مع بدء العام الدراسي، خرج طلاب وأهالٍ في مدن وبلدات من محافظة الحسكة احتجاجاً على القرار الذي خصص ثلاث حصص أسبوعية لتدريس الكردية. سرعان ما تجاوز الاعتراض عددَ الحصص وموقعها في الجدول المدرسي، إذ كان السؤال الذي ظهر في الشارع أبعد من ذلك: هل تكون الكردية مادةً دراسيةً يتعلّمها الطالب، أم لغة يُدرّس بها أسوةً بالعربية؟

في القامشلي، رفضت طالبات دخول الغرف الصفية وطالبن بالتعلّم بلغتهنّ الأم. هنا انتقل النقاش من قرار إداري يخص المدرسة كمؤسسة إلى مسألة تمس الأسر مباشرة: بأي لغة يريد الأهالي أن يتعلم أبناؤهم، وكيف يمكن أن يجتمع ذلك مع قيام نظام تعليمي سوري واحد؟ هناك فرق واضح بين تعليم الكردية والتعلّم بها. في الحالة الأولى تكون اللغة مادة دراسية إلى جانب المواد الأخرى. أمّا في الثانية، فتُستخدم في تدريس الرياضيات والعلوم والتاريخ والجغرافيا وبقية المواد.

لفهم حساسية هذا النقاش، تكفي العودة إلى تاريخ اللغة الكردية في المدرسة السورية. فقد ظلّت اللغة حاضرة في البيوت والمجتمع، بينما غاب حضورها عن التعليم الرسمي لعقود، وحدّت سياسات لغوية وثقافية من استخدامها في المجال العام. لذلك يرى كثير من الكرد أن دخولها إلى المدرسة يتجاوز إضافة مادة جديدة إلى المنهاج، إذ ترتبط بلغة بقيت خارج التعليم الرسمي طوال سنوات طويلة.

منذ تأسيس الحركة السياسية الكردية السورية، كانت اللغة والثقافة حاضرتين في مطالبها، وكان التعليم باللغة الأم واحداً من هذه المطالب. أمّا الاعتراف الرسمي الحالي فينقل القضية إلى مرحلة أخرى. أُدخلت الكردية إلى المدارس بوصفها «لغة وطنية»، وبدأ تدريسها بحصتين أسبوعياً ثم ارتفع العدد إلى ثلاث، إضافة إلى حصة للأنشطة، مع احتساب علامتها ضمن المجموع النهائي. كما كُلّف المركز الوطني لتطوير المناهج بإعداد مناهج للّغة الكردية لمختلف المراحل. وهنا تظهر مشكلة أخرى. الاعتراف باللغة في قرار رسمي شيء، وأن يجد الطالب كتاباً كردياً على مقعده ومعلماً قادراً على تدريسها ومنهجاً واضحاً لموقعها بين المواد الدراسية شيء آخر.

المجتمع نفسه لا يبدو متفقاً على شكل هذا التعليم. هناك من يرى أن التعليم بالكردية حقٌّ تأخّر الاعتراف به. في المقابل، تخشى أُسر أخرى أن يؤدي تغيير لغة التعليم إلى إرباك المسار الدراسي لأبنائهم وبناتهم أو إلى صعوبات لاحقة في الجامعة. وهناك أُسر لا تريد الدخول في هذا الاختيار أصلاً: تريد لطفلها أن يتعلم بلغته الأم، وفي الوقت نفسه أن يبقى ضمن نظام تعليمي يُتيح له الدراسة والامتحان والحصول على شهادة مُعترف بها في مختلف أنحاء البلاد.

تجربتا فيان وأحمد توضحان جانباً من هذه المسألة:

فيان، طالبة في الصف الثالث الثانوي من الدرباسية، بدأت تعليمها بالعربية، كما كثير من أبناء جيلها. وبعد توقف مناهج الحكومة في مدارس البلدة عام 2015، تابعت تعليمها من خلال دورات خاصة وقدمت امتحاناتها في القامشلي. ومع إدخال الكردية إلى المدرسة السورية، التحقت بدورة لتعلّم أبجديتها. بالنسبة إليها، لا يُشكِّل تدريس الكردية بوصفها مادةً إضافيةً عائقاً أمام دراستها أو طريقها إلى الجامعة.

أحمد، طالب في الصف الخامس من القامشلي، بدأ تعليمه بالكردية منذ الصف الأول. وعندما بدأ تعلّم العربية في الصف الرابع ضمن منهاج الإدارة الذاتية، واجه صعوبة في استخدامها والتعبير بها. يروي والده، مازحاً، أن أحمد كان أحياناً لا يفهم معنى الكلمات التي ينطق بها، فيرتجل من عنده، فيما يُسايره المعلم. اليوم يتلقى دورات في العربية استعداداً لدراستها كلغة أساسية في الصف.

لا تقول تجربة فيان إن العربية هي الخيار الطبيعي، كما لا تجعل تجربة أحمد التعليم بالكردية حلاً وحيداً. كلاهما طالبان كرديان، لكن كلَّ واحدٍ منهما دخل إلى المدرسة من طريق مختلف، ولذلك يواجه مشكلة لغوية مختلفة. المسألة هنا تعليمية أيضاً: بأي لغة يستطيع الطفل أن يتعلم بصورة أفضل؟ وكيف ينتقل من مرحلة دراسية إلى أخرى من دون أن يُصبح اختلاف المناهج واللغات عبئاً إضافياً عليه؟

المشكلة أقدم من القرار الحالي، فطلابُ المنطقة عاشوا خلال السنوات الماضية بين أنظمة تعليمية مختلفة ومجتمعة، وكان يُفرض عليهم المنهاج وفق الجهة التي تُدير المدرسة. في بعض الحالات، كان الحفاظ على المسار المرتبط بالمناهج الحكومية وشهاداتها يعني التنقل بين المدن أو البحث عن طرق أخرى لإجراء الامتحانات ومتابعة الدراسة. كما أن تجربة التعليم التي نشأت في مناطق «الإدارة الذاتية» لا يُمكن محوها بقرار إداري. آلاف الطلاب درسوا بالكردية، وصار لها حضورها ومعلموها ومناهجها ومصطلحاتها. لا يعني ذلك أن تُصبح تلك التجربة بديلاً عن النظام التعليمي الوطني، ولا أن تُعامل كأنها لم تكن موجودة. المطلوب هو الاستفادة مما راكمته، ومراجعة ما يحتاج إلى مراجعة، وإدخال هذه التجربة في صيغة تعليمية مشتركة.

اتّخذت السلطات السورية خطوات في هذا الاتجاه. سُمح للطلاب الذين درسوا بمناهج الإدارة الذاتية بالتقدّم إلى امتحانات الشهادات العامة خلال العامين الدراسيين (2025 – 2026) و (2026 – 2027)، واعتُمدت الشهادات الممنوحة سابقاً وفق الإجراءات المعتمدة. هذه الخطوات تُعالج جزءاً من المشكلة، لكنها لا تُجيب عن السؤال الأكبر المتعلق بشكل التعليم في السنوات المقبلة.

إذا كانت القيادات السياسية قد اتفقت على إطار جديد للتعليم ضمن مسار دمج المؤسسات، فلماذا يبقى الطلاب والأهالي في مواجهة تبعات الخلاف على التطبيق؟ فالخلاف بين الأطراف حول المنهاج لا يُفترَض أن يتحول إلى أيام دراسية ضائعة، أو انتقال جديد بين المدارس، أو إلى أسرة تضطر كل عام إلى إعادة التفكير في مستقبل أبنائها وبناتها.

وهناك سؤال أكثر تحديداً: إذا أصبح التعليم بالكردية جزءاً من النظام التعليمي، فما الذي سيتعلّمه الطالب بهذه اللغة؟ الجواب لا يَفترِضُ بالضرورة الاختيار بين منهاج كردي مستقل ومنهاج عربي موحَّد. يمكن أيضاً تدريس المنهاج الوطني نفسه باللغة الكردية، مع ترك مساحة للخصوصيات في المواد التي تسمح بذلك، مثل التاريخ والجغرافيا والثقافة. عندها يتعلم الطالب بلغته الأم، من دون أن يُصبِح منفصلاً عن بقية الطلاب في المحتوى أو المعايير أو الامتحانات.

لكن الوصول إلى هذه الصيغة يحتاج إلى عمل طويل. هناك حاجة إلى معلمين قادرين على التدريس بالكردية ولديهم شهادات أكاديمية، وكتب ومصطلحات مستقرة، وآليات واضحة للامتحانات والانتقال بين المراحل. والأهم أن يعرف الأهل والطلاب منذ البداية إلى أين يقود هذا المسار، وما الشهادة التي سيحصل عليها الطالب في نهايته.

لذلك، لا يُقاس الاعتراف بالكردية بعدد الحصص وحده، كما لا يعني توحيد التعليم أن تتطابق لغة التدريس في كل مدرسة. الأهم أن يستطيع النظام الجديد الجمع بين أمرين: حق الطالب في التعلم بلغته، وحقه في تعليم مستقر يفتح أمامه المسار نفسه الذي يفتحه لزميله في محافظة أخرى.

اللغة جزء من هوية الطالب، لكن المدرسة تتعلّق أيضاً بمستقبله. وإذا استطاعت الدولة أن تعترف بأكثر من لغة داخل مدارسها، من دون أن تجعل تعدُّد اللغات اختلافاً في الحقوق والشهادات والفرص، فلن تكون وحدة التعليم مرتبطة بلغة واحدة. الدولة التي يستطيع فيها الطالب أن يتعلم الكردية، ويُتقن العربية التي يحتاج إليها في المجال العام، ويحصل في النهاية على الشهادة نفسها التي يحصل عليها زميله في محافظة أخرى، لا تكون أقل وحدةً. ربما تكون أكثر قدرة على جعل مواطنيها يشعرون بأن هذه الدولة تتَّسع لهم جميعاً، من دون أن تطلب منهم التخلي عن لغتهم.