في مواجهة السلطة السورية الحالية يبدو استحضار بشار الأسد رهاناً خاسراً سلفاً. فقد بدأ زمنه بالتوريث وانتهى بالفرار من المعركة الأخيرة. وبين هذا وذاك حكم قرابة ربع قرن من وقت مستقطع افتتحه مستهتراً وختمه بتلال من جثث معارضيه ومؤيديه. وحتى بين من يوصفون، من دون تزيّد، بأنهم «فلول»؛ أي العاملين على عودة النظام السابق أو الراغبين في ذلك أو المترحّمين عليه؛ فإن ندرة ما زالت تعدّ بشار «رئيساً شرعياً».
في المقابل تتوجه قلوب هؤلاء، وذاكراتهم، إلى «الأب المؤسس» الذي يتراءى لهم أن في جعبته ما يجعله منافساً مناسباً. ومن هنا يبدو أنه على أنصار الثورة أن يحذروا من شبح حافظ أكثر من الخشية من خيال المآتة الذي خلًفه.
هذا السيناريو، أي الحنين إلى أيام «القائد الخالد»، ليس مجرد مخاوف. بل تيار يتسرّب ببطء ويتراكم بعد قرابة سنتين من الحكم الجديد، انطلاقاً من الفلول الذين يريدون أن يطرحوا نموذجاً مؤهلاً للمنازلة، مروراً بالذين رجعوا فلولاً بعد تجربة قصيرة مخيبة مع التغيير، ثم إلى بيئات رمادية مراوغة بطبيعتها، وصولاً إلى قلب البيت المعارض نفسه.
للحقيقة هناك أسباب عديدة تدعم «جاذبية» صورة حافظ الأسد المستعادة. ربما كان أولها أنه صار قديماً إلى درجة يمكن معها تناسي بعض أبرز سيئات حكمه التي لم تعشها أجيال من الشباب السوريين، بينما ما تزال الدماء التي أراقها ابنه الأحمق تزكم الأنوف، والبلد الذي هدمه يملاً الأبصار ويُثقل على الصدور ويعسّر الإعمار.
ثم إن في انضواء الأب في عالم الأبيض والأسود، جزئياً، ما يجعله عنصراً من ماضٍ «جميل» بحكم انصرامه على الأقل. هذه إحدى سمات عصرنا الذي يغترب الفرد فيه بأسرع مما سبقه نتيجة التحديث والتطور الذي تصعب مجاراته من قبل أجيال منسَّقة تحتمي من العالم اللاهث بالذاكرة أو بنسخة مجمّلة منها. فتُستعاد أيام كانت ربطة الخبز فيها متوافرة، والراتب الحكومي منتظماً، والمجتمع يعيش في حالة من «الأمان» الزائد عن الحاجة حتى.
صحيح أن ذلك الأمان كان من صنائع أجهزة «الأمن» المتكاثرة، بدءاً من الجنائي صعوداً إلى العسكري، لكن كم نسبة السوريين الذين يرفضون تغوّل المخابرات في المبدأ، لا حين تكون ضدهم، ويحيّونها عندما تضمن بقاء السلطة التي تمثلهم؟ لقد أثبتت السنوات السابقة، بما فيها من حكم قوى الأمر الواقع جزئياً أو كلياً، أن الحساسية المجرّدة لحقوق الإنسان ضعيفة لدى أكثرية السوريين بمختلف منابتهم الأهلية ومواقفهم السياسية. لا تصل الأغلبية إلى التسامح مع فظائع حكم حافظ الأسد، كوحشية الأفرع الأمنية والسجل المريع لسجن تدمر ومجزرة حماة؛ لكن يبدو أن الكثيرين مستعدون للتوقف عن تذكّر ذلك، أو للنظر إليه بوصفه جزءاً «مؤسفاً» من «صورة كلية» يجب ألا يستأثر بالحكم عليها. ناهيك عن شرائح، قليلة لكنها لا تُهمل، ترى أن المعارضين، وفي مقدمتهم «الإخوان المسلمون»، يستحقون ما حصل لهم!
من جهة ثانية يلعب العامل الخارجي دوراً لا يصبّ في كفة السلطة الحالية التي، فضلاً عن طابعها «البراغماتي» كما يسمّى، مضطرة، بسبب ضعف الإمكانات والهشاشة العامة، إلى «مسايرة» أطراف عدة. في مقدمتها، في السياق الذي نتحدث عنه، إسرائيل التي تعربد، فعلياً هذه المرة، في الأراضي السورية. ولا تواجَه بردٍّ صلب لا تتوافر شروطه. وعلى الرغم من وضوح ذلك لأكثر سكان دولة «المواجهة» السابقة هذه، إلا أن الفرصة تبقى متاحة لمن أراد أن يقارن مع «الرجل الذي لم يوقّع»، كما أسمت إحدى فضائيات محور «المقاومة» برنامجها الوثائقي عن حافظ الأسد.
ورغم أن سوريين كثيرين معجبون، اليوم، بالمرونة المدوِّخة لسلطتهم الجديدة، إلا أن هذا ليس من طباعهم بعد أن صنعهم الأسد «على صورته» المتجهمة، سواء في عهده المركّز أو تحت حكمه الممدّد في ظل ابنه. مما جعلهم أميل إلى احترام التخشب والعناد، يمايزون بين النظام والفوضى لا بين نظام فولاذي وآخر مطاط. فيقابلون الأول بما يبعث في نفوسهم من «هيبة» تدفعهم إلى الطاعة ولا يتعدى إعجابهم بالثاني، في العادة، قولهم «حلال عالشاطر».
غير أن الأهم ما يزال في مكان معيشي آخر. فقد تميّز عهد الأب بأنه نمط من دولة الرعاية التي قايضت سكانها بتأمين احتياجاتهم الأساسية مقابل سلبهم حقوقهم السياسية، وبتضخم القطاع العام لقاء التضييق على الخاص أو احتكاره بيد محاسيب من الحاشية، وبتدني إنتاجية الموظف الحكومي بالتمشّي مع بؤس راتبه.
هذه معادلات كالحة من دون شك. وكانت أحد العوامل التي حركت الثورة. لكن ذلك كان في العام 2011 وما قبله. أما الآن، في الحال اليومي لأغلب السوريين في العام 2026، فيبدو أن أكثرية منهم عادت مستعدة للقبول بفقدان الديمقراطية مقابل توافر الضروريات، وبتحمل ضريبة فرض النظام خشية من الفوضى، وبالضبط بدل الحريات. وفي هذه الحالة لا ماضي أنسب من «أبي الفقراء»، الذي كان يسوّر القنّ السوري ولكنه لا ينسى إطعام دجاجاته.
غير أن الدنيا لم تنته عند هذه الاستعادة. فطرُق الشعوب إلى التخلص من أوزارها التاريخية متعرجة وطويلة النفَس وقابلة للانتكاس. من دون أن يعني ذلك ردةً تامةً إلى الوراء… فهذا مستحيل!