
أعلنت وزارة الدفاع التركية مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2026 نيتها تسليم قاعدة بعشيقة (زليكان) قرب الموصل شمال العراق للسلطات العراقية بشكل تدريجي، بعد أكثر من 10 سنوات على تأسيس القاعدة التي استخدمها الجانب التركي بشكل أساسي في عملياته ضد حزب العمال الكردستاني.
برر الجانب التركي خطوته بما أحرزته السلطات العراقية من تقدم في سهل سنجار شمال العراق، ضمن سياق بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها.
وسبق أن شكل رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، بعد فترة من تكليفه بمهامه، لجنة عسكرية وأمنية خاصة بسنجار.
ارتباط الإعلان بالانسحاب الأميركي
جاء الإعلان التركي بعد أيام قليلة فقط من استكمال القوات الأميركية انسحابها من العراق تنفيذاً لاتفاق سابق مع الحكومة الاتحادية.
على الرغم من أن واشنطن تعمل على تأمين القوات الأميركية وإبعادها عن ساحة تصعيد مستمرة، لكن يبدو أن قرار الانسحاب مرتبط أيضاً باستراتيجية أميركا المتضمنة نزع سلاح الفصائل النشطة خارج إطار الدولة، وإدماجها ضمن المؤسسة العسكرية، وتعزيز دور الحكومة الاتحادية، وبالتالي فإن الانسحاب الأميركي وما تلاه من إعلان تركي حول تسليم قاعدة بعشيقة مرتبط بالاستراتيجية ذاتها، لأن هذه الانسحابات ستلغي الذريعة التي تتذرع بها الفصائل المدعومة من إيران في مواجهة الدولة العراقية لرفض تسليم السلاح بحجة استمرار وجود “قوات احتلال“.
في أواخر أيلول/ سبتمبر الماضي، لمح المبعوث الرئاسي الأميركي إلى العراق وسوريا، وسفير واشنطن في تركيا توماس براك، إلى أهمية دخول قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق ضمن الجيش العراقي، وقبله أوقفت الإدارة الأميركية الدعم المخصص لهذه القوات، وهذه الخطوات تندرج أيضاً في سياق الحوافز المقدمة للحكومة الاتحادية العراقية برئاسة الزيدي لتتخذ خطوات جادة فيما يتعلق بنزع سلاح الفصائل.
خطوة بخطوة
من غير المتوقع أن تنسحب القوات التركية بشكل كامل ودفعة واحدة من شمال العراق، بما فيها قاعدة بعشيقة الأكبر في المنطقة، إنما سيطبق الجانب التركي غالباً نهج خطوة بخطوة، حيث يحتفظ بقسم من وجوده العسكري والأمني للإشراف على تطبيق اتفاقية قضاء سنجار بينه وبين الحكومة العراقية التي تتضمن حصر السلاح بيد الدولة، وتفعيل القضاء، وإخراج المقاتلين الأجانب.
وينتشر في القضاء وحدات حماية سنجار، التي تعتبر فرقة من الحشد الشعبي، وأوجدت في الوقت ذاته على مدار السنوات الماضية اتصالات بينها وبين حزب العمال الكردستاني بحكم العاملين القومي والفكري، وحالياً تتركز الجهود العراقية والتركية المشتركة على دمج العناصر المحلية لهذه الوحدات ضمن الجيش مع استبعاد العناصر الأجنبية، بالتوازي مع الخطوات المرتبطة بمسار “تركيا خالية من الإرهاب” الخاص بحزب العمال الكردستاني.
مما يدفع للاعتقاد بأن تركيا ستحتفظ حالياً بقسم من القاعدة أو تؤجل التنفيذ بالكامل إلى مراحل لاحقة، لرغبتها في التأكد من الإجراءات على الأرض، وعدم قدرة التيار الرافض للتسويات في العمال الكردستاني على تعطيل الاتفاق الخاص بسنجار.
مستقبل الوجود التركي في العراق
تطمح تركيا على الأرجح لاستدامة نفوذها في العراق لكن بشكل مقبول لبغداد وغير مستفز لإيران، ولذا ستسعى أنقرة إلى تحويل دورها إلى استشاري وتنسيقي مع القوات العراقية.
قد توفر أنقرة للجانب العراقي مستقبلاً خياراً مهماً من أجل تأمين بعض الأسلحة، بما فيها الدفاع الجوي، حيث تسعى بغداد منذ مدة لعقد تفاهمات مع دول مختلفة من أجل حماية أجوائها في ظل عدم إمكانية الحصول على مثل هذه المعدات من الولايات المتحدة والقيود التي تفرضها الأخيرة على استخدام السلاح، في وقت تحاول فيه بغداد حماية أجوائها من الانتهاك.
الإعلان التركي عن الانسحاب وتسليم القاعدة للعراق سيقلص إلى حد كبير دوافع التنسيق بين الفصائل العراقية المدعومة من إيران ووحدات حماية سنجار، حيث نسق الطرفان على مدار السنوات الماضية ضد النفوذ التركي شمال العراق، ومع هذه التطمينات تتوقع أنقرة أن تنتفي الحاجة لمثل هذا التنسيق الأمني ضدها، بالإضافة إلى تخفيض حجم الاعتراض على وجود علاقات رسمية تركية عراقية.
استطاعت أنقرة خلال السنوات الماضية بناء علاقات مهمة مع المؤسسات العراقية، بما فيها رئاسة الحشد الشعبي، وبناء عليه لديها فرصة لإرساء نفوذ طويل الأمد في العراق، ولذا فإنها تسعى فيما يبدو لإرسال تطمينات بأن ليس لديها أطماع في الاحتفاظ بالجغرافية وقضمها، وتمهيد الأرضية للتحول إلى شكل جديد من النفوذ يقوم على المصالح المشتركة بين أنقرة وبغداد، لكن هذا المسار غالباً سيعترضه تحديات متعلقة بموقف الفصائل الملتصقة بطهران، ومدى تقبل الأخيرة لدور تركي مستدام في العراق.