لا تزال قضية الهوية الطائفية والإثنية في سوريا تفرض حضورها بقوة في ظل استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية. ومع أن السوريين عاشوا لعقود ضمن تنوع ديني وإثني واسع، إلا أن تداعيات الحرب وما رافقها من تدخلات خارجية عمّقت الميل إلى الانتماءات الضيقة باعتبارها ملاذاً للأمان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ويجمع حقوقيون وأكاديميون على أن هذه الانتماءات برزت كخيار اضطراري للعديد من السوريين، خاصة في ظل شعور عام بانعدام الأمان وتراجع الدولة عن دورها الضامن للمواطنة.
إذ برزت الطائفية والانتماءات الإثنية بوصفها تعبيراً عن الحاجة إلى الحماية في لحظات الانهيار، غير أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب، بحسب خبراء، إعادة هيكلة الهوية الوطنية السورية. ويؤكد هؤلاء أن أي صيغة مستقبلية لا بد أن تبنى على ضمانات قانونية ودستورية تعزز شعور جميع المكونات بالمساواة، بما يمهد لقيام روابط وطنية قادرة على تجاوز الانقسامات الضيقة ويعيد الاعتبار إلى الهوية الجامعة.
وتتفق غالبية الآراء على أن بناء دولة مدنية في سوريا لن ينجح إذا تم تجاهل الخصوصيات الطائفية والإثنية أو التعامل معها بخطاب إنكاري. بل إن تأسيس دولة مواطنة حقيقية يحتاج إلى صياغة منظومة حقوق واضحة للأقليات، تدمج ضمانات المشاركة السياسية والاجتماعية مع آليات قانونية لتجريم الخطاب الطائفي المحرض على العنف والكراهية. ومن دون ذلك ستبقى المخاوف الجماعية عائقاً أمام أي مشروع وطني جامع.
اقرأ أيضاً: التأثير السلبي لفشل تحقيق العدالة: تعميق الانقسامات الطائفية أولاً
ورغم القيود السياسية والواقع الأمني، يظل المجتمع المدني أحد الفاعلين القادرين على إعادة بناء الرابط الوطني. فمبادرات الحوار وتعزيز خطاب العيش المشترك تشكّل خطوات أولية مهمة، غير أن نجاحها يظل مرهوناً بتوافر بيئة سياسية وإعلامية أكثر انفتاحاً، وبجهود تشريعية ورقابية جادة تحد من الانقسام الطائفي وتعزز الهوية الوطنية الجامعة.
الأمان وإعادة هيكلة الهوية الوطنية
قال جلال الحمد، حقوقي في منظمة العدالة من أجل الحياة، لـ”963+” إن “الهوية الطائفية والإثنية هي إحدى الهويات الفرعية للسوريين. الحاجة إليها تقل وتزداد وفقاً للواقع السياسي والاقتصادي والأمني في البلاد. لذلك نلاحظ أنه كلما اشتدت الأزمة السياسية وإشعار الناس بحاجتهم للأمان، لجأوا لهذه الهويات الفرعية والانتماءات الضيقة ومنها الانتماءات الطائفية”.
ويضيف: “سواء سياسة حزب البعث خلال الـ50 وحتى السياسات الحالية في مختلف مناطق السيطرة تدفع السوريين إلى الانتماءات الضيقة بحثاً عن الأمان لأن داخل هذه الانتماءات يجدون نوعاً من أنواع التكافل والتضامن الذي في ظل هذه الأزمات الحادة يصعب عليهم أن يجدوه خارج الانتماءات الضيقة”.
وأضاف الحمد أن “الحرب في سوريا زادت من حاجة السوريين إلى الأمان سواء على المستوى الشخصي أو أمان العائلة أو الأمان الاقتصادي. بالتالي توجهوا نحو الانتماءات الضيقة”.
ويرى أن “هناك مؤشرات تقول إن السوريين يمكن أن يعيشوا أو أن يتخلصوا شيئاً فشيئاً من انتماءاتهم الطائفية، ليس بمعنى أن ينهوا العلاقة معها ولكن يمكن تشكيل رابطة تتجاوز الروابط الطائفية، لكن هذا يعتمد على إحساس كل مجموعة طائفية بالأمان وهذا يعني أن التعامل معها يكون بالتساوي مع غيرها من المجموعات من الطوائف أو الإثنيات، وبالتالي في حال توافرت الظروف الملائمة التي تجعل من هذه الطوائف تشعر أنها على قدم المساواة مع كل السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم، عندها يمكن العيش بشكل مشترك بروابط تتعدى الروابط الطائفية وهنا لا بد من إشعار هذه الطوائف بالأمان”.
وأوضح أن “هذا الأمر لا يجوز أن نصوره على أنه مدخل لتقسيم البلاد بل هو مدخل ضروري لإعادة هيكلة الهوية الوطنية السورية، وذلك من خلال أن تتظافر حقوق المواطنة أي الحقوق الفردية مع حقوق الجماعات من خلال نظرية أو رؤية جديدة لحقوق الأقليات ما يمهد بشكل كبير لإعادة دمج المجموعات الطائفية الخائفة والتي لا تشعر بالأمان بالمجتمع السوري ككل”.
وتابع الحمد: “بشكل طبيعي عندما تزداد حاجة الناس إلى الطوائف وروابطهم الضيقة سيكونون شريكاً متاحاً لكل التدخلات الخارجية التي تسعى لمصالحها سواء الإيرانية أو التركية أو الإسرائيلية أو غيرها، بالتالي كل هذه التدخلات التي تجد شركاء جاهزين ومحتاجين لها قائم على ابتعاد الناس عن الرابط الوطني باتجاه الروابط الضيقة وهذا نتيجة عدة عوامل اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة”.
الدولة المدنية والحقوق الطائفية
ويرى أن “بناء دولة مدنية في سوريا ممكن، لكن يجب ألا تتجاهل تلك الدولة الخصوصيات الطائفية والإثنية والمخاوف والحقوق، فالحديث عن دولة مدنية ودولة مواطنة كحل لمشكلة الطوائف لا يكفي لأن الطوائف لن تشعر بالأمان من خلال هذا الطرح، ويجب أن يكون أحد لبنات بناء الدولة المدنية هو الحساسية العالية للمكونات الطائفية والبدء بصياغة حقوق للأقليات في القانون يمهد للاندماج في المجتمع السوري بدلاً من أن يكون القانون يفرض حالة الانقسام”.
وأشار الحمد إلى أن “المجتمع المدني هو الوحيد الذي يلعب دوراً لتجاوز هذه الانتماءات الضيقة والمحدودة لأن السلطات السابقة والحالية تمارس ذات النهج القائم على زرع التفرقة بين مكونات المجتمع السوري. المجتمع المدني الجهة الوحيدة ويبدل جهداً يحاول أن يعيد الرابط الوطني، وحتى ينجح لا بد من تظافر عوامل أخرى كالإعلام والإدارة السياسية للأطراف المتنازعة ويبدو أنها غير متوافرة وهو ما يجعل من دور المجتمع المدني محدود حتى الآن”.
من جانبه، قال أحمد الكناني، كاتب صحفي ومحاضر في كلية الإعلام بجامعة دمشق لـ”963+” إن “المجتمع السوري مجتمع غير طائفي رغم اختلاف المكونات على الجغرافيا السورية، على العكس تماماً هو مجتمع تآلف على مدار السنين الطويلة، وحتى قبل حكم حزب البعث كان مجتمعاً متعدد الأطياف والمكونات، وحكمه العديد من الشخصيات السياسية من كافة التيارات لا سيما الشخصية الأبرز بتاريخ سوريا هو فارس الخوري وهو من الديانة المسيحية ويخطب بالجامع الأموي”.
الولاءات والمحاصصة وبناء الدولة المدنية
استبعد الكناني أن “يكون النظام البعثي قد اعتمد على الطائفية لتعزيز الهوية من خلال توزيع الموارد والمناصب، بل يرى أن نظام البعث كان يعتمد على الولاءات بغض النظر عن الطائفة، بمعنى أن من يقدم الولاء للطائفة الأسدية هو من يحصل على الامتيازات وعزز الانتماء بشكل أكبر”.
وأضاف أن “الثورة السورية لم تسهم بانقسام الشعب السوري على أساس طائفي خاصة أن من خرج فيها هم السوريون من جميع الطوائف على نظام الأسد الذي كان يعتمد على ولاء الأشخاص وليس الانتماء الطائفي. اعتمد النظام المخلوع على النزعة الطائفية بتسليم المقاليد الاستبدادية والملفات الأمنية لبعض الشخصيات التي كان يثق بهم بشكل شخصي أكثر من قضية طائفية”.
وأشار إلى أن “هناك العديد من الأشخاص كانوا يرون أن الثورة السورية قامت على أساس طائفي وهي موجهة ضد طائفة معينة لذلك بعض الطوائف باتت ترفضها كقضية وجود بسبب ما عززه نظام البعث الذي كان يقوده بشار الأسد الذي فرّ إلى موسكو”.
وقال الكناني إن “التدخلات الخارجية كان لها دور كبير وأدت إلى تعزيز النزعة الطائفية لا سيما إيران و’حزب الله’ اللذان غذيا ومولا لجان وميليشيات ليكون لديهم انتماء طائفي ليقوموا بقتل وإبادة من يطالبون بالحرية. وبعد عسكرة الثورة السورية في 2013 ودخول السلاح على خط المواجهة من النظام المخلوع وانتشار الفصائل تم استخدام هذه فصائل على أساس طائفي وزجهم بالمعارك على أساس طائفي مع جيش النظام البائد. لذا فإن إيران دعمت الطائفية وكانت هدفاً لها من تدخلها في سوريا، بينما كان لتركيا أهداف سياسية واستراتيجية أكثر مما تكون طائفية”.
واعتبر أن “بناء الدولة المدنية بات صعباً بعد الأحداث التي جرت خلال آذار/مارس، وتموز/يوليو الماضيين في الساحل والسويداء، حيث أصبحت الطائفة هوية ونتيجة التدخلات الدولية ودعم الأطراف لن يكون هناك دولة مدنية دون محاصصة بالحد الأدنى سواء عبر المناصب على أساس طائفي أو نظام الإدارة متعلق بالمكونات”.
وأوضح: “هناك فرق بين محاصصة مبنية على إعطاء طوائف حقها في المشاركة السياسية والمشاركة الإدارية في الدولة وهذا حق لها، والخطاب الطائفي يخضع لأنظمة وقوانين تجرم هذا النوع من الخطاب. وقد قصرت وزارتي الإعلام والعدل في إصدار مثل هذه القوانين التي تجرم الطائفية، وهذا أدى لتمدد الخطاب بين الشارع السوري والحديث نتيجة لهوامش الحرية وأصبح هناك طائفية أكبر في الخطاب الشعبوي وصولاً إلى خطاب النخب المثقفة وأصبح فيه نزعة انفصالية وطائفية وتحريض على العنف والكراهية”.
ولفت إلى أن “هناك العديد من مؤسسات المجتمع المدني التي بدأت العمل على تيسير جلسات حوار متعلقة بوضع أسس لضبط الخطاب الإعلامي في مؤسسات الإعلام السوري العامة والخاصة، إضافة إلى الدعم لسن قوانين وتشريعات ناظمة لتجريم الخطاب الطائفي والمحرض على العنف والكراهية. وهناك تجارب كبيرة في الدول المجاورة والدول الأوروبية ويتطلب ذلك التشديد الرقابي بما يتعلق باستخدام الخطاب المحرض على العنف”.
المصدر. موقع 963