنّ النّاقد ليس كيانًا نازلًا من السّماء، إنّه الابن الشرعي لما نسمّيه بالمتلقّي (أو المتلقي الفاعل بلغة هانز روبرت ياوس، رائد نظريّة التلقي الجمالي). ويتطوّر هذا المتلقّي في مسار التّرقي إلى قارئ فمؤوّل ومحلّل فناقد… ومن ثمّ، يتطوّر معه مسار الإنشاء الإبداعي للأثر الفنّي ويزدهر شيئًا فشيئًا. وقد علّمتنا حداثة الفنون أن لا وجود لحركة إبداعيّة من دون حركة نقديّة موازية… قال روناي برجاي في كتابه “الفن والتّواصل”: “إنّه بفضل الفعل النّقدي، يتكوّن الفعل الجمالي للأثر الفنّي”. وهذا معنى أن لا كيان جماليّ وإبداعيّ لأيّ أثر إلاّ بفعل النّقد. وموت النّاقد هو موت للفنّان بالضرورة. ولا نقد إلا بعد العرض. وهنا ينفتح المجال أمام تدخّل المؤسّسات. وهذا مهمّ ومجدٍ، شريطة ألاّ يؤول الأمر إلى مَأسَسَة الفن.
(*) بين الورشة والمؤسسة والناقد، هنالك دائمًا المتلقي الذي يقف في حيّز غير محايد، إذ يساهم من جهته في طرح الأسئلة الحارقة حول العمل الفني والمخاض العسير الذي يمر منه. في نظرك، كيف يمكن لخطاب “المتلقي” أن يصبح جزءًا من العملية النقدية، وأعني بدرجة أولى تلك الكتابات التي باتت تنتشر كالفطر على صفحات السوشيال ميديا؟
يُفترض ألاّ يكون النّاقد موظفًا لدى المؤسّسة، بل مساهمًا في تحرير الفن من التّشبيك المُؤسَسِي، حيث يتم تعويض القيم الإبداعية بقيم مصرفيّة وميتا ــ فنيّة، مثل الأدلجَة والتّوظيف… ومهما يكن من أمر، فالمؤسسات ضروريّة إن عملت على تثمين ما هو فني. وسبق أن كتبتُ أن لا وجود لفنّ، بالمعنى الحديث والمعاصر، خارج مؤسّسة الدّولة. إذ الفن ليس صَيحة معزولة في صحراء خالية. وبالتّوازي، لا يستقيم وجود فنّانين بمعزل عن المؤسّسات الرّاعية الدّاعمة، والمنظّمة، والمجمّعة، والمروّجة، والمتحفيّة، والأكاديميّة، والإعلاميّة، ومؤسّسات العرض الفنّي… إذ تلعب المؤسّسة دور الفاعل الثقافي والاستراتيجي في خدمة وصول الإبداع الفني إلى النّاس، والمساعدة على أن يكون مكوّنًا للضّمير الثقافي، ومساهمًا في السّيرورة الاجتماعيّة. بل هي ما يمكن أن يضمن أدوارًا مهمّة في مسارات العمل الفنّي، وخصوصًا بعد إنجازه المادّي، حيث تعمل على تأمين نقلة الفنّ إلى الفضاء الثقافي، ليستمرّ ضمن إنشائيّة مفتوحة. وتحتمل عمليّات التّسويق مختلف المَقاتل الإشكاليّة التي تتعلّق بعلاقة الفن بالمؤسّسات في وضع تاريخي محدّد وفي سياق مفاهيميّ مخصوص. فمن شأن السّوق الفنيّة أن تسهم في مواصلة خلق القيم المتّصلة بوجود العمل الفني وماهيّته الثقافيّة والتّاريخيّة وحتّى الجماليّة… وما الإنشائيّة المفتوحة إلاّ تفعيل لهذا التّضافر المنشود بين جهودٍ لفاعلين متعدّدين، بحيث لا يقتصر الأمر على فنّان وناقد. لاحظ أنّه في ظل تقاعس المؤسسات، أو تراجعها، تستفحل ما يعيشه الفنان من أزمة وجوديّة. إذ يجد نفسه وحيدًا في تقديم فنّه للناس.
اليوم، إزاء ثورة المفاهيم العولميّة، لسنا محلّيّين، تحديدًا، في ظلّ الخامات والتّقنيات و”الأساليب” المستوردة. وبالتّوازي، لسنا عالميّين، تحديدًا، في غياب بيئة ثقافيّة ديناميّة نافذة تنشط داخل لعبة المبادلات العالميّة التي تتطلّب تموقعًا في خارطة القوى يعمل على تشبيك الأدوار سياسيًّا واقتصاديًّا… نحن بالأحرى في منزلة شقـيّة بين المنزلتين، منزلة إشكاليّة مرتهنة بحتميّة التّاريخ وضرورة الجغرافيا. ليست مرتهنة بـ من نحن وبقدرتنا على أن نكون أنفسنا فحسب، بل خاصّة بـ كيف سنكون ما نريد؟ كيف سنشكّل لنا مستقبلًا ملائمًا؟ كيف نعمل ونفرض وجودنا خارجيّا داخل خارطة القوى؟ والمسألة هَهُنا تتجاوز مجال الفنّ والمقاربات الجماليّة (الأستازيس) والإنشائيّات الهوويّة… لتكتسب أبعادًا سياسيّة واستراتيجيّة. ليس هنالك فنّ خارج منطق التّاريخ وحركة الجغرافيا. ليس ثمّة فنّ خارج منطق الدّولة، والدّولة النّاجحة هي الأقدر على تثمين إبداعات أبنائها أوّلًا وقبل كلّ شيء، والأقدر على ترويجها ــ بالتوازي مع الانفتاح على كونيّة القيم الإنسانية والإبداعيّة ــ وبالقدر نفسه، إدراجها ضمن ديناميّة الحياة الثقافيّة حتى تمكّنها من أن تكون عناصر أساسيّة للضّمير الثقافي الوطني، وتسهم في مناعتها وقوّتها الرّمزيّة والفعليّة، ويتطلّب ذلك وضع سياسات ثقافيّة مواكبة لإيقاع العصر وإنشاء مؤسّسات، مثل المتاحف… كما يتطلّب أن تسهم الدّولة في حركة بناء القيم في العالم من خلال انفتاحها على ما يوجد خارجها وتفاعلها معه. فقد كُتب علينا أن نعيش في عالم متحرّك نسهم في نبضه. ولا يكفي “تأصيل الكيان”، بل يجب تفعيله وتنشيطه وفق ناموس الحياة على الأرض…