تُعتبر معركة “فجر اليمن” التحوّل الاستراتيجي الأبرز في البلاد منذ الانقلاب الحوثيّ ضد الشّرعيّة اليمينّة في 2015. تجاوزت التحولات العسكرية الميدانية والدبلوماسية الأخيرة في الجغرافيا اليمنية نطاق الصراع المحلي الداخلي والمحض، لتلتحق بعمق التدافع الإقليمي والدولي الكبير الممتد من مياه الخليج العربي وصولاً إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.
شكّل إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، التعبئة العامة وانطلاق المعركة الهجومية الشاملة ضمن عملية “فجر اليمن”، بالتزامن مع التقدم الميداني المتسارع للقوات الحكومية في محاور تعز وذوباب والمخا وصولاً إلى التأمين المباشر لمرتفعات باب المندب ومطاره الاستراتيجي، نقطة التحول الأكثر مفصلية في تعديل قواعد الاشتباك وميزان القوى في المنطقة.
تأتي هذه المعركة في إطار سياق إقليمي – دوليّ أوسع يستهدف إسقاط الذراع الإيرانية الرابعة والأخيرة في المنطقة أي ميليشيات الحوثيّ، وذلك بعد تداعي وتفكيك الأذرع الإيرانية الأخرى في المشرق العربي، والمتمثلة في الانكسار الهيكلي لـ “الحزب” في لبنان، وتقويض القدرات العسكرية لحركة “حماس” في قطاع غزة، وصولاً إلى الانهيار الدراماتيكي ونهاية نظام بشار الأسد في سوريا إثر عملية “ردع العدوان” في أواخر عام 2024.
فضلاً عن ذلك، تأتي عملية “فجر اليمن” بالتزامن مع تحول حاسم في فاعلية أدوات الضغط الإيرانية على الاقتصاد العالمي. فبعد أن بدأت ورقة تهديد الملاحة عبر مضيق هرمز تفقد جدواها الجيو-اقتصادية إثر استعادة حركة ناقلات النفط لمعدلاتها الطبيعية والتكيف الدولي مع التهديدات، تحولت الأنظار باتجاه معركة استعادة السيطرة على باب المندب والزحف البري نحو العاصمة صنعاء، لتجريد طهران من آخر أوراق سيطرتها على أربعة عواصم عربيّة، وورقة الابتزاز البحري والضغط على الأسواق والسلاسل التجارية الدولية.
“ستالينغراد – تعز” تكسر الكماشة المائية
كشفت المعطيات العسكرية والعملياتية خلال الساعات والأيام الماضية عن نقلة نوعية في العقيدة القتالية للقوات الحكومية اليمنية؛ حيث تحولت مدينة تعز إلى “تعزغراد”، بما مثلته من صمود تاريخي بوجه سنين الحصار الحوثي، وانتقالها من مركز دفاعي ومحور استنزاف إلى منصة انطلاق لكسر القوة التوسعية للحوثيين. وهكذا حقق صمود أهل المدينة أمرين:
- تقويض “استراتيجية الخنق المائي المزدوج”: تعتمد العقيدة البحرية والأمنية للحرس الثوري الإيراني على مفهوم “التحكم المزدوج بمنافذ الطاقة”. وهي استراتيجية ترمي إلى بناء “كماشة مائية” تُطبق على حركة الملاحة والتجارة العالمية من خلال السيطرة المباشرة على مضيق هرمز والتحكم غير المباشر بباب المندب عبر الجماعة الحوثية.
يكسرُ نجاح عملية “فجر اليمن” في تحرير مديرية ذوباب والشريط الساحلي والمواقع الحاكمة المطلة على الممر الملاحي الضلع الجنوبي لهذه الكماشة رسمياً، ويعزل الحركة الحوثية عن التأثير المباشر في حركة التجارة الدولية وقناة السويس، مما يجرد طهران من القدرة على مساومة الغرب والمجتمع الدولي بأوراق الأمن المائي.
- التفوق الناري والتطور في سلاح المسيرات: أظهرت المشاهد الجوية والبيانات الميدانية في الجولة الأخيرة من المعارك دخول سلاح مسيرات جديد ومتطور إلى القوات الحكومية المسنودة بشركائها، ما أحدث فارقاً ملحوظاً في القوة النارية، والدقة الاستهدافية، والتنسيق الاستطلاعي. وقد شلّ هذا التطور التكنولوجي مع الغارات التي تشنّها قوّات التحالف العربيّ لدعم الشّرعيّة قدرة الحوثيين على المناورة، ودمّر المنصات المتقدمة لإطلاق الصواريخ البحرية والمسيرات الانقضاضية، ما أدى إلى تحييد مراكز القيادة والسيطرة الحوثية في مجمع النهدين ودار الرئاسة في العاصمة صنعاء.
كما تتيح هذه السيطرة الجوية والتفوق الناري ربط جبهات تعز وباب المندب ببعضها، وفرض طوق عسكري متماسك يُعبد الطريق عملياتياً ونوعياً نحو الشروع في معركة طوق صنعاء وإسقاط الانقلاب من الداخل، في إعادة لسيناريو الإطباق بـ”مسيّرات شاهين” الذي نفّذتهُ فصائل المعارضة السّوريّة لإسقاط نظام بشّار الأسد في عمليّة “ردع العدوان” 2024.
القراءة الأمنية والدفاعية
في إطار تفكيك الأبعاد العسكرية والأمنية لعملية “فجر اليمن”، يطرح المحلل الأمني والدفاعي رياض قهوجي عبر “أساس” رؤية مفصلية مفادها أن استعادة القوات الحكومية اليمنية المدعومة من التحالف العربي للسيطرة على ذوباب والمخا والتقدم نحو الحديدة وطوق صنعاء، تُشكل إنجازاً استراتيجياً كبيراً يُجرد طهران رسمياً من إحدى أهم أوراق نفوذها الإقليمي:
1 ـ تفنيد الادعاءات الإيرانية وتعرية ورقة باب المندب: يستشهد قهوجي بتصريحات قائد “فيلق القدس” إسماعيل قآآني التي أعلن فيها سابقاً تباهي إيران بالسيطرة على مضيق باب المندب إلى جانب مضيق هرمز. حيث يكشف التحليل الأمنيّ عن مسعى طهران المباشر لاستغلال هذه الممرات المائية الحاكمة كأوراق ضغط وتفاوض جيوسياسي ضد الولايات المتحدة ودول المنطقة. وبالتالي فإنّ استعادة باب المندب تسقط هذه الورقة التفاوضية وتنهي منطق الابتزاز البحري الإيراني.
2 ـ إنهاء الشرعية المزعومة وسلطة الأمر الواقع: يرى قهوجي أن الشق الآخر والمحوري لعملية “فجر اليمن”، والمتمثل في الضغط العسكري المتعدد الجبهات باتجاه العاصمة صنعاء، يهدف بالأساس إلى تجريد الحوثيين من مظلة الشرعية السياسية. ففي العلوم العسكرية والاستراتيجية، يمنح البقاء في العواصم السلطات الحاكمة قدرة على فرض سياسة الأمر الواقع والادعاء بالشرعية الدولية والسياسية. وبالتالي، فإن تحرير صنعاء وإعادة مركز الحكم والدولة إليها ينزع هذه الشرعية المزعومة عن الحوثيين، ويوجه ضربة قاصمة للمشروع الإيراني في المنطقة بعد أن تحولت الجماعة الحوثية على مدى أكثر من عقد من حركة محلية إلى أبرز الأذرع التنفيذية لطهران.
البُعد الإقليمي
تتقاطع تحركات قوات يمنية حكومية ميدانية مع إعادة تشكيل هندسة الردع الإقليمية في الشرق الأوسط وصياغة تحالفات أمنية جديدة ومتماسكة. وفي هذا السياق، تكتسب التفاهمات الأخيرة المعززة لـ “حلف مكة” والدور الباكستاني والتركي أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية:
- التفعيل المباشر لاتفاق الدفاع المشترك: تؤكد المعطيات الدبلوماسية الصادرة عن إسلام آباد أن التحركات الراهنة تجري في إطار التزامات أمنية متبادلة لحماية الأمن القومي الخليجي والحرص على استقرار المرور للطاقة والممرات المائية. وأكدت السلطات الباكستانية أن أي تمادٍ أو استهداف حوثي للمنشآت الحيوية في المملكة العربية السعودية سيفعّل بنود اتفاقية الدفاع المشترك فوراً. يمنح هذا الموقف، المنسق مع القدرات العسكرية والتقنية للجانب التركي، مظلة ردع استراتيجية حاسمة تحرم طهران والمسلحين الحوثيين من إمكانية تغيير قواعد الاشتباك.
كما تؤكّد معلومات “أساس” أنّ الخبرات الباكستانيّة والتركيّة في مجال الطائرات المُسيّرة والدّفاع الجّوي ليست بعيدةً عن العمليّة الأخيرة في إطار الدّفاع عن سيادة المملكة العربيّة السّعوديّة بحسب اتفاقيّة مكة التي وُقِّعَت قبل شهريْن. كما أنّ اعتداء الحوثيين على مدينتيْ مكّة المُكرّمة والمدينة المنوّرة أعطى الحافز لإسلام آباد تحديداً للانخرط الدّفاعي بحسب الاتفاقيّة.
يضاف إلى ذلك سلسلة الاجتماعات التي عقدها “حلف مكّة” في الفترة الأخيرة، وكانَ أبرزها:
- الاجتماعات الوزارية والعسكرية التي تلتها اجتماعات تنسيقية لوزراء خارجية السّعودية وتركيا وباكستان في نيويورك على هامش الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في 24 أيلول. واجتماع رؤساء الأركان في الرياض في 25 أيلول.
- الاجتماع الأخير للجنة الاستراتيجية: انعقد اجتماع اللجنة السياسية والدفاعية لاتفاقية مكة في العاصمة السعودية الرّياض يوميْ 4 و5 تشرين الأوّل، أي بالتزامن مع الإعلان عن انطلاق عمليّة “فجر اليمن”، لبحث التطورات الأمنية الإقليمية وسبل التفعيل الميداني والردعي لبنود الاتفاقية.
- الدعم اللوجستي وتوازن الردع: كما يمثل الدعم والتنسيق القائم مع الجانب الباكستاني والتركي عاملاً محفزاً لرفع الجاهزية التنظيمية والعملياتية للجيش الوطني اليمني، مع توفير منظومات إعاقة إلكترونية وتتبع ومراقبة متطورة تحد من التهديدات الحوثية العابرة للحدود، وتؤمن الشواطئ والمياه الإقليمية بشكل مستدام.
التحركات الدولية والتفاعلات
شهد الأسبوع الماضي سلسلة من التطورات والتحركات الدولية المتسارعة التي أعادت ترتيب البيئة السياسية والأمنية الداعمة لإنهاء التهديد الحوثي:
- اللقاء السّعودي – الإماراتي: عكس اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بنائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، وحدة الموقف الخليجي والرؤية الاستراتيجية المشتركة تجاه حسم الملف اليمني كما جاء لاحقاً في خطاب ولي العهد السعودي أمام مجلس الشورى. وشدد اللقاء على أهمية القضاء على التهديدات الملاحية وتأمين الممرات البحرية من باب المندب إلى خليج عدن، وتقديم الدعم الكامل للمؤسسات الشرعية اليمنية لتثبيت الاستقرار.
- الدعم الاستخباري الأميركيّ المباشر: تسارعت وتيرة الدعم والتنسيق الأميركيّة للقوات الحكومية والتحالف العربي. إذ تشير تقارير أميركيّة إلى مشاركة نحو 200 عنصر عسكري واستخباري أميركيّ في عمليات تحديد الأهداف وتتبع شبكات التهريب وتفكيك المنظومات الصاروخية الحوثية. وترافقت هذه التحركات الميدانية مع التصريحات الصريحة لوزير الخارجية الأميركيّ ماركو روبيو، والتي أكد فيها التزام الولايات المتحدة القاطع وحسمها في الدفاع عن أمن السعودية والشركاء الإقليميين، وحماية حرية الملاحة البحرية الدولية.
- تعزيز مهمة “أسبيدس” الأوروبية: من الناحية الغربية، اندفعت العواصم الأوروبية نحو توسيع ونشر نطاق تفويض عملية “أسبيدس” البحرية في البحر الأحمر، وتزويدها بقطع بحرية إضافية وقدرات اعتراض متقدمة. ويهدف هذا التوسع إلى المساعدة المباشرة في تأمين القوافل التجارية ومنع أي اعتداءات حوثية، وتغطية الفراغات الأمنية.
- المعادلة المتقابلة في القرن الأفريقي: تكتمل صورة التدافع الجيوسياسي بالتدخل المصري المباشر والفاعل للتنسيق في الأزمة المتصاعدة بين إريتريا وإثيوبيا. يتجلى هذا الحراك بالتركيز الاستراتيجي على “ميناء عصب الإريتري” الذي يقع بوضوح في الموقع المباشر والمقابل لـ “ميناء المخا” اليمني على الضفة الغربية لباب المندب. تهدف القاهرة والرياض عبر هذا التنسيق خلال الزيارة السريعة التي قام بها الأمير محمد بن سلمان منذ عشرة أيام مصر وتفاهمه مع الرئيس السيسي على دور كل دولة في المعركة. إلى إغلاق ضفتي المضيق وتأمين القوس البحري للقرن الأفريقي، وتجريد إيران من أي إمكانية لبناء قواعد تهريب خلفية أو ثغرات أمنية على السواحل الأفريقية المجاورة تستخدم لإعادة إمداد الجماعة الحوثية.
تقويض “وحدة الساحات المائية”
تتجاوز نتائج عملية “فجر اليمن” مكاسب السيطرة على الجغرافيا، لتضرب العقيدة الجيوسياسية الإيرانية التي عُرفت بـ “وحدة الساحات المائية” في الصميم، وليس فقط “الهلال الإيرانيّ” الذي كان يختصر الطّريق البرّيّة من طهران إلى بيروت.
الطريق نحو صنعاء
برهنت التحولات المتسارعة في جبهات البحر الأحمر وتعز أن العاصمة صنعاء لا تُقتحم وتُسترد عبر الطرق والدروب الجبلية الوعرة فحسب، بل تبدأ في الترنح والسقوط عندما تفقد “الجماعة الحوثية” امتدادها البحري وميزتها الجيوسياسية الحاكمة.
لا تُمثّل عملية “فجر اليمن” مجرد جولة عسكرية لفك حصار مدينة أو تحرير مديرية ساحلية، بل هي المعركة الاستراتيجية الفاصلة التي تقطع ذراع إيران الرابعة والأخيرة، وتنهي عصر الابتزاز الجيوسياسي في البرّ والبحرِ، وتُعيد لليمن سيادته الكاملة ودوره التاريخي الطبيعي كحارس لمدخل البحر الأحمر. هكذا أضحت العودة إلى صنعاء واستعادة الدولة الوطنية مسألة استكمال حتمي لمشروع الاستقرار والأمن القومي العربي الذي تتشكل ملامحه وتُرسم خطوطه النهائية اليوم في أرض الميدان.
