بغداد/ تميم الحسن.. جريدة المدى
تتوقع أطراف قريبة من الفصائل الإفراج عن المعتقلين على خلفية حادثة دهس العلم الأميركي، تحت ضغط وساطات على الحكومة.
وتقول هذه الأطراف إن الحكومة قد تفرج عن المعتقلين، إذا لم تكن قد فعلت ذلك بالفعل وقت كتابة هذا التقرير، بعد تدخلات وضغوط لمنع استمرار احتجاز من تصفهم الفصائل بـ»المجاهدين».
وتقدر المصادر عدد المعتقلين بين 8 و10 أشخاص، فيما وصفتهم حركة النجباء، إحدى الفصائل المنضوية في ما يسمى بـ»المقاومة الإسلامية»، بأنهم مجرد «شباب».
لكن وثائق وصوراً اطلعت عليها (المدى) لبعض المتهمين في الحادث، مثل ضرغام أبو رغيف، تظهر أنه منتسب إلى الحشد الشعبي، وهو الجهاز الذي تقول الحكومة إنه يخضع لسيطرة رئيس الوزراء علي الزيدي.
وجاء التحرك الحكومي بعد أيام من حادثة دهس الأعلام الأميركية، وفي أعقاب تصاعد أصوات من داخل الولايات المتحدة انتقدت ما جرى، ما وضع بغداد أمام حرج سياسي وأمني في التعامل مع الحادث.
ويرى محللون أن تسلسل الأحداث يعكس ما يمكن وصفه بـ»تحركات محسوبة» بين الحكومة والفصائل، لأن بغداد لا تريد خسارة الولايات المتحدة أو الظهور بمظهر العاجز عن فرض القانون، بينما لا تملك الفصائل، في المقابل، هامش التصعيد السابق من دون المخاطرة بنفوذها داخل الدولة.
وتقول مصادر قريبة من الفصائل لـ(المدى) إن الضغوط والوساطات التي سبقت الاعتقالات واستمرت بعدها تهدف إلى منع إبقاء المتهمين في السجن، خصوصاً أن القضية تحولت إلى اختبار لمدى قدرة الحكومة على التعامل مع الفصائل عندما تتقاطع مصالحها مع العلاقة مع واشنطن.
لكن في بغداد، لا تبدو القضية بالنسبة إلى بعض السياسيين مجرد خلاف على اعتقال مجموعة من المشاركين في احتفال.
نائب شيعي سابق، طلب عدم نشر اسمه، يرى أن السؤال الأوسع يتعلق بما بقي للفصائل من قدرة على الضغط على الحكومة بالوسائل التي كانت تستخدمها في السابق.
ويقول النائب لـ(المدى) إن الفصائل «لم يعد أمامها خيار سوى العزل أو تسليم السلاح»، مضيفاً أنها لم تعد تمتلك القدرات التي كانت تملكها سابقاً لفرض إرادتها على الحكومة.
ويشير إلى وجود تفاهم داخل الإطار التنسيقي على حصر السلاح بيد الدولة بحلول نهاية حزيران 2027، مؤكداً أن هذه المهلة ستكون نهائية، ولن يكون هناك طرف مسلح خارج هذا الإطار الزمني.
لكن الفصائل لا تتعامل مع قضية المعتقلين بالطريقة نفسها.
بالنسبة إليها، لم يكن ما جرى أكثر من مشاركة في احتفال، ولم يكن المشاركون، بحسب روايتها، سوى «شباب».
ووصف المعاون العسكري لحركة النجباء، عبد القادر الكربلائي، احتجازهم بأنه «سابقة خطيرة»، وطالب بالإفراج الفوري عن «مجموعة من الشباب».
وقبل ذلك، ظهر زعيم الحركة أكرم الكعبي في مقطع فيديو نشره على حسابه في منصة «إكس» وهو يمشي فوق العلم الأميركي، مرفقاً الفيديو بعبارة: «إجرامكم تحت أقدامنا».
وأعلنت قيادة العمليات المشتركة القبض على المتورطين في «التجاوز على العلم الأميركي» في بغداد.
وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، إن الزيدي وجه بتشكيل لجنة تحقيقية، مؤكداً «محاسبة كل من يثبت تورطه بهذا الفعل، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه».
وأضاف أن الحكومة تؤكد أن «احترام رموز الدول والبعثات الدبلوماسية الصديقة المعتمدة في العراق يمثل التزاماً قانونياً ودبلوماسياً»، وأن أي تجاوز أو إساءة بهذا الشأن ستخضع للمساءلة القانونية.
أربعة أيام من الانتظار
وكانت حادثة دهس العلم الأمريكي وقعت يوم الأربعاء، لكن الاعتقالات لم تبدأ إلا يوم الأحد، بعد أن أثارت المشاهد ردود فعل في الولايات المتحدة.
وكان النائب الأميركي جو ويلسون قد نشر صوراً قال إنها تظهر قيام الحشد الشعبي بـ»تدنيس» العلم الأميركي، مطالباً الحكومة العراقية بتقديم تفسيرات.
وكتب ويلسون، المعروف بموقفه المعارض بشدة لإيران والفصائل التابعة لها، أن الصور تمثل «عدم الاحترام» وتشيد بـ»النظام الإيراني القاتل».
ثم وجه رسالة مباشرة إلى الزيدي قائلاً، بحسب ما نشره على منصة «إكس»: «إذا كنت بحاجة إلى مزيد من الأدلة على أن العراق بات مقاطعة إيرانية… يا زيدي، هل هذا هو رأيك في أمريكا؟ حرروا العراق من إيران».
وبعد هذه الضغوط، تحركت الحكومة.
ويرى محللون أن الفارق بين وقوع الحادثة وبدء الاعتقالات يعكس حساسية الموقف أكثر مما يعكس غياب القرار الحكومي.
ويعتقد أحمد الياسري، رئيس المركز العربي-الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، أن ما يجري هو نوع من «تلوين المواقف» أكثر من كونه تغييراً فعلياً في موازين القوة.
ويقول الياسري لـ(المدى) إن الفصائل ترسل رسائل إلى الولايات المتحدة، في حين تحاول الحكومة من جهتها أن تظهر التزامها بالتفاهمات مع واشنطن.
وبحسب الياسري، فإن الزيدي «لا يملك أن يجازف بفتح جبهة مع الفصائل»، خصوصاً بعد خروج القوات الأميركية، وهو ما يجعل الفصائل تشعر بحالة من التفوق.
ذريعة انتهت.. والسلاح بقي
وكان مشهد الاحتفال يحمل مفارقة يصعب تجاهلها فان القوات الأجنبية التي طالما استخدمتها الفصائل ذريعة للاحتفاظ بسلاحها غادرت العراق فعلاً، لكن السلاح نفسه بقي في مكانه.
وبعد ساعات من انتهاء المهمة الأميركية، لم تعلن الفصائل أنها ستسلم أسلحتها. حدث العكس.
فقد استمرت في إطلاق خطابها المناهض للولايات المتحدة، فيما دخلت الحكومة – كما تعلن- في مرحلة جديدة من التفاهم مع واشنطن، يفترض أن تقوم على شراكة لا تشمل وجوداً عسكرياً أميركياً في العراق.
وتقول أوساط قريبة من الفصائل إن حادثة دهس العلم كانت «أعمالاً فردية»، وإن استمرار اعتقال المشاركين سيضع الحكومة أمام مشكلة أكبر، لأنها ستكون مطالبة بتطبيق المعيار نفسه على كل من يحرق العلم الأميركي.
ويقدم بعض هذه الأوساط ما جرى أيضاً باعتباره تعبيراً عن حرية الرأي، رغم أن الواقعة لم تحدث خلال تظاهرة شعبية عفوية، بل ضمن احتفال نظمته الفصائل بمناسبة انتهاء مهمة التحالف الدولي ضد «داعش».
«خطاب التبعية»
وفي وسط هذه التجاذبات، يقول الياسري إن الفصائل تستخدم خطاب التبعية لإيران كغطاء، لكنها في الواقع تتحرك أيضاً بدوافع داخلية.
ويشرح أن هذه القوى تريد فرض حضورها واعتبار ما حققته “استحقاقاً”، بينما يمنحها ارتباطها بما يسميه “أنبوب النفوذ الإيراني” قوة إضافية.
ويقارن الياسري ذلك بتجربة الحوثيين، الذين تحولت حركتهم من قوة محلية إلى لاعب استراتيجي بعدما ربطوا صراعهم الداخلي بالنفوذ الإيراني.
لكن الفصائل العراقية، بحسبه، تبقى في الأساس حركات تتفاعل مع صراع داخلي، حتى عندما تستخدم أدوات الضغط الإقليمي لإحراج الحكومة أو الضغط على دول الجوار.
ولم تأت أزمة العلم الأميركي في وقت عادي بالنسبة إلى حكومة الزيدي.
فبغداد كانت قد أمضت أسابيع في بناء تفاهمات جديدة مع واشنطن، فيما كانت القوى الشيعية تقترب من إنهاء واحدة من أطول أزمات حكومة الزيدي، وهي أزمة الوزارات الـ9 الشاغرة.
وكانت التسوية قد جرت في أجواء تفاهم مع واشنطن، شملت رفع الفيتو عن بعض الفصائل، بينما كانت بغداد تقول إنها انتقلت إلى شراكة جديدة مع الولايات المتحدة لا تقوم على الوجود العسكري.
وبحسب مصادر خاصة تحدثت لـ(المدى)، تعهدت بغداد بالسيطرة على السلاح خلال المرحلة الجديدة التي تنتهي في حزيران 2027، إلى جانب حماية الاستثمارات الأميركية.
وتقول المصادر إن واشنطن قدمت خلال الأسبوع الذي أعقب لقاء الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيويورك سلسلة من الاستثناءات التي ساعدت على تمرير التسوية.
وكان لقاء الزيدي بترامب قد أثار اهتماماً واسعاً في بغداد، خصوصاً أن رئيس الوزراء حضر الاجتماع منفرداً.
ووفق المصادر والمحللين الذين تحدثوا لـ(المدى)، شملت الترتيبات تمديد الموعد المرتبط بحصر السلاح إلى صيف 2027، والسماح للطيران الإيراني بالعودة إلى مطار النجف وفق ترتيبات محددة، إضافة إلى رفع القيود عن عصائب أهل الحق.
لكن بينما كانت بغداد تمضي في هذه التفاهمات، كان خطاب الفصائل يسير في الاتجاه المعاكس.
فالفصائل، بحسب مصادرها، لا ترى أن موعد حزيران 2027 يعني بالضرورة نهاية قدرتها على الاحتفاظ بالسلاح، فيما ترى أطراف سياسية أن الموعد أصبح تفاهمًا داخل الإطار التنسيقي لا يمكن تجاوزه.
ويعتقد الياسري أن الزيدي سيواصل اتخاذ إجراءات “مرسومة ومحددة”، لكنه سيبقيها دون الخط الذي يقود إلى مواجهة مباشرة مع الفصائل.
وقد تشمل هذه الإجراءات، بحسب تقديره، ملفات فساد أو اعتقالات وإجراءات قانونية أخرى، لإرسال رسالة إلى واشنطن بأن الحكومة تلتزم بما تعهدت به، من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع القوى المسلحة.