انتقال القوّات الأميركيّة الباقية من العراق إلى الأردن لا يعكس بصورته المجرّدة تغييراً في مواقع الانتشار، بل يكشف إعادة ترتيب أوسع للحضور الأميركيّ في المنطقة، ويضع عمّان أمام معادلة جديدة. إذ تتحوّل المملكة إلى محطّة أساسيّة في الحسابات التي ترسم بها واشنطن شكل حضورها المقبل في المشرق.
رسميّاً، اكتمل انسحاب القوّات الأميركيّة من العراق، وانتقلت القوّات الباقية إلى الأردن، حيث تواصل الولايات المتّحدة عمليّاتها ضدّ فلول تنظيم داعش. أهميّة الخبر لا تكمن في حركة القوّات وحدها، بل في دلالته على نهاية مرحلة كان العراق خلالها مركزاً رئيسيّاً للوجود العسكريّ الأميركيّ. فبعد سنوات من العمليّات والخسائر والتحدّيات الأمنيّة، تختار واشنطن أن تقلّل انتشارها هناك، من دون أن تتخلّى عن قدرتها على العمل في المشرق.
انسحب مئات الجنود الأميركيّين الباقين في شمال العراق إلى الأردن، الذي بات مقرّ قوّة المهامّ المشتركة لعمليّة “العزم الصلب” بعد نقل مركز عمليّاتها من العراق، بحسب ما نقلته “واشنطن بوست” عن مسؤولين أميركيّين. ولم تحدّد المصادر الأميركيّة قاعدة بعينها استقبلت هذه الدفعة تحديداً، إلّا أنّ الأردن يستضيف أصلاً الوجود العسكريّ الأميركيّ الأكبر في المنطقة عبر قاعدة السلطيّ الجوّيّة في الأزرق، التي بلغ عديد القوّات الأميركيّة فيها نحو 4,000 جنديّ خلال 2026، إضافة إلى منشآت أخرى جنوبيّ البلاد قرب العقبة. وكان نحو 1,500 عنصر من القوّات الأميركيّة وقوّات التحالف الدوليّ لا يزالون في العراق قبيل الموعد النهائيّ في 30 أيلول، قبل أن تُعيد غالبيّتهم الانتشار في الأردن ودول أخرى في المنطقة لمواصلة مهمّة ملاحقة “داعش” من هناك.
المملكة تقع على تماسّ مع العراق وسوريا وإسرائيل والضفّة الغربيّة، وتملك مع الولايات المتّحدة شبكة تعاون دفاعيّ متقدّمة. وفي تحليل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، برزت المملكة باعتبارها أحد أهمّ مراكز النشاط العسكريّ الأميركيّ في المنطقة، خصوصاً بعدما أظهرت الحرب مع إيران هشاشة عدد من مواقع الانتشار الأميركيّة الأخرى.
لكنّ الأهميّة الأردنيّة لا تختصر في موقع جغرافيّ ملائم. فواشنطن تبحث عن بيئة تستطيع من خلالها الحفاظ على حضورها في المشرق من دون إعادة إنتاج الظروف التي جعلت العراق عبئاً عسكريّاً وأمنيّاً ثقيلاً. والأردن يوفّر لها شريكاً مستقرّاً، وقوّات متعاونة، وبنية عسكريّة يمكن تطوير استخدامها في العمليّات ومكافحة الإرهاب والدعم اللوجستيّ.
مظلّة أميركيّة… وهدف إيرانيّ
بالنسبة إلى عمّان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فوجود أميركيّ أكبر يعني مظلّة أمنيّة أقوى، لكنّه يعني أيضاً أنّ الأردن يصبح أكثر التصاقاً بالتوتّرات التي تحيط بالقوّات الأميركيّة. وقد أثبتت الحرب مع إيران أنّ القواعد والمنشآت التي تستضيف الوجود الأميركيّ يمكن أن تصبح أهدافاً في لحظة التصعيد. ولذلك فإنّ تعزيز التعاون العسكريّ يحتاج، من وجهة النظر الأردنيّة، إلى تفاهم سياسيّ واضح حول حدود هذا الدور وتبعاته.
هنا تحديداً تظهر السياسة الأردنيّة. عمّان لا تتعامل مع أمنها من زاوية واحدة. الحدود مع سوريا، والتطوّرات في الضفّة الغربيّة، والحرب في غزّة، والتهديدات القادمة من إيران، كلّها ملفّات تتقاطع في حسابات الدولة الأردنيّة. وما يهمّ عمّان هو ألّا يتحوّل موقعها الجغرافيّ إلى مبرّر لفرض أجندات الآخرين عليها، بل إلى وسيلة لحماية مصالحها وتعزيز قدرتها على التأثير.
لهذا فإنّ العلاقة مع واشنطن تدخل مرحلة تحتاج إلى تفاوض أكثر من حاجتها إلى المجاملة. الأردن لديه ما تقدّمه للولايات المتّحدة، لكنّه يريد في المقابل أن تكون الشراكة الأمنيّة مرتبطة بالتزام أميركيّ واضح بأمن المملكة واستقرارها، وبموقف يأخذ في الاعتبار المخاطر التي يمكن أن تنتج عن استمرار التصعيد في الضفّة الغربيّة وغزّة أو عن أيّ انفلات أمنيّ على الحدود السوريّة.
هذه ليست محاولة أردنيّة للموازنة بين واشنطن وخصومها بقدر ما هي محاولة لتثبيت قاعدة بسيطة، وهي أنّ التعاون العسكريّ لا يلغي القرار السياسيّ. الأردن يستطيع أن يكون شريكاً أمنيّاً رئيسيّاً للولايات المتّحدة، من دون أن يتحوّل إلى طرف في كلّ صراع تخوضه واشنطن في المنطقة.
استثمار الموقع الجديد
هنا تكمن الفرصة الحقيقيّة. إعادة الانتشار الأميركيّ تمنح الأردن وزناً أكبر في الحسابات الاستراتيجيّة لواشنطن، لكنّ قيمة هذا الوزن ستتحدّد بقدرة عمّان على تحويله إلى تفاهمات سياسيّة وأمنيّة تخدم مصالحها، لا بمجرّد استقبال مزيد من القوّات أو المنشآت.
واشنطن تعيد رسم وجودها في الشرق الأوسط، والأردن أصبح جزءاً مهمّاً من هذه الخريطة. لذلك فإنّ المرحلة المقبلة لن تقاس بعدد الجنود الأميركيّين الذين يصلون إلى المملكة، بل بما إذا كانت عمّان ستنجح في تحويل هذه الأهميّة الجديدة إلى نفوذ سياسيّ يحمي مصالحها. فالولايات المتّحدة تحتاج إلى الأردن في هذه المرحلة، والأردن يعرف ذلك. والسؤال الذي يستحقّ المتابعة الآن هو كيف ستستخدم عمّان هذه الورقة؟
